في يونيو 2025، خلال ما عُرف بحرب الأيام الاثني عشر، نقلت القناة نفسها عن المؤسسة الأمنية تقديرات تؤكد أن منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية كانت على وشك النفاد. غير أن الوقائع آنذاك سارت في اتجاه مختلف؛ إذ أعقب تلك التقديرات تحرك إسرائيلي عاجل لطلب تدخل واشنطن من أجل وقف إطلاق النار، وهو ما أفضى إلى تهدئة قبلتها طهران. المفارقة هنا أن الخطاب الذي بشّر بقرب انهيار القدرة الصاروخية الإيرانية انتهى عملياً بطلب احتواء التصعيد، ما يطرح تساؤلاً مشروعاً حول مدى دقة تلك الحسابات، وحول ما إذا كانت تُقدَّم بوصفها قراءة ميدانية أم أداة لتهيئة الرأي العام.
الحديث عن "12 منصة فقط" يتجاهل البنية التحتية التي تطلق عليها طهران: "مدن الصواريخ"، وهي ليست منشأة واحدة أو قاعدة محددة يمكن استهدافها، بل شبكة ممتدة من الأنفاق المحفورة في الصخور الجبلية بعمق قد يصل إلى نحو نصف كيلومتر. هذه الأنفاق، بحسب ما عرضته إيران في مارس 2025، مزودة بأنظمة نقل داخلية تُمكّن من إيصال الصواريخ إلى مواقع إطلاق عمودية بدون الحاجة إلى معدات خارجية مكشوفة. إحدى اللقطات التي بثتها طهران أظهرت عشرات الصواريخ من طرازي خيبر شكان والحاج قاسم داخل نفق واحد، في إشارة إلى كثافة التخزين تحت الأرض، لا إلى محدوديته.
عقب حرب يونيو 2025، تشير المعطيات إلى أن إيران لم تكتفِ بإعادة ترميم ما تضرر، بل وسّعت شبكة الأنفاق وأضافت نقاط خروج جديدة، مع اعتماد إجراءات لوجستية تهدف إلى تقليل إمكانية الرصد. هذه التفاصيل، سواء أُخذت بالكامل أو خضعت للتدقيق، تعكس سلوكاً دفاعياً يقوم على التكيّف مع الضربات السابقة، لا على الانكفاء.
كما أن تقديرات الإنتاج التي جرى تداولها قبل حرب يونيو 2025 تحدثت عن خطط لرفع إنتاج الصواريخ الباليستية إلى حوالي 8 آلاف سنوياً، وإنتاج شهري بالمئات، يشمل صواريخ بالوقود الصلب وأخرى بالسائل. وبعضها صُمم بكلفة أقل، لاستنزاف منظومات الاعتراض الباهظة الثمن، ما يحول المواجهة إلى معادلة استنزاف اقتصادي بقدر ما هي عسكرية. في هذا الإطار، يصبح السؤال عن "عدد المنصات المتبقية" ناقصاً، ما لم يُربط بالقدرة على التعويض السريع وبحجم المخزون.
صور الأقمار الصناعية التي أظهرت أضراراً في قواعد إطلاق باليستية فوق الأرض- يُقدَّر عددها بنحو 25 قاعدة- تشير إلى أن التعطيل كان مؤقتاً، والمرجّح أن الأصول المخفية تحت الأرض لم تُمس. حتى بعض المحللين الإسرائيليين استخدموا توصيف "تعطيل مؤقت" بدل "تدمير كامل"، وهو فارق جوهري بين إبطاء الإطلاق لفترة محدودة وبين شل القدرة الاستراتيجية.
في ضوء ذلك، يبرز تساؤل منطقي: هل المقصود بـ"12 منصة" تلك الظاهرة فوق سطح الأرض والقابلة للرصد، أم أنها تقدير شامل لكل مواقع الإطلاق الممكنة، بما في ذلك عشرات- وربما مئات- الفتحات المخفية داخل الجبال؟ وإذا كانت البنية التحتية مصممة أصلاً لضمان القدرة على توجيه ضربة ثانية بعد ضربة أولى، فإن اختزالها في رقم صغير يوحي بحسم وشيك ما هو إلا تبسيط مخلٌّ أكثر منه توصيفاً دقيقاً.
التجربة السابقة خلال حرب الأيام الاثني عشر تُظهر أن التباين بين الخطاب الإعلامي والنتيجة السياسية كان كبيراً. حينها، انتهت جولة التصعيد بوساطة أمريكية وقبول إيراني بوقف إطلاق النار، رغم الحديث المتكرر عن قرب نفاد المنصات. اليوم، ومع تصاعد الخطاب حول أن الصراع بات بالنسبة لطهران معركة بقاء، تتزايد المخاطر المرتبطة ببناء توقعات عامة على أرقام غير مدعومة بربط شامل مع الوقائع.
في ضوء ذلك، تبدو الرواية التي تروّج لها القناة 12 الإسرائيلية عن "12 منصة متبقية" بعيدة جداً عن توصيف ميزان قوى حقيقي. فحين يتحول الصراع، في نظر طهران، إلى معركة بقاء بعد اغتيال علي خامنئي، تتغير الحسابات جذرياً، ولا تعود معادلات الاحتواء السريع أو العناوين المطمئنة كافية لصناعة نهاية مريحة. في هذا المشهد، لا تكفي أرقام مختزلة لتبديد واقع معقد، ولا تصلح عبارات مثل: "بقي القليل" لطمأنة جمهور يواجه احتمال اتساع المواجهة إلى ممرات حيوية مثل مضيق هرمز.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية