وتدرك السعودية أن مهمة تنفيذ أجندتها الجديدة المتمثلة في الانفراد بالسيطرة على محافظات جنوب وشرق اليمن تزداد تعقيدا، لا سيما مع يقينها أن ستصطدم في نهاية المطاف بموقف حكومة صنعاء الرافض لأي تدخل خارجي في اليمن أو انتقاص من سيادته واستقلاله بأي شكل من الأشكال، وهو أمر جوهري لا يمكن أن تتنازل عنه صنعاء في أي تسوية للملف اليمني، سواء عن طريق المفاوضات وعملية السلام، أو بالعودة إلى الحرب.
وتبدو السعودية عالقة في هذا التطور الذي قد يمثل ورطة جديدة لها في اليمن، لا سيما مع إصرار الإمارات على المضي في صراع السيطرة وتصفية الحسابات معها في هذه المناطق، الأمر الذي ظهر جليا من خلال تحريك الإمارات لأنصارها والخروج بمظاهرات ومسيرات مناهضة للسعودية في عدد من المحافظات الجنوبية، حيث تطور الأمر في بعض هذه المظاهرات إلى مواجهات مسلحة مع القوات الموالية للمملكة، سقط خلالها قتلى وجرحة كما حدث الأربعاء الماضي في مدينة عتق عاصمة محافظة شبوة.
ويرى مراقبون أن السعودية تتعامل بخفة وعدم فهم لتعقيدات المشهد السياسي والشعبي في اليمن، حيث تعتقد أن تشغيل محطة كهرباء هنا أو ترميم وصيانة منشأة هناك، قد يمكنها في التفرد بالسيطرة على أجزاء واسعة من اليمن، أو يحد من حالة الرفض الشعبية لهذه السيطرة، خاصة وأن ما تمارسه حاليا هو بمثابة استراتيجية استعمارية قديمة، لطالما فشلت في إقناع أي شعب بالقبول بالمستعمر مقابل ما سيحصل عليه من مشاريع أو خدمات.
ويهيمن الارتباك بوضوح على تعامل السعودية مع الواقع الذي تواجهه في المحافظات الجنوبية والشرقية في اليمن، حيث أن الأحداث الأخيرة اعتبرت من قبل المحللين مؤشرا خطيرا على أن الإمارات لم تنفض يدها من الملف اليمني بشكل كامل، وأن أذرعها على الارض لا تزال تحتفظ بجانب كبير من قوتها العسكرية، وقادرة على تحريك وتجييش أنصارها، والاتجاه نحو تصعيد جديد يفشل أي مساع سعودية لتحسين صورتها وتقديم تدخلها الأخير في المحافظات الجنوبية كإنقاذ للشعب في هذه المحافظات، بعد تزايد العبث الإماراتي، وما خلفه من فوضى وسوء خدمات وترد للأوضاع الاقتصادية والمعيشية للسكان طيلة عشر سنوات.
وفي الجانب الآخر فإن ما يزيد من قلق السعودية ويزيد من احتمالية فشل أجندتها الجديدة في اليمن، هو إدراكها العميق أنها تلعب الآن في هامش الملعب السياسي والعسكري، وأن أي خطوة غير محسوبة قد تزعج صنعاء، سيكون ثمنها كبيرا على المملكة، حيث أن صنعاء لا تزال حتى الان محافظة على هدوئها، وتراقب المشهد باهتمام بالغ، معتبرة أن ما يحدث من صراع بين السعودية والإمارات وأدواتهما المحلية هو صراع بين قوى الاحتلال ومرتزقتها، في الوقت الذي لا تزال مسارات السلام مفتوحة من قبلها وفقا لما تؤكد عليه من ضرورات التحرر والسيادة والاستقلال وخروج كل القوات الأجنبية من كافة الأراضي اليمنية، وإنهاء أي تدخل دولي أو إقليمي في القرار والسيادة اليمنية.
ويؤكد المحللون أنه لا يمكن للسعودية تجاوز العائق الأكبر، أمام أجندتها للسيطرة على المحافظات الجنوبية والشرقية، وهو حكومة صنعاء التي ترفض أي تدخل إقليمي أو دولي بشؤون اليمن، وواجهت لأجل ذلك حربا منذ العام 2015 حتى اليوم، وهو ما يعني أن أي محاولة سعودية لتجاوز ما تعتبره صنعاء خطوطا حمراء، ستواجه برد موجع، مشيرين إلى أن ما يعزز هذا السيناريو هو حالة الارتباك الشديد التي تعاني منها السعودية في إدارتها لملف المحافظات الجنوبية، منذ إعلان الإمارات انسحابها من اليمن مطلع يناير الماضي، وعدم جرأتها على اتخاذ أي خطوة قد تزعج صنعاء من قبيل إدخال قوات عسكرية سعودية إلى هذه المحافظات، أو توقيع اتفاقيات بشأن الثروات السيادية أو محاولة إعادة تصدير النفط، أو القيام بأي عمل عدائي أو غير ذلك.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية