منذ قيام الكيان الإسرائيلي عام 1948، مروراً بالنكبة وحرب 1967 وما تلاهما من احتلالات واجتياحات وحروب متكررة على غزة ولبنان، تشكلت لدى قطاعات واسعة من العرب قناعة بأن إسرائيل تتعامل مع الاتفاقات باعتبارها أدوات مرحلية لا التزامات نهائية، وأنها تميل إلى فرض الوقائع على الأرض كلما سنحت لها موازين القوة بذلك. صحيح أن الصراع شهد محطات تفاوض وتسويات، لكن استمرار الاستيطان وتبدل المعطيات الميدانية يكشف وبوضوح أكبر أن إسرائيل لا تلتزم بروح الاتفاقات، ودائماً ما تقدم منطق القوة على منطق التعهدات.
في هذا السياق، يُستحضر مفهوم "إسرائيل الكبرى" في الخطاب العربي بوصفه تعبيراً عن مخاوف تاريخية من نزعة توسعية، حتى وإن لم يُعلن كبرنامج رسمي للكيان. فالممارسات على الأرض، وسياسات التوسع والاستيطان، والدعم الثابت من الولايات المتحدة، كلها تغذي شعوراً بأن المشروع الإسرائيلي لا يقف عند حدود ثابتة بقدر ما يتحرك وفق معادلات القوة والفرص. ومن هنا تتعزز القناعة بأن إسرائيل خصم استراتيجي لا يمكن التعويل على حسن النية في التعامل معه، وأن التجربة الممتدة لعقود أثبتت أنها تقدم أمنها ومشروعها التوسعي على أي التزام سياسي إذا تعارض معه.
غير أن الإشكالية الأعمق لا تكمن فقط في توصيف إسرائيل كعدو، بل في عجز الأنظمة العربية والإسلامية عن بلورة استراتيجية موحدة لمواجهة هذا العدو. فالبيانات المتكررة، مهما بلغت حدتها، لم تغيّر ميزان القوى، ولم تمنع تكرار الانتهاكات أو الحروب. ويبدو أن الانقسامات الداخلية، وتباين الأولويات، والارتباطات الاقتصادية والسياسية الدولية، كلها عوامل كبحت القدرة على الانتقال من مربع الشجب إلى مربع الفعل المؤثر. وهكذا باتت صورة الأمة في نظر خصومها أقرب إلى حالة رد فعل موسمية، لا إلى مشروع متماسك يمتلك أدوات ضغط حقيقية.
إن القول بضرورة مواجهة إسرائيل لا يعني فقط المواجهة العسكرية بل بناء عناصر القوة الشاملة في السياسة والاقتصاد والقانون والإعلام، إلى جانب إصلاح الداخل بوصفه شرطاً لأي قدرة خارجية. فالصراعات الحديثة تُحسم بتراكم القوة وتماسك الجبهة الداخلية قبل أن تُحسم في ميادين القتال. وإذا كانت التجربة التاريخية قد رسخت انطباعاً واسعاً بأن إسرائيل لا تفي بالعهود حين تتعارض مع مصالحها، فإن الرد العقلاني لا يكون بتكرار الإدانات، بل ببناء ميزان ردع حقيقي.
في المحصلة، لم تعد المشكلة في وضوح الخطر بقدر ما هي في غياب مشروع جامع يترجم هذا الوعي إلى سياسات عملية. لقد أثبتت العقود الماضية أن إسرائيل تتحرك وفق حسابات دقيقة للقوة والفرص، وأنها لا تتراجع إلا أمام كلفة مرتفعة. ومن ثم فإن مواجهة هذا الواقع تقتضي انتقالاً من الخطاب إلى الاستراتيجية، ومن رد الفعل إلى الفعل المنظم طويل النفس، وإلا ستبقى الأمة تدور في حلقة البيانات نفسها، فيما يستمر العدو في تثبيت وقائع جديدة على الأرض.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية