يُقدَّم لك عبد الملك في خطابات مسجّلة، بلباس تقليدي وظهور مقتضب، في صورة الزاهد المتقشف البعيد عن مظاهر الحكم.
تُرسم هذه الصورة بإلحاح، وكأن المطلوب أن ترى الزهد وحده، وأن تُسلّم بفكرة أن القائد هنا خارج منطق الامتيازات والترف.
غير أن بنية السلطة الفعلية في مناطق سيطرة أنصار الله تكشف واقعاً مختلفاً. امتيازات واسعة، وإنفاق كبير، لا يمر عبر حسابات معلنة، بل تُدار عبر مؤسسات دولة جرى التحكم بها، واقتصاد موازٍ، ودائرة ضيقة تتولى الملفات الحساسة.
ولا تُعرض أماكن إقامة ّ«زعيم الجماعة» في صنعاء أو صعدة ,مصادر خاصة لموقع مأرب برس تؤكد أن تحصينات وملاجئ شُيّدت في صعدة ، في أعماق الجبال كمجمعات سكنية محصنة، كلّفت ملايين الدولارات، ونُفذت خلال السنوات الماضية بواسطة شركات تابعة للحرس الثوري الإيراني, كما تشير المصادر إلى تنقله بين مواقع إقامة سرية في صنعاء وصعدة، بعضها مبانٍ أُنشئت حديثاً، وبعضها ممتلكات صودرت من خصوم.
وفي المقابل، يتناقض هذا الواقع كليًا مع خطاب الزهد والقداسة، إذ يهيمن عبد الملك الحوثي، بوصفه رأس السلطة، على عائدات السوق السوداء وقد وثّقت تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة أن عمليات تحصيل الجمارك والرسوم على واردات الوقود في مناطق سيطرة الحوثيين أنتجت مبالغ تُقدَّر بمليارات الدولارات.
أرقام عن إيرادات المشتقات النفطية
وتتبّع موقع مأرب برس خطباً ونصوصاً منسوبة إلى زعيم الجماعة بحثاً عن توجيه صريح يوقف الاتجار بالأزمات أو يفرض شفافية على الأسواق التي يديرها المقربون. لم يظهر موقف عملي واضح من هذا النوع، وفي مثل هذه الملفات يصبح الصمت نفسه موقفاً، لأن المنظومة تستمر كما هي.
كما تحدث مواطنون في صنعاء لمحرر مأرب برس عن منظومة تُدار من الأعلى إلى الأسفل، تتحول فيها الأزمات إلى مورد، والقضاء إلى أداة تمكين، والجباية إلى سياسة ثابتة. ومع كل أزمة وقود تتكرر الحكاية نفسها، محطات رسمية تُغلق بحجة "الحصار"، ثم تُفتح قنوات موازية بأسعار مضاعفة، وتُفرض رسوم وإتاوات تحت مسميات مختلفة، من بينها "المجهود الحربي".
يقول صالح أحمد، أحد سكان صنعاء، لموقع مأرب برس: "نٌرغم على الصمت ونُمنع من النقد. وإذا انفجر أحدنا قهراً وتحدث عن أخطاء المسيرة، يُتهم فوراً بأنه عميل لجهة أجنبية".
هذا التناقض لا يضعف الثقة فحسب، بل ينسف فكرة أن القائد فوق النقد أو المحاسبة. فالقائد الذي تُدار في عهده احتكارات وأزمات تُثقل الناس، لا يمكن أن يبقى خارج المساءلة إلى الأبد.
أبرز النفقات الكبرى المرتبطة بالقائد
أولاً: منظومة الحماية الشخصية
مجمعات سكنية محصنة، أنفاق ومخابئ، وحدات حراسة نخبوية، ووسائل نقل آمنة متعددة المسارات. نفقات تُوازي ما يُنفق على رؤساء دول، لا على صورة الزهد التي تُقدَّم باستمرار.
ثانياً: الإنفاق الدعائي المرتبط بشخصه
إنتاج إعلامي واسع، قنوات فضائية، وإذاعات محلية، ومنصات رقمية، وفعاليات تعبئة مرتبطة بمناسبات دينية، تُعاد فيها صياغة صورة القداسة بشكل متواصل. ورغم بساطة الظهور في الخطب، تُقدَّر كلفة هذه المنظومة بعشرات الملايين من الدولارات سنوياً.
خلاصة المشهد أن ما يختبئ خلف الصورة المعروضة ليس مجرد مشكلة اقتصادية، بل اختبار أخلاقي. لأن الفارق بين ما يُقال لك، وما تراه وتعيشه، يفتح باب السؤال، ويجعل المحاسبة مطلباً لا يمكن تأجيله بلا نهاية.
المصدر:
مأرب برس