آخر الأخبار

مع إحياء مشروع "من النيل إلى الفرات".. هل تغيّر صنعاء حسابات "إسرائيل الكبرى"؟

شارك

يرتكز مفهوم "إسرائيل الكبرى" على قراءة دينية توراتية لسفر التكوين (15:18) التي تشير إلى أرض "من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات". تاريخياً، لم يكن هذا المفهوم برنامجاً رسمياً للكيان الإسرائيلي، لكنه شكّل خلفية فكرية لبعض التيارات الصهيونية الدينية، وبرز في خطاب أحزاب وحركات استيطانية تعتبر الضفة الغربية (التي تُسمّى في أدبياتها "يهودا والسامرة") جزءاً لا يتجزأ من "أرض إسرائيل".

سياسياً، لم تعلن أي حكومة إسرائيلية رسمياً تبني حدود تمتد إلى النيل والفرات، إلا أن سياسات التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، ورفض قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة، أعطت انطباعاً لدى خصوم إسرائيل بأن المشروع يتمدد تدريجياً على الأرض، ولو بوسائل مختلفة عن الضم الشامل.

تكشف مناظرة هاكابي وكارلسون توتراً بين مستويين: المستوى اللاهوتي: حيث يُطرح "الحق التاريخي/الديني" بوصفه مرجعية عليا، والمستوى السياسي الواقعي: الذي يتحدث عن "الأمن" و"حماية السكان" ضمن حدود الصراع القائم.

هذا التوتر يعكس إشكالية أوسع داخل الولايات المتحدة نفسها، خاصة في أوساط "الصهيونية المسيحية" التي ترى في دعم إسرائيل التزاماً عقائدياً، مقابل تيار محافظ انعزالي– يمثله جزئياً كارلسون– ينتقد الانخراط غير المشروط في سياسات الشرق الأوسط.

حتى لو اعتُبر "إسرائيل الكبرى" تصوراً أيديولوجياً أكثر منه خطة تنفيذية، فإن البيئة الإقليمية تجعل تحققه شبه مستحيل. فالدول المعنية– مصر، الأردن، سوريا، العراق ولبنان– كيانات سيادية معترف بها دولياً، وأي محاولة لإعادة رسم الحدود بالقوة ستشعل صراعاً إقليمياً شاملاً.

في قلب القوى المناهضة لأي توسع إسرائيلي تبرز إيران وصنعاء وحزب الله في لبنان والفصائل الفلسطينية في غزة والضفة.

وقد برزت صنعاء تحديداً كلاعب مفاجئ منذ اندلاع حرب غزة الأخيرة، عبر استهداف الملاحة الإسرائيلية أو المرتبطة بها في البحر الأحمر. هذا الدور أعاد اليمن– رغم ظروفه الداخلية– إلى معادلة الردع الإقليمي، وأرسل رسالة مفادها أن أي توسع إسرائيلي لن يبقى محصوراً في الجغرافيا الفلسطينية.

صنعاء هنا لا تبرز فقط كقوة عسكرية محدودة الإمكانات مقارنة بإسرائيل، بل كرمز لتوسيع دائرة الاشتباك. فاستهداف الملاحة في البحر الأحمر نقل الصراع من كونه فلسطينياً–إسرائيلياً إلى معادلة إقليمية تمس التجارة العالمية.

وبذلك، تحولت اليمن إلى عنصر ضغط غير مباشر: فكلما اتسع أفق المشروع الإسرائيلي، اتسعت رقعة التهديدات المضادة، سواء عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة أو عبر تعطيل طرق التجارة.

تصريحات هاكابي لم تخلق فكرة "إسرائيل الكبرى"، لكنها أعادت إحياءها في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. وبينما تحاول إسرائيل تقديم سياساتها بوصفها دفاعاً عن الأمن، يرى خصومها فيها امتداداً لمشروع توسعي ذي جذور دينية.

في هذا السياق، تتشكل معادلة ردع إقليمية جديدة، تلعب فيها صنعاء دوراً متقدماً رمزياً وعملياً، إلى جانب قوى أخرى، ما يجعل أي محاولة لتوسيع الجغرافيا الإسرائيلية محفوفة بكلفة عالية.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تظل "إسرائيل الكبرى" فكرة أيديولوجية على هامش السياسة، أم تتحول– بفعل الصراع المستمر– إلى نبوءة ذاتية التحقق؟ الإجابة مرهونة بميزان القوة، وإرادة التسوية، وحدود المغامرة في منطقة لا تحتمل إعادة رسم خرائطها بسهولة.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا