آخر الأخبار

الشرق يتماسك حول طهران : معركة كسر الهيمنة الأمريكية تقترب

شارك

إن فهم ردود الفعل المتوقعة من روسيا والصين يتطلب النظر إلى إيران بوصفها أكثر من مجرد حليف سياسي. فإيران تمثل نقطة ارتكاز جيوسياسية تربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وبممرات الطاقة العالمية، كما تشكل موقعاً حيوياً في شبكة الطرق التجارية التي تسعى الصين إلى تطويرها ضمن مشروعها العالمي للربط الاقتصادي. ولهذا فإن أي محاولة لإضعاف إيران أو تفكيك قدرتها الاستراتيجية ستُقرأ في موسكو وبكين باعتبارها محاولة لإعادة ترسيخ الهيمنة الأمريكية على منطقة تعد أساسية لمستقبل الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.

ومن هذا المنظور لا يمكن عزل ما يحدث في إيران عن الصراع الأوسع بين الولايات المتحدة من جهة وكل من الصين وروسيا من جهة أخرى، إذ ينظر قادة هاتين الدولتين إلى الشرق الأوسط باعتباره ساحة رئيسية في التنافس على شكل النظام الدولي المقبل.

لكن قوة الموقف الإيراني اليوم لا يمكن فهمها من دون العودة إلى تجربة تاريخية قاسية شكلت وعي الدولة الإيرانية واستراتيجيتها الدفاعية، وهي الحرب الطويلة التي خاضتها إيران ضد العراق في ثمانينيات القرن الماضي، خلال تلك الحرب واجهت إيران عزلة دولية شبه كاملة، بينما تلقى نظام صدام حسين دعماً سياسياً وعسكرياً واسعاً من قوى إقليمية ودولية. وقد اتهمت طهران الولايات المتحدة ودولاً غربية بتقديم مساعدات استخباراتية وتقنية لبغداد خلال الحرب، في وقت استخدمت الأسلحة الكيميائية ضد القوات الإيرانية وضد المدنيين. وقد خلفت تلك الحرب مئات الآلاف من القتلى الإيرانيين وتركت جروحاً عميقة في الذاكرة الوطنية، لكنها في الوقت نفسه دفعت بإيران إلى استخلاص درس استراتيجي أساسي مفاده أن البقاء في بيئة دولية معادية يتطلب بناء قوة عسكرية محلية قادرة على الردع والصمود.

منذ نهاية تلك الحرب بدأ مشروع طويل لإعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية. فبدلاً من الاعتماد على شراء السلاح من الخارج، استثمرت طهران بشكل واسع في تطوير صناعاتها العسكرية المحلية، وركزت على المجالات التي تمنحها قدرة ردع غير متماثلة أمام القوى المتفوقة تقنياً. وعلى مدى العقود التالية طورت إيران برامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي، كما عززت قدراتها في الحرب غير التقليدية. وفي الوقت نفسه أنشأ الحرس الثوري شبكة واسعة من المنشآت العسكرية المحصنة تحت الأرض، تضم مخازن للصواريخ والطائرات المسيّرة ومراكز قيادة محمية، وهي المنشآت التي أصبحت تعرف في الخطاب العسكري الإيراني باسم "مدن الصواريخ". وقد صُممت هذه البنية التحتية لتقليل أثر أي ضربات جوية محتملة وضمان استمرار القدرة القتالية حتى في حال تعرض البلاد لهجمات واسعة.

هذا التحول العسكري ترافق مع تغير تدريجي في موقع إيران داخل النظام الدولي. فمع تزايد الضغوط والعقوبات الغربية على طهران، وجدت روسيا والصين في التعاون معها فرصة لتعزيز شبكة من الشراكات القادرة على موازنة النفوذ الأمريكي. ومع مرور الوقت أصبحت العلاقات بين هذه الدول أكثر عمقاً، سواء في مجالات الطاقة أو التجارة أو التعاون العسكري. وقد تعزز هذا المسار مع انضمام إيران إلى تكتلات دولية مثل مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، وهو ما يعكس إدماجها المتزايد في بنية دولية تسعى إلى تقليل الاعتماد على المؤسسات التي تهيمن عليها القوى الغربية.

من هنا يصبح من الصعب تصور أن موسكو وبكين يمكن أن تقفا موقف المتفرج إذا تعرضت إيران لما يهدد استقرارها أو مكانتها الإقليمية. فبالنسبة لروسيا، تشكل إيران شريكاً مهماً في توازنات الشرق الأوسط وفي شبكة العلاقات التي تسعى موسكو من خلالها إلى الحد من النفوذ الأمريكي بالقرب من حدودها الجنوبية. أما بالنسبة للصين، فإن إيران تمثل مصدراً مهماً للطاقة وجزءاً محورياً من الممرات التجارية التي تربط شرق آسيا بأوروبا. وبالتالي فإن أي انهيار محتمل لإيران سيخلق فراغاً جيوسياسياً قد يسمح للولايات المتحدة بإعادة بسط نفوذها العسكري والاقتصادي على واحدة من أهم مناطق العالم من حيث الموارد والطاقة.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا