لم يكن استهداف قيادات اليمن مجرد عملية ضد شخصيات سياسية، بل هو استهداف لموقف سياسي ثابت وراسخ. فاليمن، على مدى تاريخه، ظلَّ يساند القضية الفلسطينية من منطلق مبدئي راسخ. موقف اليمن من فلسطين ليس موقفاً عابراً أو تكتيكياً، بل هو انحياز استراتيجي يعبّر عن رؤية سياسية بعيدة المدى، حيث يعتبر اليمن أن قضيته واحدة مع فلسطين، وأن العدوان على أيٍّ منهما هو عدوان على الآخر.
دماء القادة اليمنيين التي أُريقت، مثل الرئيس صالح الصماد وقيادات أخرى وحتى رئيس الوزراء أحمد الرهوي، تروي قصة من التضحية والفداء في سبيل مشروع الثورة والمقاومة ضد المشاريع الاستعمارية، هذه التضحيات لا تذهب سدىً، بل تزيد من قوة موقف اليمن، وتؤكد للعالم أن القضية الفلسطينية هي جزء من معركة وجودية لا تقتصر على جغرافيا فلسطين فقط، بل تشمل أيضاً عمقها الاستراتيجي في اليمن وكل الأقطار العربية.
من المؤكد أن استهداف هذه الشخصيات سيؤثر على اليمنيين عاطفياً ووجدانياً، لكنه لن يغير من مواقفه الاستراتيجية، فعلى الرغم من محاولات الخصوم تغيير المعادلة من خلال قتل رموز القيادة، إلا أن ما يميز اليمن هو وجود قاعدة شعبية عميقة وملتزمة بمبادئها، فعلى مر العصور، واجهت اليمن تحديات عميقة، ولكنها استطاعت في كل مرة أن تتجاوزها، بل وتخرج أقوى مما كانت عليه.
اليمنيون يرون أن هذا الاستهداف ما هو إلا محاولة لإضعاف إرادتهم، ولكنهم في الواقع يزدادون إصراراً على مواصلة دعمهم لفلسطين، علاوة على ذلك، فكلما تعرضت القيادات اليمنية للاغتيال أو الهجوم، كانت ردود الفعل الشعبية أكبر، حيث يزداد الالتفاف الشعبي حول القيادة والالتزام بالقضية الفلسطينية.
الاستهداف الإسرائيلي لن يوقف المسار العسكري لليمن في مواجهة الاحتلال، على الرغم من الهجمات المتكررة، يظهر أن القوات المسلحة اليمنية والمجاهدين لم يتوقفوا عن تطوير قدراتهم العسكرية، بل إن هذا الاستهداف قد يكون دافعاً لتعزيز قدرتهم على الردع، ويزيد من قناعة الشعب والقيادة بأن المعركة مع إسرائيل ليست مجرد رد على الأفعال العدوانية، بل هي جزء من معركة مستمرة تهدف إلى دحر الاحتلال، سواء في غزة أو في أي مكان آخر.
المعادلات العسكرية التي أنشأتها اليمن في مواجهة العدوان السعودي، والتي أثبتت فعاليتها في السنوات الأخيرة، يمكن أن تمتد إلى الساحة الفلسطينية، حيث إن التنسيق بين مختلف فصائل المقاومة الفلسطينية والقدرة العسكرية اليمنية يمكن أن يشكل تهديداً حقيقياً للاحتلال الإسرائيلي. حقيقةً، إن قدرة اليمن على الوصول إلى أهداف استراتيجية في العمق الإسرائيلي- من خلال تكنولوجيا الصواريخ الدقيقة النقودية والطائرات المسيّرة– تبرز كعقبة أمام أي محاولة للردع.
جريمة اغتيال الحكومة اليمنية ستكون لها تداعيات كبيرة على المعادلات السياسية والعسكرية في المنطقة، هذه الجريمة تفتح المجال أمام معادلات جديدة من الردع، حيث يمكن أن تكون هذه الضربة بمثابة تحول استراتيجي في التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي والقوى الإقليمية المساندة له، فقد اعتاد اليمنيون على خوض معارك مصيرية، والآن أصبح لديهم من القدرات العسكرية والتصميم ما يسمح لهم بتوسيع دائرة المواجهة.
الرهان على محاولات إسقاط منظومة الحكم في صنعاء من الداخل خاسر، بل قد يؤدي إلى تحولات غير مسبوقة في استراتيجية اليمن، حيث سيتوسع تأثيرهم إقليمياً ويزيد من عزل إسرائيل عن المنطقة. كما أن الوعي الشعبي اليمني المتزايد بأهمية المقاومة في مواجهة التوسع الصهيوني سيقوي الجبهة الداخلية ويساهم في رفع الجاهزية لدى كل فصيل ومجموعة وطنية.
إن استهداف قيادات اليمن لن يغير شيئاً في موقف الشعب اليمني الثابت من القضية الفلسطينية، بل على العكس، سيسهم في تعزيز هذا الموقف وتثبيته. ستستمر اليمن في تطوير قدراتها العسكرية وفي دعم وإسناد غزة، ولن يكون للغدر الإسرائيلي أي تأثير على استمرار هذه المعركة المقدسة. فاليمن سيظل قلعة من قلاع الدفاع عن فلسطين، وسيكون الرد على هذا الاستهداف ليس فقط بالصمود، بل بانتقال القضية إلى مراحل جديدة من التصعيد والمواجهة مع العدو الإسرائيلي.