في هذا السياق، يُقدَّم "جلاء المارينز" بوصفه رمزاً لانكسار الهيمنة، لا مجرد حدث أمني عابر. فالبيان لا يتعامل مع الواقعة باعتبارها نتيجة ترتيبات سياسية أو تفاهمات مرحلية، بل كنتيجة لتحول داخلي في ميزان القوى، عنوانه صعود قوى جديدة تتبنى مشروعاً سيادياً رافضاً للتبعية. وبهذا المعنى، فإن صنعاء لم تخرج فقط من تحت مظلة النفوذ الأمريكي، بل أعادت تشكيل بنيتها السياسية على قاعدة استقلال القرار الوطني، وهو ما تعتبره واشنطن وحلفاؤها خسارة استراتيجية وهزيمة في منطقة شديدة الحساسية جيوسياسياً.
ومن هنا يربط البيان بين هذا التحول وبين طبيعة الحروب التي شُنّت على اليمن منذ عام 2015. فالحرب، كما يبدو، ليست معزولة عن سياق فقدان القوى الغربية نفوذها التقليدي في العاصمة، بل هي رد فعل على انقطاع أدوات التأثير المباشر. فحين لم يعد للولايات المتحدة والقوى الغربية موطئ قدم فعلي داخل صنعاء، ولم تعد قادرة على توجيه القرار السياسي عبر القنوات السابقة، انتقلت المواجهة إلى مستوى أشمل، عبر تحالفات إقليمية ودعم عسكري واسع بهدف إعادة تشكيل المعادلة الداخلية أو على الأقل منع ترسخ نموذج سياسي خارج دائرة النفوذ الغربي.
وهذا ما يعزز حقيقة أن الحروب التي تعرّضت لها صنعاء تُعدُّ صراعاً على السيادة أكثر من كونها صراعاً داخلياً صرفاً. فالمسألة، وفق هذا الفهم، تتجاوز حدود التنافس المحلي على السلطة إلى نزاع أوسع حول هوية القرار اليمني وموقعه في النظام الإقليمي. فصنعاء التي تعلن تبنيها خطاباً معادياً للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، وتضع نفسها ضمن محور سياسي إقليمي مغاير، تمثل- في نظر خصومها- نقطة تحول غير مرغوبة في موازين القوى، خاصة في ظل موقع اليمن الجغرافي المؤثر على خطوط الملاحة الدولية وأمن الطاقة.
ويعزز البيان هذا التصور عبر ربط المسار اليمني بسياقات إقليمية أوسع، وفي مقدمتها التجربة الإيرانية بعد عام 1979، بوصفها نموذجاً لدولة خرجت من تحت الهيمنة الغربية وواجهت ضغوطاً مستمرة بسبب استقلال قرارها. فالرسالة الضمنية هنا أن الاستقلال السياسي في المنطقة لا يحظى بالقبول، بل بالمواجهة والعقوبات والحصار، وأن الثمن المدفوع هو جزء من صراع إرادات بين مشروعين: مشروع الهيمنة ومشروع التحرر.
كما يتقاطع البيان مع خطاب أوسع ينتقد النظام الدولي وهيمنة القوى الكبرى، ويربط بين ما يحدث في اليمن وما يجري في فلسطين، معتبراً أن المعركة واحدة في جوهرها، وأن الوقوف في مواجهة إسرائيل أو الولايات المتحدة هو امتداد لموقف مبدئي ضد ما يُنظر إليه كمشروع توسعي أو استعماري. وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا الطرح، فإنه يعكس رؤية تعتبر أن صنعاء بعد 2015 لم تعد ساحة نفوذ مفتوحة، بل باتت طرفاً فاعلاً يتخذ مواقف صريحة تتحدى الترتيبات التقليدية في المنطقة.
إن تحليل هذا البيان يكشف أن جوهر الرسالة يتمحور حول فكرة السيادة المستعادة، وأن الحروب والضغوط الاقتصادية والعسكرية تُفهم في هذا الإطار كأدوات لإعادة اليمن إلى دائرة التأثير الغربي. فحين يفقد الفاعل الدولي أدواته الناعمة والصلبة داخل عاصمة ما، يصبح السعي لإعادة صياغة المشهد عبر وسائل أخرى خياراً مطروحاً. وفي المقابل، ترى صنعاء أن صمودها واستمرارها في إدارة شؤونها بمعزل عن الوصاية الخارجية يمثلان دليلاً على ترسخ هذا التحول.
وهكذا، فإن الخروج من دائرة الوصاية الأجنبية لم يكن حدثاً لحظياً، بل مسار تراكم عبر تحولات سياسية وعسكرية، وأعاد تعريف موقع صنعاء في المعادلة الإقليمية. وهو مسار لا يزال محل صراع وتجاذب، لكنه في وعي أنصاره يشكّل نقطة فاصلة بين زمن كانت فيه العاصمة خاضعة لتأثير مباشر من الخارج، وزمن تسعى فيه إلى تثبيت استقلال قرارها السيادي مهما كان حجم التحديات.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية