اليمن الذي اكتوى بالحرب لسنوات بات نظرياً بمنأى عن الحرب الإقليمية التي تحرق دول المنطقة، لكنه عملياً لن يتمكن من تفادي تداعياتها التي تنذر بعودة الأزمات المعيشية وتهدد الاقتصاد الضعيف بعد فترة قصيرة من الاستقرار والتعافي. ومنذ منتصف عام 2014، كان اليمن ساحة حرب بالوكالة للفاعلين الرئيسيين في طهران والرياض وأبوظبي، وسبَّبت الحرب تدهوراً اقتصادياً وأزمات معيشية وارتفاعاً مخيفاً في معدلات البطالة، ودفعت نصف اليمنيين تحت خط الفقر، وفق بيانات الأمم المتحدة. وعلى الرغم من انتقال أصوات الانفجارات ومشاهد الدمار إلى عواصم الإقليم، تهدد نيران الحرب إمدادات الغذاء في بلد يستورد نحو 90% من احتياجاته، ومن المرجح أن تترك تداعيات خطيرة على اقتصاد اليمن المنقسم بين الحكومة الشرعية والمتمردين الحوثيين، ما يفاقم معاناة السكان.
ويستورد اليمن نحو 90% من احتياجاته، ويواجه الاقتصاد اليمني ضغوطاً شديدة على ميزان المدفوعات بسبب اعتماده الكبير على الواردات. ومن المرجح أن يزيد التوتر الإقليمي من خطر حدوث نقص في الإمدادات الغذائية في السوق اليمنية، ويزيد الضغط على أسعار المواد الغذائية المرتفعة أصلاً على خلفية الحرب في اليمن، التي تشهد هدنة هشة منذ عام 2022. ويعتمد اليمن بشكل كبير على الواردات من الإمارات العربية المتحدة، إذ يُعد ميناء جبل علي في دبي مركزاً لوجستياً حيوياً لإعادة شحن البضائع المتجهة إلى اليمن. وفي عام 2023 صدّرت الإمارات ما قيمته نحو 1.72 مليار دولار من البضائع إلى اليمن.
وفي السياق، قال المحلل الاقتصادي حسام السعيدي لـ"العربي الجديد" إن اليمن سيواجه مشكلة غذائية كبيرة إذا استمر هذا الاضطراب، محذراً من أن الضربات الأميركية والإسرائيلية قد تهدد بتعطيل سلاسل الإمداد الغذائي والبنية التحتية، وأن أي انقطاع في الشحنات سيزيد من حدة هذه المشكلة. وأضاف السعيدي أن هناك تداعيات مباشرة على الاقتصاد اليمني تتعلق بارتفاع أسعار المشتقات النفطية، إذ تستورد البلاد المشتقات النفطية من الخارج، وقد مثلت وارداتها نحو 20% من إجمالي الواردات عام 2024. وتابع: "كما أن السوق اليمنية تتأثر بحالة الإغلاق والشلل في بعض الموانئ الإقليمية التي تمثل محطة مهمة للواردات اليمنية، ما يزيد تكاليف الشحن والتخزين".
ويستورد اليمن منتجات أساسية عبر ميناء جبل علي تشمل المواد الغذائية، مثل الحبوب والدقيق والنشا والحليب المركز، إلى جانب السلع الاستهلاكية مثل الإلكترونيات والملابس والمنسوجات والأحذية، وكذلك المستلزمات الطبية بما في ذلك شحنات المساعدات من منظمات مثل منظمة الصحة العالمية. كما يستورد اليمن من ميناء جبل علي نحو 90% من المنتجات البترولية المكررة والوقود، ويشمل ذلك مناطق الحكومة والحوثيين على السواء، وهو ما يجعلها عنصراً رئيسياً في التجارة بين الإمارات واليمن. ويستورد الحوثيون الغاز المنزلي عبر ميناء جبل علي، وأي تعطل في حركة الميناء قد يؤدي إلى أزمة خانقة في مادة الغاز المستخدم للطهي في مناطق سيطرتهم ذات الكثافة السكانية العالية.
وكان رئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد العليمي قد اجتمع، يوم السبت، مع لجنة إدارة الأزمات لبحث سبل الاستجابة للتطورات في المنطقة، مؤكداً أولوية حماية سبل العيش والعملة الوطنية وتحييد البلاد قدر الإمكان عن الارتدادات الاقتصادية للصراع. وشدد العليمي على أهمية الجاهزية الكاملة للتعامل مع أي سيناريوهات محتملة بما يضمن استمرار وفاء الدولة بالتزاماتها الحتمية، وفي مقدمتها دفع رواتب الموظفين وتدفق السلع والواردات الأساسية.
كما وجه بمتابعة وتحديث الإجراءات والخطط الاقتصادية بشكل مستمر ورفع تقارير دورية حول مؤشرات الأسواق والمخزون السلعي، والعمل مع الشركاء الدوليين لتأمين الممرات المائية وسلاسل الإمداد، وفق ما نقلته وكالة "سبأ" الحكومية. وأعلنت الحكومة اليمنية، الأحد، مؤشرات مطمئنة بشأن أداء المالية العامة وموقف الاحتياطات الخارجية، إضافة إلى المخزون السلعي الذي تشير التقارير إلى بقائه عند مستويات آمنة تكفي لفترات تراوح بين أربعة وستة أشهر، مؤكدة أن ذلك تحقق بفضل التدخلات الاقتصادية والتمويلية من السعودية.
وأوضح المحلل الاقتصادي حسام السعيدي أن الآثار المحتملة، في حال استمرار الحرب وإغلاق مضيق هرمز وتعطيل الحركة الاقتصادية في الموانئ الإقليمية لفترة أطول، لن تقتصر على ارتفاع الأسعار فحسب، بل قد تهدد سلاسل التوريد والمخزون الاستراتيجي من السلع، إضافة إلى الضغط على سعر صرف الريال أمام الدولار نتيجة ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية لتغطية زيادة تكاليف الواردات. ويعرّض اعتماد اليمن على استيراد الغذاء والوقود لتلبية الطلب المحلي مواطنيه لتغيرات مفاجئة ومطولة في ديناميكيات السوق الدولية، بما في ذلك ارتفاع الأسعار أو انقطاع الإمدادات، وفق برنامج الأغذية العالمي. كما تؤثر ديناميكيات السوق المحلية، مثل تقلبات أسعار الصرف وتوافر العملات المحلية والأجنبية وعوامل التكلفة الداخلية، بشكل مباشر على أسعار المواد الغذائية المحلية، ومن ثم على القدرة الشرائية للأسر وإمكانية حصولها على الغذاء.
ويتوقع خبراء الاقتصاد أن يتعرض اليمن مجدداً لأزمة مالية حادة نتيجة تقلص الدعم السعودي وانخفاض تحويلات المغتربين، خاصة في حال تعطل صادرات النفط عبر مضيق هرمز. وأوضح أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن يوسف سعيد أن هناك مخاطر حقيقية في الوقت الراهن نتيجة الحرب في المنطقة، وأن التداعيات الاقتصادية المتوقعة قد تنعكس على الاستقرار في السعودية ودول الخليج اقتصادياً ومالياً وحتى أمنياً. وقال سعيد لـ"العربي الجديد": "إن أي تداعيات خطيرة على الدول الخليجية سوف تنعكس على اليمن، ما سيؤثر سلباً على حجم الموارد الخارجية. وفي ظل هذه المخاطر التي تتسم بحالة عدم اليقين، فإن التداعيات على الاقتصاد اليمني ستكون خطيرة، وقد تنعكس في عدم قدرة الحكومة على دفع رواتب موظفي القطاع العام وتراجع تحويلات المغتربين".
وتعتمد اليمن على الدعم المالي السعودي في دفع رواتب موظفي الحكومة وشراء الوقود لتشغيل محطات توليد الكهرباء، ومن ثم قد يؤدي تقلص الدعم السعودي أو توقفه إلى أزمة مالية حادة وأزمات في تقديم الخدمات العامة. وتعاني الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أزمة مالية منذ توقف تصدير النفط الخام في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، بعد استهداف جماعة الحوثيين ميناء تصدير النفط في الضبة بمحافظة حضرموت بطائرات مسيّرة. وقد سبَّب توقف تصدير النفط اليمني في أزمة مالية للحكومة، التي فقدت أهم مصادر إيراداتها، ووجدت صعوبة في الوفاء بالتزاماتها، مثل دفع رواتب موظفي القطاع العام وتوفير الخدمات الأساسية. وحتى نهاية عام 2025 كانت الحكومة اليمنية تتأخر في دفع رواتب موظفي القطاع العام وأجور الجيش لفترات طويلة راوحت بين أربعة وستة أشهر متواصلة، فضلاً عن العجز في تقديم الخدمات.
وتكفلت السعودية منذ يناير/كانون الثاني الماضي بدفع رواتب الموظفين بانتظام وتوفير إمدادات الوقود لتشغيل محطات توليد الكهرباء، بعد عملية عسكرية أعلنت نجاحها في تطهير محافظات جنوب وشرق البلاد، وأعلن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، في 4 مارس/آذار الجاري، دعماً اقتصادياً جديداً للحكومة اليمنية بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي، موضحًا أن هذا الدعم سيخصص لتغطية النفقات التشغيلية ودفع الرواتب.
المصدر:
عدن الغد