آخر الأخبار

من مواجهة الإخوان إلى حماية إسرائيل.. التحول الحقيقي للدور الإماراتي في اليمن

شارك

في اليمن، تبدو هذه الاستراتيجية أكثر وضوحاً وتعقيداً في آن واحد. فعلى الرغم من إعلان أبوظبي سحب قواتها العسكرية المباشرة عام 2019، إلا أن ذلك لم يترجم إلى انسحاب فعلي من المشهد، بل إلى تحول في أدوات التأثير. إذ حافظت الإمارات على نفوذ واسع من خلال دعم قوى محلية مسلحة، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي جرى تأهيله عسكرياً وسياسياً ليكون فاعلاً رئيسياً في الجنوب، وقوة قادرة على فرض وقائع ميدانية تتجاوز سلطة حكومة الشرعية.

ترى أبوظبي في المجلس الانتقالي شريكاً استراتيجياً يحقق لها جملة من الأهداف، في مقدمتها تأمين الملاحة الإسرائيلية عبر البحر الأحمر، بعد حظرها من قوات صنعاء إسناداً لغزة، وخلق توازن قوى في مواجهة حزب التجمع اليمني للإصلاح، الذي تنظر إليه باعتباره امتداداً للإخوان المسلمين داخل بنية الدولة اليمنية. هذا التصور جعل من الدعم الإماراتي للانتقالي خياراً ثابتاً، حتى وإن تعارض مع أولويات حكومة الشرعية أو مع الرؤية السعودية المعلنة لدعم وحدة اليمن.

غير أن هذا النهج لم يخلُ من تداعيات إقليمية، إذ أسهم في تعميق التباينات بين أبوظبي والرياض داخل التحالف. فبينما ركزت السعودية على إدارة الصراع من زاوية الحفاظ على الشرعية ومنع انهيار الدولة اليمنية، سعت الإمارات إلى بناء نفوذ طويل الأمد عبر قوى محلية تدين لها بالولاء، حتى وإن أدى ذلك إلى إضعاف مؤسسات الدولة أو خلق مراكز قوة موازية. ومع مرور الوقت، تحولت هذه التباينات إلى توتر مكتوم، ظهر إلى السطح في محطات سياسية وعسكرية متفرقة.

ويرى منتقدو السياسة الإماراتية، ومن بينهم خبراء أمميون ومسؤولون غربيون، أن هذا النمط من التدخل أسهم في إطالة أمد الصراع اليمني وتعقيد مسارات التسوية، عبر تغذية الانقسامات الداخلية وتعزيز فاعلين مسلحين خارج الإطار الرسمي.

في المحصلة، يكشف المشهد اليمني عن نموذج مكثف للسياسة الخارجية الإماراتية، حيث يجري توظيف الأدوات الداخلية لتحقيق أهداف إقليمية أوسع، حتى لو أدى ذلك إلى احتكاكات مع حلفاء تقليديين كالسعودية. ومع تصاعد المؤشرات على إعادة تقييم الأدوار العسكرية في اليمن، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة هذا النموذج على الاستمرار، وحدود التوازن بين الطموح الإقليمي ومتطلبات الاستقرار في بلد أنهكته الحرب.

إلى جانب الأبعاد المعلنة للسياسة الإماراتية في اليمن، يبرز بعد غير مباشر يتمثل في تقاطع هذا النفوذ مع المصالح الإسرائيلية، لا سيما بعد اتفاقيات التطبيع وما تبعها من تقارب أمني واستراتيجي بين أبوظبي وتل أبيب. فاليمن، بحكم موقعه الجغرافي المشرف على باب المندب والبحر الأحمر، يشكل ساحة ذات أهمية حيوية لأمن الملاحة الدولية، وهي أولوية مشتركة للإمارات وإسرائيل في ظل الحظر الذي فرضته قوات صنعاء على الملاحة الإسرائيلية خلال حرب الإبادة الجماعية في غزة.

النفوذ الإماراتي في السواحل والجزر اليمنية، سواء عبر حضور عسكري سابق أو من خلال أدوات محلية حليفة، يوفر عملياً بيئة مواتية لخدمة هذا الهدف الاستراتيجي. فإحكام السيطرة على موانئ وممرات بحرية قريبة من باب المندب أصبح هدفاً للحد من عمليات قوات صنعاء ضد السفن الإسرائيلية أو المرتبطة بإسرائيل.

هذا التقاطع بين المصالح الإماراتية والإسرائيلية يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد اليمني، ويعمّق في الوقت نفسه الفجوة مع السعودية، التي تتحفظ تقليدياً على أي أدوار إقليمية قد تمنح إسرائيل موطئ قدم غير مباشر في جوارها الجنوبي. ومع أن هذا البعد لا يُعلن رسمياً، إلا أن قراءة مسار النفوذ الإماراتي في اليمن، خصوصاً في المناطق الساحلية والاستراتيجية، تشير إلى أن أبوظبي باتت تؤدي دوراً وظيفياً يخدم إعادة رسم خريطة الأمن الإقليمي، بما يتوافق مع المصالح الإسرائيلية، حتى وإن كان ذلك على حساب وحدة اليمن واستقراره.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا