لم يكن تاريخ28 فبراير مجرد يوم عابر في الروزنامة الاقتصادية للإمارات، بل كان "نقطة الانكسار" التي فصلت بين عصر الازدهار المطلق وبين واقع جيوسياسي مرير، أطاح بصورة دبي كمنطقة آمنة وبعيدة عن صراعات الشرق الأوسط، ومع دخول المواجهة المباشرة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى أسبوعها الثاني، بدأت مؤشرات "الانهيار الهيكلي" تلوح في أفق المدينة التي كانت تُوصف بأنها "الملاذ الآمن للاستثمار والاقتصاد".
تصدع جدار الثقة
لسنوات، استمدت دبي قوتها من قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لكن بعد28 فبراير، تحولت هذه الجاذبية إلى مصدر للقلق والمخاوف للمستثمرين ورؤوس الأموال، كان من أبرز ملامح هذا التحول هو النزيف المتسارع للسيولة، حيث سجلت الأسواق المالية خروجاً تاريخياً للمستثمرين الأجانب تجاوز4.2 مليار دولار في غضون أيام، مع تصنيف وكالات ائتمانية دولية للبيئة الاستثمارية في المنطقة بأنها "عالية المخاطر".
ويؤكد المحللون أن دبي فقدت ميزتها التنافسية كوجهة محايدة؛ إذ بدأ المستثمرون العالميون برؤية المدينة كـ "هدف محتمل" لصراع طويل، مما يدفع بتحوّل تدفقات الأموال نحو وجهات أخرى. مشيرين إلى حالة من "فقدان الثقة السيادي"، حيث لم يعد القلق يقتصر على "الضرائب" أو "التسهيلات"، بل أصبح سؤال "الأمن الوجودي" هو المحرك؛ فالمستثمر الذي اختار دبي هرباً من عدم استقرار في أي بقعة من العالم، يجد نفسه اليوم في قلب بركان عسكري.
تسونامي الرحيل للشركات
"هجرة الشركات الكبرى تضع مسماراً أخيرًا في نعش "المركز المالي".. هكذا يصف خبراء الاقتصاد مشهد الخروج الجماعي للشركات العالمية من مناطق التجارة الحرة في دبي، فبعد أن كانت المدينة تروج لنفسها كـ "ملاذ آمن" لا تمسه نيران الإقليم، أثبتت الصواريخ العابرة للحدود أن "الحصانة الجغرافية" كانت مجرد وهم تسويقي تبخر عند أول اختبار حقيقي.
وبدأت شركات التكنولوجيا الكبرى والمؤسسات المالية التي تتخذ من "مركز دبي المالي العالمي" مقراً إقليمياً لها، في تفعيل خطط الطوارئ لنقل عملياتها السيادية، حيث تشير التقارير إلى أن 35% من الشركات التي كانت تتخذ من دبي مقراً لها، بدأت بالفعل في نقل موظفيها الأساسيين وسيرفرات بياناتها إلى مراكز بديلة مثل سنغافورة ولندن، وحتى الرياض التي بدأت تُقدم كبديل أكثر عمقاً وأماناً بعيداً عن خطوط التماس البحرية المباشرة.
وتؤكد التقارير أن الأيام الأخيرة شهدت محاولات حثيثة من الأفراد والشركات لتحويل مدخراتهم بالدرهم إلى الدولار ونقلها لخارج الدولة، مما دفع ببعض التوقعات للحديث عن احتمالية فرض "قيود على حركة رؤوس الأموال" لمنع الانهيار التام للعملة المحلية المرتبطة بالدولار.
شلل قطاع الطيران
وضربت الحرب الدائرة حاليا جميع القطاعات الاقتصادية التي يقوم عليها اقتصاد دبي، وفي مقدمتها قطاع الطيران، الي يعد أهم شريان يصل دبي بالعالم شرقا وغربا، حيث تسببت الحرب في "انسداد" حاد لهذا الشريان، حيث أن إغلاق الأجواء وتصاعد التهديدات الصاروخية جعل من مطار دبي الدولي منطقة قلق بدلاً من كونه بوابة للعالم.
وتشير الأرقام إلى تراجع حركة العبور بنسبة تقارب 60% منذ مطلع مارس، مع إلغاء شركات طيران عالمية رحلاتها بشكل نهائي خوفاً من الانزلاق في منطقة حرب مفتوحة، كما أن الزيادة الجنونية في أسعار التأمين على الطائرات والوقود جعلت نموذج "الطيران الاقتصادي والفاخر" الذي تتبعه دبي غير قابل للاستمرار من الناحية الربحية.
انفجار فقاعة التفاؤل العقاري
يؤكد الاقتصاديون أنه وبعد 28 فبراير، لم تعد ناطحات السحاب في دبي تُرى كأصول استثمارية مربحة، بل كـ "كتل إسمنتية" معرضة للمجهول، وقد تشكل تهديدا كبيرا مع استمرار الصراع، وخاصة بعد انهيار الطلب على العقارات منذ بداية الحرب، حيث توقفت حركة البيع على الخارطة بشكل شبه كامل، مع تسجيل تراجع في قيم العقارات الفاخرة بنسبة بلغت 22%، في غضون
عشرة أيام، نتيجة ذعر الملاك ورغبتهم في تسييل أصولهم بخصومات هائلة للهروب بالسيولة. كما أنه وبفعل الحرب توقفت الأعمال الإنشائية في عدة مشاريع كبرى نتيجة انقطاع خطوط التمويل البنكي وتوقف سلاسل توريد مواد البناء.
عزلة تجارية.. ومدن أشباح
تواجه الموانئ الإماراتية اليوم- وعلى رأسها ميناء جبل علي، الذي يمثل شريان الحياة التجارية في المنطقة- واقعاً مظلماً، مع تحول مضيق هرمز إلى "ساحة عمليات عسكرية"، حيث لم تعد السفن التجارية تجرؤ على العبور في المضيق، الأمر الذي ينذر بالتحول إلى عزلة تجارية، بسبب المخاوف التي أثارها استمرار تصاعد الصراع، حيث ألغت كبرى شركات الشحن والخدمات اللوجستية عقودها طويلة الأمد، مما حول المناطق الحرة إلى مستودعات مكدسة بضائع لا تجد من يشحنها أو يشتريها.
وتشير التقارير إلى تحول مناطق مثل "جبل علي" و"مدينة دبي للإنترنت" من خلية نحل إلى مدن أشباح، حيث أصبحت المكاتب التي كانت تتسابق الشركات لاستئجارها بأسعار فلكية، تُعرض اليوم للإيجار من الباطن بخصومات تصل إلى 60%، دون جدوى.
قطاع السياحة: بريق مطفأ
دبي التي كانت "مدينة لا تنام"، تعيش اليوم تحت وطأة القلق. قطاع الفنادق والرفاهية سجل أدنى معدلات إشغال منذ عقود، حيث بلغت نسبة إلغاء الحجوزات السياحية لشهر مارس وما بعده قرابة80%، ما يعني أن المدينة لم تعد وجهة للسياحة والترفيه، بل أصبحت بيئة يسودها الترقب الأمني، وترتفع فيها نسبة المخاطر التي يستحيل معها استمرار السياحة، مما تسبب في توجيه ضربة قاتلة لقطاع السياحة، وأدى إلى تسريح جماعي للعمالة في قطاع الخدمات.
كما أن ارتفاع تكاليف الشحن البحري بنسبة 300%، أدى إلى قفزة تضخمية في أسعار السلع الأساسية داخل دبي، بدأت معها مظاهر تآكل القوة الشرائية لتدفع المقيمين إلى التفكير في المغادرة الجماعية.
هجرة العقول ونزيف العمالة
وتواجه دبي المدينة القائمة على "المغتربين" بدءا من عمال الخدمات، وصولا إلى العقول وكفاءات في مختلف المجالات، شبح الإخلاء من الوافدين، حيث أن هؤلاء هم أول من يقفز من السفينة عند استشعار الغرق، حيث سجلت شركات الطيران والشحن زيادة بنسبة 200% في طلبات "شحن الأمتعة الشخصية" للمقيمين الغربيين والآسيويين منذ مطلع مارس.
ويؤكد محللون أن هذا الوضع ينذر بفقدان الكفاءات في قطاعات هامة مثل الطب، الهندسة، والبرمجيات وغيرها، وهو ما يعني يعني أن دبي لن تفتقد المال فحسب، بل ستفتقد العقول اللازمة لإدارة ما تبقى من حطام اقتصادي.
هل انتهى العرض؟
تُجمع التقارير الاقتصادية الميدانية على أن "دبي ما قبل 28 فبراير" قد انتهت؛ تلك المدينة التي كانت تبيع الأمان والنمو اللامتناه، وهي تواجه اليوم واقعاً جديداً كبيئة استثمارية غير آمنة، حيث أثبتت الصواريخ والمسيرات أن "الجغرافيا لا ترحم"، وأن الاعتماد المفرط على الاستقرار الخارجي في منطقة ملتهبة كان "كعب أخيل" الذي أصاب جسد الاقتصاد الإماراتي في مقتل.
إن التحول من "ملاذ آمن" إلى "بيئة طاردة" هو التحول الأكثر كلفة في تاريخ المدن، فدبي التي بُنيت على فلسفة "ابنِهِ وسوف يأتون"، تواجه اليوم حقيقة "ارحل وسوف يتبعونك،" فالثقة التي بُنيت عبر 40 عاماً تهدمت في 10 أيام، وأصبح المستثمر يرى في ناطحات السحاب مجرد "أهداف هشة" بدلاً من كونها "رموزاً للقوة".
ويؤكد المحللون أن دبي بعد 28 فبراير ليست مجرد مدينة تعاني من ركود، بل هي كيان اقتصادي فقد "روحه" الاستثمارية، مشيرين إلى أن التاريخ سيذكر هذا التاريخ بوصفه اليوم الذي توقفت فيه الساعة في دبي، وبدأ فيه زمن التراجع الكبير، حيث لم تعد المدينة قادرة على تسويق "الأمان" في المنطقة والعالم.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية