آخر الأخبار

ما هي عقيدة الحرب التي صُممت ليوم غياب المرشد في إيران ومن القائد الذي أعدها ؟

شارك

غير أن رد الفعل الإيراني الذي تلى الاغتيال لم يكن عشوائياً أو ارتجالياً، بل بدا وكأنه نتيجة بنية عسكرية أُعدّت مسبقاً للتعامل مع سيناريو فقدان القيادة العليا. تعود جذور هذه الفكرة إلى ما بعد حرب العراق عام 2003، عندما لاحظ قادة الحرس الثوري الإيراني كيف تمكنت الولايات المتحدة من إسقاط نظام صدام حسين بسرعة عبر استهداف القيادة المركزية وشلّ جهاز القيادة والسيطرة. وقد ولّد هذا الدرس قناعة لدى القيادة العسكرية الإيرانية بضرورة إعادة بناء العقيدة الدفاعية بطريقة تضمن استمرار القتال حتى في حال انهيار القيادة السياسية أو اغتيالها.

ضمن هذا السياق ظهرت عقيدة "الدفاع الفسيفسائي"، والتي أنشأها اللواء محمد علي جعفري الذي تولى منصب القائد العام للحرس الثوري الإيراني عام 2007م، وهي تصور عسكري يقوم على تفكيك مركزية القيادة وتحويل الجيش إلى شبكة من الوحدات الإقليمية المستقلة نسبياً. جوهر هذه العقيدة هو أن الدولة لا تقاتل كجسم واحد يمكن قطع رأسه، بل كمجموعة خلايا عسكرية مترابطة تعمل بصورة شبه مستقلة. وبهذا المعنى تتحول الدولة إلى منظومة مقاومة موزعة جغرافياً، بحيث يصبح تدمير القيادة العليا أو مراكز القيادة التقليدية غير كافٍ لوقف العمليات العسكرية.

وقد تجسدت هذه الفكرة عملياً في إعادة تنظيم البنية العسكرية الإيرانية إلى قيادات إقليمية مرتبطة بالمحافظات، بحيث تمتلك كل قيادة قدراً من الاستقلال العملياتي واللوجستي. فهذه القيادات ليست مجرد فروع إدارية، بل وحدات قتالية متكاملة تضم مخازن سلاح ومنظومات صاروخية وطائرات مسيّرة وقوات بحرية. وبهذا التكوين تتحول كل محافظة تقريباً إلى مركز عمليات قادر على إدارة الحرب في نطاقه الجغرافي بدون الحاجة إلى توجيه مباشر من القيادة العليا.

الجانب الأكثر حساسية في هذه العقيدة يتمثل في ما يعرف بالتفويض المسبق للسلطة العسكرية. فبدلاً من انتظار الأوامر من القيادة المركزية في طهران، يمتلك القادة الإقليميون صلاحيات مبرمجة مسبقاً لتنفيذ خطط الرد في حال وقوع سيناريوهات محددة، مثل اغتيال القيادة أو تدمير مراكز القيادة والسيطرة. وهذا التفويض لا يعني غياب التنسيق الكامل، بل يعني أن العمليات يمكن أن تستمر حتى في حال انقطاع التسلسل القيادي التقليدي.

في ضوء ذلك يمكن فهم الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي أعقبت اغتيال خامنئي باعتبارها نتيجة تفعيل منظومة الرد المسبق، وليس مجرد رد فعل سياسي آني. فبمجرد تحقق السيناريو الذي بُنيت العقيدة على أساسه، وهو فقدان المرشد الأعلى، تدخل خطط الطوارئ العسكرية حيز التنفيذ تلقائياً عبر القيادات الإقليمية المختلفة، ما يجعل وقف العمليات أو السيطرة عليها أمراً أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل تعدد مراكز القرار الميداني.

يزيد من تعقيد هذا الوضع البعد الدستوري للنظام الإيراني. فالدستور يمنح المرشد الأعلى السلطة المطلقة على القوات المسلحة، ولا يتيح لأي مؤسسة أخرى إلغاء أو نقض أوامره العسكرية. وبغياب المرشد الذي يملك وحده هذه الصلاحيات، تظل الأوامر السابقة التي صدرت في إطار خطط الطوارئ العسكرية قائمة من الناحية القانونية.

هذا الوضع يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة النظام الإيراني نفسه: هل هو نظام مركزي يعتمد على شخص المرشد، أم منظومة مؤسساتية صُممت لتستمر حتى بعد غياب رأسها؟ الأحداث التي أعقبت اغتيال خامنئي تشير إلى أن الدولة الإيرانية، على الأقل في بعدها العسكري، حاولت منذ سنوات التحول من نموذج القيادة الهرمية الصارمة إلى نموذج الشبكة اللامركزية القادرة على امتصاص الضربات الاستراتيجية.

ومن ثم فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه خصوم إيران اليوم لا يتمثل فقط في القدرة على توجيه ضربات عسكرية مؤثرة، بل في التعامل مع منظومة قتالية موزعة يصعب تعطيلها بضربة واحدة. فحتى لو نجحت في إزاحة القيادة العليا، فإن بنية "الدفاع الفسيفسائي" تجعل الحرب تستمر عبر عشرات المراكز الميدانية المستقلة، ما يحول الصراع من مواجهة تقليدية قصيرة إلى حرب استنزاف طويلة متعددة الجبهات.

في النهاية، يكشف هذا التطور عن تحول أعمق في طبيعة الحروب الحديثة في الشرق الأوسط. لم تعد الحروب تُحسم فقط بإسقاط الحكومات أو اغتيال القادة، بل أصبحت تُدار عبر شبكات عسكرية لامركزية قادرة على العمل حتى في ظل الفوضى السياسية. وبقدر ما يمثل اغتيال خامنئي لحظة مفصلية في تاريخ إيران، فإنه في الوقت نفسه يختبر مدى فعالية العقيدة العسكرية التي بُنيت تحسباً لمثل هذا اليوم، فضلاً عن أنه تم اختيار مرشد أعلى بعد أيام قليلة من اغتيال علي خامنئي وهو ابنه مجتبى الذي بايعه الإيرانيون فور إعلان اختياره.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا