آخر الأخبار

غزة تحاكم العرب : من خان ومن صمت ومن تواطأ

شارك

في هذا السياق، تأتي المحادثات النووية المرتقبة في عُمان مع إيران بوصفها نموذجاً كاشفاً لوظيفة الدبلوماسية في لحظات التأزم. فالدبلوماسية هنا لا تُطرح دائماً كمسارٍ لحل النزاعات، بل كآلية لإدارة توقيتها وحدّتها. لذلك ينقسم التقدير حول هذه المحادثات بين من يراها محاولة لكسب الوقت أو تهدئة مرحلية تسبق تصعيداً محتملاً، ومن يعتبرها فرصة محدودة لالتقاط الأنفاس وفتح ثغرة في جدار المواجهة المفتوحة.

غير أن الثابت في الحسابات الإيرانية، كما توحي التجربة، هو التعامل مع التفاوض بوصفه ساحةً من ساحات الصراع لا بديلاً عنه. فالدخول في المسار الدبلوماسي لا يعني التخلي عن منظومة الردع أو إعادة تعريف الأولويات الاستراتيجية، بل يندرج ضمن مقاربة تقوم على خفض سقف توقعات الخصم، ومنع تحويل التفاوض إلى أداة ابتزاز سياسي أو أمني.

تراهن بعض الدوائر الغربية والإقليمية على أن تراكم الضغوط، خصوصاً بعد الحروب الأخيرة، سيقود إلى إنهاك بنيوي لما يُعرف بمحور المقاومة، ويفتح الباب أمام فرض تسويات قسرية في لبنان وفلسطين. إلا أن هذا الرهان يتجاهل عنصراً مركزياً في معادلات الصراع، وهو قدرة الفاعلين غير الدولتيين، مدعومين بحواضن شعبية، على إعادة إنتاج أدوات المواجهة وتعديل تكتيكاتهم بما يُربك الخصم ويستنزف تفوقه العسكري.

التجربة اللبنانية والفلسطينية، رغم كلفتها الإنسانية الباهظة، أظهرت أن ميزان القوة لا يُختزل في التفوق الناري، وأن قدرة المجتمعات على الصمود تلعب دوراً حاسماً في إفشال المشاريع التي تسعى إلى فرض "الاستقرار" بشروط المنتصر.

في غزة، يتجاوز الصراع بعده العسكري ليصبح اختباراً أخلاقياً وسياسياً للنظامين العربي والإسلامي. فبينما يستمر النزيف الإنساني، يتسع الفارق بين خطاب الشارع وخيارات بعض الأنظمة الرسمية التي تفضّل منطق التهدئة بأي ثمن، حتى لو جاء على حساب جوهر القضية الفلسطينية. هذا التناقض لا يعكس فقط اختلافاً في التقدير السياسي، بل يكشف أزمة أعمق تتعلق بتآكل مفهوم الأمن القومي العربي، واستبداله بحسابات قطرية ضيقة.

يُقدَّم أحياناً وهم "السلام الممكن" كبديلٍ عن مشروع الأمة وحقوقها التاريخية، ويُسوَّق بوصفه الحل الواقعي الوحيد. غير أن تاريخ القضية الفلسطينية، على مدى قرنٍ كامل، يبيّن أن تجاهل جذور الصراع لا ينتج سلاماً، بل يؤجل الانفجار. فالإرادة الشعبية، مهما تعرضت للضغط والإبادة، أثبتت مراراً قدرتها على إعادة فرض نفسها كعامل لا يمكن شطبه من المعادلة.

في المحصلة، لا يمكن قراءة التحركات الدبلوماسية الجارية بمعزل عن سياق إدارة الصراع الدولي والإقليمي. فالدبلوماسية، حين تُفصل عن العدالة، تتحول إلى أداة تجميل للهيمنة لا إلى مسار حل. وبين من يراهن على إنهاك الشعوب ومن يراهن على صمودها، يظل العامل الحاسم هو قدرة هذه الشعوب في الحفاظ على إرادتها ووعيها السياسي. فالتاريخ، كما تشير التجارب، لا يحسمه ميزان القوة وحده، بل صلابة المعنى الذي تقاتل أو تصمد من أجله الأمم.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا