مع ختام عام 2025، تسود مخاوف بالغة في اليمن من حالة اضطراب وفوضى واسعة تجتاح الأسواق التي تترقب تطورات الأحداث التي تشهدها البلاد وتتركز في حضرموت والمهرة شرقي البلاد، وإعلان حالة الطوارئ من قبل رئيس مجلس القيادة الرئاسي الذي من المتوقع أن يؤثر كثيراً في الأسواق وأسعار السلع وتفاقم المخزون السلعي.
وباتت أسواق العديد من المناطق في اليمن مهدّدة بندرة السلع وموجات غلاء، في ظل تهديد مباشر للمخزون السلعي وتأثر الإمدادات بالتطورات التي حدثت في محافظتي حضرموت والمهرة، ما تسبب بتفجير توترات أثرت كثيراً في الوضع الاقتصادي والمعيشي والأسواق والعمل الحكومي.
- تراجع الحركة التجارية
تراجعت الحركة التجارية كثيراً في الأسواق لليوم الثاني على التوالي عقب الضربة العسكرية التي وجهتها السعودية إلى عتاد وأسلحة في ميناء المكلا، وانخفض المعروض من عديد السلع الأساسية تحسباً، بحسب مصادر تجارية، لتأثيرات حالة الطوارئ وتعطل الحركة الملاحية في العديد من الموانئ، والقلق من تجدد المواجهات العسكرية رغم محاولات التهدئة.
وزادت أسعار العديد من السلع منذ مطلع شهر ديسمبر/ كانون الأول، كالقمح والدقيق والأدوية بنسبة تقارب 15%، حسب مواطنين، حيث من المتوقع استمرارها بالارتفاع بوتيرة عالية وغيرها من السلع الأساسية بسبب تأثيرات التوترات.
كذلك تفاقمت أزمة الوقود منذ أول من أمس، خصوصاً في مدينة حضرموت وعدن ومدن أخرى جنوبي اليمن تعاني من شح في معروض غاز الطهي المنزلي وصلت إلى ذروتها، مع وجود محدود في السوق السوداء وبأسعار فلكية لأسطوانة الغاز وصلت في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت ومناطق ومدن أخرى في المحافظة إلى نحو 10 آلاف ريال من 6 آلاف ريال، فيما سجلت أرقام قياسية في عدن بتجاوزها 15 ألف ريال (الدولار = 1620 ريالاً في عدن).
وسجلت أسعار الأسماك في أسواق عدن وعدة مدن ومناطق جنوبي اليمن قفزة كبيرة، مع وصول سعر الكيلوغرام من بعض الأصناف المطلوبة مثل الثمد (التونة) من 7 آلاف إلى أكثر من 12 ألف ريال.
- تدهور الاقتصاد في ختام 2025
عن تلك التطورات، يؤكد الخبير الاقتصادي مصطفى نصر، رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي (منظمة أهلية يمنية)، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن الأوضاع صعبة جداً على المستويات كافة، مع ختام عام 2025، حيث دخلت البلاد في أزمة مركبة لا أحد يعرف إلى أي اتجاه ستذهب، فالكلام حالياً بحسب هذه المجريات هو للسياسة وليس للاقتصاد، وبالتالي من الصعب التنبؤ إلى أين ستتجه الأمور عقب إعلان حالة الطوارئ والحظر، والتعقيدات التي تشهدها البلاد في إطار ما يسمى بمكونات الشرعية.
ويشير إلى أن البلاد دخلت فعلياً في مأزق كبير مجهول وغير واضح الملامح، فالتحديات والتعقيدات ستكون أكبر مما كان عليه الوضع خلال الفترة السابقة على مختلف الاتجاهات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والمعيشية وغيرها، حيث يأتي ذلك، حسب نصر، في ظل تحديات كبيرة في أن العالم لم يعد يتعاطف مع مشكلة اليمن كما كان في السابق بداية الأزمة، فأولويات العالم تغيرت على صعيد التمويل والدعم الإنساني والاقتصادي، وهذا سيفرض تحدياً كبيراً على اليمن.
- شلل المرافق الحكومية
في المقابل، يرى أستاذ الاقتصاد السياسي والمالية العامة في جامعة عدن، محمد جمال الشعيبي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن الأوضاع الاقتصادية في المحافظات الجنوبية وغيرها من المناطق المفترض وقوعها تحت إدارة الحكومة المعترف بها دولياً تكاد تكون لأول مرة على حياد من التوترات السياسية، ولم تشهد الأسواق انهياراً كبيراً كما كان متوقعاً.
ويوضح الشعيبي أن أسعار السلع والخدمات هي الأخرى لا تشهد تغييرات كبيرة مع شح بعض السلع، مؤكداً أن تغيير أسعار بعض السلع ليس وليد الأحداث السياسية والأمنية الأخيرة، بل قائم منذ فترة سابقة، والمطالبات مستمرة في تطبيق التسعيرات الجديدة عليها.
غير أن متعاملين في الأسواق أرجعوا هذا الوضع خلال الفترة الراهنة إلى مجموعة من العوامل، أهمها حالة الركود في الأسواق بسبب شح السيولة لدى المواطنين، وأزمة صرف الرواتب المتأخرة منذ نحو ثلاثة أشهر، إضافة إلى النقص الحاد في كثير من السلع المتعثر استيرادها، أو التي عمد كثير من التجار على تقنين المعروض منها نتيجةً للأوضاع في الموانئ ومنافذ الاستيراد والمشاكل والتحديات والصعوبات التي تواجه الواردات والشحن التجاري إلى اليمن، منها ما يتعلق بمشكلة تمويل طلبات الاستيراد، وأخرى لها علاقة بسياسة واشتراطات اللجنة الوطنية الخاصة بالواردات الحكومية، أو تلك المتعلقة بالإجراءات التي تنفذها السلطات المعنية في صنعاء التي قررت حظر استيراد عشرات السلع واحتجازها ومنع مرورها من منافذ سيطرتها.
- حالة الطوارئ
ويقول المحلل الاقتصادي نبيل الشرعبي لـ"العربي الجديد"، إن حالة الطوارئ المعلنة وما أعقب ذلك من إنهاء اتفاقية الدفاع الجوي المشترك بين الإمارات والحكومة الشرعية، لم يكن قراراً اتخذته الحكومة الشرعية بمفردها، بل كان بتوافق وتوجيه سعودي.
في حين أن الجميع يعرف، حسب الشرعبي، مدى الدعم السعودي للحكومة الشرعية في ما يخص استقرار سعر الصرف والسوق الاستهلاكية والوقود وغير ذلك من السلع الأساسية.
بدوره، يشير أستاذ الاقتصاد السياسي والمالية العامة بجامعة عدن محمد جمال الشعيبي إلى أن البنك المركزي في عدن يمارس مهامه بشكل طبيعي ودون أي عراقيل، وإن كانت بالروتين السابق ذاته، وهذا برأيه يدل على أن نشاط البنك لم يتأثر بالأحداث وبقي على الحياد، وقبل أيام سحب وأوقف تراخيص بعض محال الصرافة المخالفة للقوانين. وفي الساعات الأولى من صباح الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول، عقدت اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، اجتماعها الرابع عشر المبرمج من فترة سابقة ولأول مرة عبر تقنية الاتصال المرئي بسبب الوضع الاستثنائي الراهن.
وأعلنت اللجنة في الاجتماع وصول عدد الطلبات إلى 12,931 طلب تمويل استيراد من الخارج وأقرت تمويلات بمبلغ يعادل مليارين ونصف مليار دولار مقدمة من البنوك وشركات الصرافة المشاركة البالغ عددها 47 بنكاً وشركة صرافة مرخصة، حيث تصدرت طلبات التمويل سلعتي القمح والدقيق، تليها واردات المشتقات النفطية. وعبّرت اللجنة عن تقديرها للجهود التي يبذلها الفريق التنفيذي للتعامل مع تلك الطلبات بسرعة ومهنية عاليتين.
كذلك استمع الاجتماع بحسب ما ورد في الخبر المنشور على الموقع الإلكتروني للبنك المركزي اليمني إلى تقارير مرفوعة من الفريق التنفيذي التابع للجنة الوطنية ومن مصلحة الجمارك ومن الغرفة التجارية ومن وزارة النقل عن سير العمل في المنافذ الجمركية البرية والبحرية، وناقش بعض المشاكل التي أوردتها التقارير. غير أن نسبة كبيرة من عملية التمويل للواردات تبقى حتى الآن مجهولة في ظل التطورات المتلاحقة التي تشهدها المناطق الشرقية من اليمن وألقت بظلالها على عمل الحكومة وبرامجها وتمويلات الواردات التي كانت السعودية تغطي الجزء الأكبر من عملية تمويلها.
المصدر:
عدن الغد