وضع تقرير منظمة الشفافية الدولية للعام 2025، اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد في القطاع العام، حيث احتلت البلاد المرتبة 177 من أصل 182 دولة شملها التقرير.
ويأتي ذلك في ظل تواصل الصراع وتفشي الفساد بشكل مرعب في مفاصل القطاع العام، وزاد انتشاره بشكل لافت خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، مع وصوله إلى ذروته خلال العام الماضي 2025، وسط التوسع الحاصل في عقود شراء الطاقة، وسرقة النفط وتوسع بؤر تهريبه، وخروج إيرادات الموانئ والجمارك وما يزيد عن 80 مؤسسة وهيئة ومصلحة عامة إيرادية عن سيطرة الحكومة وإدارتها، وتسرب إيراداتها إلى حسابات في مصارف خاصة، بعيداً عن البنك المركزي اليمني.
ويكشف الخبير اليمني المتخصص في اقتصاد الحرب والتعافي بعد الصراع يوسف شمسان، في تصريح "العربي الجديد" أن الفساد في اليمن، يلتهم ما بين 30% إلى 45% من الناتج الفعلي الإجمالي. وبالنظر إلى حجم الاقتصاد اليمني الحالي، يمكن تقدير الكلفة المباشرة للفساد حيث تتركز هذه الكلفة أساساً في المجال العسكري والأمني، وقطاعات النفط والغاز، والمالية العامة، والمساعدات الإنسانية. كذلك، يولّد الفساد كلفة غير مباشرة أشد خطورة، تتمثل في التضخم، وانهيار العملة، وهروب الاستثمار، وتآكل القوة الشرائية، فضلاً عن كلفة بنيوية طويلة الأجل تشمل فشل التنمية وتحلل الدولة وضياع الفرص المستقبلية.
من جانبه، يؤكد الخبير الجيولوجي اليمني في مجال النفط والغاز والطاقة عبد الغني جغمان، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن الفساد يشمل جميع القطاعات في اليمن، إذ كل القطاعات فاسدة وفيها مسؤولون مفسدون، غير أن هناك قطاعاً يتفوق على قطاع آخر في السلب والنهب، كما يقول. ويصف قطاع الكهرباء في اليمن بالقطاع المظلم بالنظر إلى حجم الفساد الهائل الذي يجتاحه، ويستهلك نحو مليار دولار سنوياً، في حين كانت الحصيلة ساعتين إضاءة في اليوم فقط.
ويقول جغمان إن هناك شبهات فساد في قطاع النفط، منها ما تم اكتشافه من بيع القطاعات النفطية إلى شركات غير مؤهلة، إضافة إلى تهريب النفط الخام وبيعه، والمصافي البدائية التي انتشرت في مناطق بعض الحقول مثل الفضيحة التي تم اكتشافها في "بترومسيلة" بمحافظة حضرموت. ويلفت الخبير في مجال النفط والغاز أن معظم الموارد السيادية لا تورد للدولة بالنظر إلى حجم الفساد الهائل الذي كان يجب أن يضع اليمن في المرتبة الأخيرة في تقرير الشفافية الدولية.
بدوره، يؤكد أستاذ المالية العامة بجامعة عدن، محمد جمال الشعيبي، لـ"العربي الجديد" أنّ استمرار الصراع في اليمن والانقسام السياسي منذ سنوات شكل البيئة المثالية لتفشي الفساد، الموجود أساساً من قبل، وفي ظل تفكك مؤسسات الدولة وضعف أجهزة الرقابة والمحاسبة، بغياب سلطة قضائية فاعلة ومستقلة في توسيع دائرة الإفلات من العقاب، جعل الفساد ممارسة شبه طبيعية في كثير من مفاصل الإدارة العامة.
وتفاقمت الأزمة مع الانهيار الاقتصادي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، الأمر الذي زاد من اعتماد المواطنين على الرشاوى والمحسوبية لتسيير شؤونهم اليومية، حسب الشعيبي، الذي أشار إلى "تحوّل الفساد من ظاهرة إدارية إلى مشكلة بنيوية تمس الحياة العامة، ناهيك عن أن هناك قطاعات تتصدر مشهد الفساد أبرزها المؤسسات الحكومية والقطاع العام، وسوء إدارة المال العام، وغياب الشفافية في التعيينات والمناقصات".
وفي ما يخص الإجراءات الحكومية، يرى أنّ حضور الحكومة بشكل عام يعتبر شكليا، مشيرا إلى أن الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار، ساهما في عدم تنفيذ القوانين وضعف الرقابة. ويشير إلى أنّه على المستوى المعيشي، يدفع المواطن اليمني الثمن الأكبر، من خلال تدهور الخدمات العامة وارتفاع الأسعار، وتآكل فرص العمل، فضلاً عن فقدان الثقة بالمؤسسات الرسمية، وهو ما يعزز حالة الإحباط والسخط الاجتماعي.
المصدر:
عدن الغد