في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

نحن الآن في بغداد، في القرن التاسع الميلادي، في مكان غريب بعض الشيء على الحياة في ذلك العصر، إذ بدا وكأنه مستورد من المستقبل. على طاولة قريبة، تشتعل نار هادئة أسفل ماء مُثقَل بالورد في قدر تعلوها قبة، فيتكاثف البخار على جدرانها الباردة ويسيل قطرة قطرة عبر أنبوب مائل إلى قارورة صغيرة. سُمي جزء من هذا الجهاز "الأنبيق "، وما زال يحمل اسما قريبا في لغات الغرب حتى اليوم.

من أدق من وصفوا صنعة العطور في زمنهم كان يعقوب بن إسحاق الكندي، ففي كتابه "كيمياء العطر والتصعيدات " جمع أكثر من مئة وصفة لزيوت عطرية ومياه مقطرة وبدائل للعقاقير الغالية، ووصف معها الأدوات المستخدمة في صنعها، كما لخص جانبا من تاريخ صناعة العطور. وتخطت وصفاته حاجز المعامل والقصور، فبين أوراق "جنيزة القاهرة " في الفسطاط عُثر على كراس صغير نقل فيه أحدهم، لاستعماله الخاص على ما يبدو، مقتطفات من وصفات الكندي، وفيه تجد الوصفة التالية: قرفة وهيل وناردين وكافور وزعفران ومسك وماء ورد.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 أربعة طوابير في اليوم.. كيف تبتلع إسرائيل أعمار الغزيين؟
* list 2 of 2 نوبل للفيزياء 2026.. هل كان عبد الرحمن الصوفي ليرى نشأة الكون؟ end of list

قبل الكندي، كان اسم آخر قد صار علما على الصنعة كلها، وقد وضع الأسس التي ربما سيعمل بها الكندي ورفاقه، هو جابر بن حيان، وفي نص ينسب إليه يضع ما يشبه دستورا للمختبر، يقول: "يجب أن تعلم أنا نذكر في هذه الكتب (يشير هنا إلى الكتب التي بحث فيها خواص الأشياء) خواصّ ما رأيناه فقط، دون ما سمعناه أو قيل لنا وقرأناه، بعد أن امتحناه وجربناه؛ فما صح أوردناه وما بطل رفضناه ". ثم يضيف جملته الأشهر: "وملاك هذه الصنعة العمل والتجربة، فمن لم يعمل ولم يجرب لم يظفر بشيء أبدا ".

"كان كثيرون من أهل الصنعة يطاردون حلما قديما اسمه الإكسير "

وكان كثيرون من أهل هذه الصنعة يطاردون حلما قديما اسمه "الإكسير "، وهو مادة يكفي منها مقدار ضئيل لتحول هائل في تركيبة المعادن وصولا إلى الذهب. كان الكندي ممن عارضوا هذه الفكرة، وكان على حق حيث لم يُصنع الإكسير قط، لكن الكيمياء الحديثة عرفت شيئا قريبا من صورته، وهو "العامل الحفاز "، المادة التي تسرّع التفاعل وتوجّهه، ثم تخرج منه سليمة لتعيد الكرّة.

إعلان

وهنا تبدأ قصتنا، فقد ذهبت جائزة نوبل للكيمياء لعام 2026 إلى رجلين وجد كل منهما، على طريقته، ما يشبه إكسيرا من نوع ما، لا يحول الرصاص إلى ذهب، لكنه يجيب عن سؤال حير العلماء قرابة قرنين: كيف تختار المادة صورتها؟ الرجلان هما الفرنسي هنري بي كاغان من جامعة باريس-سود، والياباني كينسو سواي من جامعة طوكيو للعلوم.

مصدر الصورة صورة تخيلية للكندي على طابع عراقي (ويكيميديا)

"إن هذا ليجعل قلبي يخفق "

تعلمنا في المرحلة الإعدادية أنه لنعرف شيئا عن جزيء ما، فإنه يجب أن نتعلم عن مكوناته من الذرات فحسب، لكن ثمة أمرا آخر لم نعرفه إلا بدراسة الكيمياء الجامعية، وهو أنه علينا أيضا أن نعرف كيف تنتظم هذه الذرات في الفراغ، فقد يتكون جزيئان من أنواع الذرات نفسها، وبالأعداد نفسها، وتتصل ذراتهما بالطريقة نفسها، ومع ذلك يختلفان في ترتيبها ثلاثي الأبعاد، بحيث يكون أحدهما بمثابة صورة مرآة للآخر. سميت هذه الصفة "الكيرالية ".

ولتخيل ذلك، انظر إلى يدَيك. كلتاهما تتكون من كفّ وخمسة أصابع، لكن ترتيب هذه الأجزاء يجعل إحداهما يمنى والأخرى يسرى. ومهما أدرت يدك اليمنى، فلن تستطيع جعلها تطابق اليسرى تماما، بحيث تتوافق الأصابع والكفّ وظهر اليد جميعا. بعض الجزيئات تتصرف بالطريقة نفسها، حيث تخرج من التفاعلات الكيميائية لها صورتان تشبه إحداهما انعكاس الأخرى في المرآة، ولا يمكن مطابقتهما بمجرد تدويرهما.

قد يبدو الاختلاف طفيفا، لكنه يصبح بالغ الأهمية داخل أجسامنا مثلا، فالإنزيمات والمستقبلات التي تتفاعل معها الجزيئات لها أشكال محددة أيضًا، ولذلك قد تستقبل إحدى الصورتين بسهولة، بينما يصعب على الأخرى الارتباط بها بالطريقة نفسها، خذ مثلا جزيء "الكارفون "، إحدى نسختي المرآة منه تمنح النعناع رائحته الحلوة المنعشة، أما النسخة الأخرى فتمنح بذور الكراوية رائحتها الحارة الدافئة، الذرات واحدة، والفرق كله في الاتجاه، لأن مستقبلات الشم في أنوفنا تستجيب لكل "يد " بطريقة مختلفة عن الأخرى.

"قد يتكون جزيئان من أنواع الذرات نفسها، وبالأعداد نفسها، وتتصل ذراتهما بالطريقة نفسها، ومع ذلك يختلفان في ترتيبها ثلاثي الأبعاد، بحيث يكون أحدهما بمثابة صورة مرآة للآخر "

هذا مدهش حقا، والواقع أن الدهشة طاردته دائما، حيث تبدأ القصة الحديثة لهذه الخاصية الغريبة في ربيع عام 1848، حينما كان لويس باستير، الشاب ذو الخمسة والعشرين عاما في دار المعلمين العليا بباريس، يحدق بمجهره في بلورات ملح مشتق من حمض الطرطريك، الحمض الذي يستخلص من العنب ويترسب في براميل النبيذ.

وقع الكيميائيون وقتها في حيرة شديدة، فهذا الحمض المستخلص من العنب يؤثر على اتجاه الضوء الذي يمر به بطريقة محددة، أما توأمه (صورته في المرآة) الذي يظهر أحيانا في صناعة النبيذ فلا يصنع هذا التأثير إطلاقا، مع أن تركيبهما واحد، لكن باستير لاحظ ما فات غيره، وهو أن بلورات الملح هذه تمثل صنفين لا صنفا واحدا، لكل منهما وجه صغير مائل، يتجه في أحدهما يمينا وفي الآخر يسارا، تماما كاليدين.

وبملقط دقيق، وصبر طويل، فرز البلّورات في كومتين، وأذاب كلا منهما على حدة، فالأولى أثرت على الضوء بطريقة، والثانية بالطريقة المعاكسة، وحين مزجتا اختفى الأثر. لم يصدّق كثيرون. وكان أشدهم تحفظا جان-باتيست بيو، الفيزيائي المخضرم الذي اكتشف قبل عقود أن بعض المحاليل "تدير الضوء "، استدعى باستير إلى مختبره، وأعطاه عينة ليتحقق بنفسه منها، وطلب إعادة التجربة كلها أمام عينيه وبكواشفه هو، ثم أصر على إجراء القياس الأخير بنفسه. وحين تحرك الضوء كما تنبأ باستير، أمسك العالم العجوز بيد الشاب وقال: "يا بني العزيز، لقد أحببت العلم طوال حياتي حتى إن هذا ليجعل قلبي يخفق ".

إعلان

الكون غير متماثل

قاد البحث في هذا النطاق إلى المزيد من الدهشة. اكتشف صديقنا أن تفاعلات الكيمياء تنتج صورتين من المركب نفسه في آن واحد، بينما الحياة نفسها كانت منحازة، تفضل نسخة على الأخرى لسبب مجهول، فتجد مثلا أن معظم الأحماض الأمينية، وهي الوحدات الصغيرة التي تتصل لتصنع البروتينات، يمكن أن توجد في صورتين مرآتيتين. ومع ذلك، تعتمد عملية بناء بروتينات أجسامنا على صورة محددة منها، ويجري الأمر ذاته على المركبات التي تكون حمضنا النووي.

بالطبع لم يعرف باستير شيئا عن الحمض النووي، لكنه أدرك الفكرة الأولية فورا، وقال أمام الأكاديمية الفرنسية للعلوم في يونيو/حزيران عام 1874 اقتباسه الشهير: "الكون كله غير متماثل، وأنا مقتنع بأن الحياة، كما تتجلى لنا، تعتمد على عدم تماثل الكون أو على ما يترتب عليه ". هنا يظهر السؤال الذي شغل الكيميائيين طويلا: كيف نشأ هذا الانتظام؟ ما الذي جعل كيمياء الحياة تعتمد صورة واحدة؟ وكيف نجبر تفاعلا في دورق على تفضيل صورة على أخرى؟

تلك الأسئلة ليست علما نظريا فقط، تخيل مثلا أنك تصنع مفتاحا لقفل، فتخرج من عملية التصنيع نسختان، إحداهما صورة مرآة للأخرى. تدخل الأولى في القفل وتفتح الباب بسهولة، بينما لا تلائمه الثانية، وربما تتسبب في تعطيل آليته. تواجه صناعة الأدوية تحديا مشابها؛ إذ قد تمنح إحدى صورتي الجزيء التأثير العلاجي المطلوب، بينما تكون صورتها المرآتية أقل فاعلية أو مسببة لآثار جانبية، ويزداد الأمر تعقيدا لأن التفاعل الكيميائي ينتج الصورتين معا، فيصبح الحصول على الصورة المطلوبة وحدها مرهونا بفصلها عن الأخرى، وهي عملية قد تتطلب تقنيات دقيقة وخطوات إضافية ترفع كلفة التصنيع.

وكان لتجاهل المرآة في الكيمياء ثمن باهظ. ففي مطلع الستينيات انكشفت كارثة الثاليدومايد، المهدئ الذي تناولته نساء حوامل كثيرات، فوُلد على إثره آلاف الأطفال بتشوهات خلقية جسيمة. وحين حلل الباحثون الكارثة لاحقا، ربطوا الضرر بإحدى نسختي الجزيء دون الأخرى، ثم تبيّن أن القصة أعقد من ذلك، إذ تتحول كل من نسختي الثاليدومايد إلى الأخرى داخل الجسم، وما زال الباحثون يقترحون تفسيرات لهذا الأمر.

بسبب ذلك كانت الإجابة عن الأسئلة سالفة الذكر أكبر من مجرد فضول بحثي، بل تتعلق بصحة الناس وتكلفة علاجهم، وهنا تحديدا تكمن أهمية أعمال هنري وكينسو اللذين أجابا عن تلك الأسئلة.

مصدر الصورة أثناء اعلان جائزة نوبل في الكيمياء 2026 (منصة جائزة نوبل)

العامل الحفاز يدخل أرض الملعب

في مطلع القرن الماضي، استعان الكيميائي الألماني فيلي ماركفالد بمادة كيرالية لتوجيه تفاعل كيميائي، فحصل على كمية من إحدى الصورتين المرآتيتين أكبر قليلا من الأخرى. كان الفارق صغيرا، لكنه أثبت إمكان دفع التفاعل إلى تفضيل صورة بعينها. على نفس الخط، ومنذ مطلع الثمانينيات، كان الكيميائيون يبحثون عن طرق تجعل التفاعل ينتج إحدى صورتي الجزيء أكثر من الأخرى. واستعانوا بعوامل حفازة تسرع التفاعل وتساعد على توجيهه.

وكان كثير من هذه العوامل الحفازة يتكون من فلز (عنصر كيميائي يوصل الحرارة والكهرباء جيدا) يرتبط بجزيء له صورة يمنى وأخرى يسرى. وكان الاعتقاد السائد أن الحصول على ناتج غني بإحدى الصورتين يتطلب استخدام حفاز يلتصق بالصورة التي نريد إنتاجها، بمعنى أن انحياز الناتج هو نسخة طبق الأصل من انحياز العامل الحفاز.

جعل ذلك العلاقة "خطية "، أي أن نقاوة العامل الحفاز تبدو كأنها تضع سقفا لنقاوة الناتج، ومن ثم فإذا أردت دواء تسود فيه صورة واحدة بدرجة كبيرة، فستسعى إلى تحضير حفّاز شديد النقاوة أولا، أو تتحمل لاحقا مشقة فصل صورتي الناتج.

"هنري كاغان رأى أن العوامل الحفازة تتصرف بطريقة أعقد مما يظنه العلماء "

لكن هنري كاغان رأى أن العوامل الحفازة تتصرف بطريقة أعقد مما يظنه العلماء، فقد يرتبط الفلز بجزيئين لا بجزيء واحد، فتكون أمامنا ثلاثة احتمالات: جزيئان من الصورة اليمنى، أو جزيئان من اليسرى، أو واحد من كل صورة، وليس ضروريا أن تعمل هذه التشكيلات بالكفاءة نفسها. ولتقريب الفكرة، تخيل ورشة يعمل أفرادها في أزواج، بعضهم يستخدم يده اليمنى وبعضهم اليسرى. الآن افترض أن الزوج الذي يستخدم اليد نفسها يعمل بكفاءة، بينما يتعطل العمل حين يجتمع أيمن وأعسر. إذا كان أصحاب اليد اليسرى أكثر قليلا، فقد تنشغل أعداد كبيرة من العاملين باليد اليمنى داخل الأزواج المتعطلة، عندئذ يصبح تأثير أصحاب اليد اليسرى في الإنتاج أكبر بكثير من نسبتهم بين العمال.

إعلان

هنا كشف هنري أن هذا السقف الذي وضعه العلماء لنقاء الدواء ليس ثابتا في جميع التفاعلات، ففي بعض الأنظمة، يمكن لعامل حفاز غير نقي تماما من حيث صورته الكيرالية أن ينتج مادة أنقى بكثير مما تتنبأ به العلاقة التي رسموها، وهذا فتح إمكانية الاستفادة من حفّازات كان العلماء يستبعدونها، وتقليل الحاجة إلى تنقيتها بدرجة شديدة في بعض الحالات. وفي عام 1986، نشر هنري وزملاؤه نتائج ثلاثة تفاعلات أظهرت أن العلاقة بالفعل ليست بالبساطة المتوقعة، فأحيانا يكون تفوّق إحدى الصورتين في الناتج أكبر من المتوقع، وأحيانا أصغر. عرفت هذه الظاهرة باسم "التأثيرات اللاخطية ".

ثم جاء مثال لافت من اليابان عام 1989 حيث استخدم الباحثون مادة للتحفيز تتوزع صورتاها بنسبة 57.5% إلى 42.5%، أي بفارق محدود، ومع ذلك، حصلوا على كحول بلغت فيه نسبة إحدى الصورتين 97.5%، مقابل 2.5% للأخرى.

بدقة شديدة، تمكن هنري من فهم العمليات التي يدخل فيها العامل الحفاز، وكان قد انطلق من جانب عملي تماما يهتم بتصنيع الأدوية، لكن هذا الطريق أخذه إلى جانب وجودي، لأنه فتح الباب للإجابة عن سؤال الحياة سالف الذكر: لماذا تختار صورة واحدة فقط من صورتي المرآة؟

إجابة هنري عن السؤال العملي تماست مع فرضية نُشرت في عام 1953، حيث كان الفيزيائي تشارلز فرانك من جامعة بريستول عرض فكرة رياضية لتفسير ذلك. ولفهمها، تخيل وجود مجموعتين من الجزيئات، إحداهما تشبه اليد اليمنى والأخرى تشبه اليسرى. كل مجموعة تساعد على صنع المزيد من أفرادها، وتعرقل المجموعة الأخرى. فإذا بدأت إحداهما بأغلبية صغيرة جدا، أصبحت لديها قدرة أكبر على التكاثر، فالجزيئات الجديدة تساعد بدورها على إنتاج المزيد، فيتسع الفارق شيئا فشيئا، وقد ينتهي الأمر بسيطرة صورة واحدة، وهكذا يمكن لفارق ضئيل في البداية أن يتحول إلى انحياز كبير.

مصدر الصورة تنتج بعض الجزيئات في صورتين متماثلتين لكن متعاكستين (منصة جائزة نوبل)

الجزيء الذي يستنسخ يده

آلية هنري فسرت جزءا من هذه الفرضية، حيث وجدت آلية تعزز إنتاج إحدى اليدين وتكبح الأخرى، لكنها لم تتمكن من تفسير الجزء الآخر، وهو أن كل يد تنتج يدا شبيهة بها، هنا برز دور كينسو سواي الذي لاحظ أن ناتج أحد تفاعلاته يشبه في بنيته العامل الحفاز الذي استعمله، فخطرت له فكرة فرانك نفسها، وهي أن الناتج يمكن أن يعمل كعامل حفاز لنفسه. عندها، تنضم الجزيئات الجديدة إلى عملية الإنتاج، فتساعد بدورها على صنع المزيد، وهذا ما يُسمّى "التحفيز الذاتي ".

نجح كينسو في تحقيق ذلك مطلع التسعينيات، لكن مشكلة ظلت تعترضه، حيث كانت أفضلية الصورة الغالبة تتراجع في الناتج، ومن ثم كان التفاعل يصنع المزيد من المادة، لكنه يفقد شيئا من انحيازها إلى إحدى الصورتين، ولكي تتحقق الفكرة التي طرحها فرانك، كان يحتاج إلى تفاعل تتعزز فيه هذه الأفضلية مع استمرار الإنتاج. يشبه ذلك أن تستمر آلة التصوير في إخراج الورقة المكتوبة نفسها، لكنها تصبح أبهت في كل مرة.

جاء الاختراق عام 1995، حين وجد كينسو وزملاؤه مركبا يحقق المطلوب. بدأوا بمزيج تتقارب فيه حصتا الصورتين، نحو 51% لإحداهما، مقابل 49% للأخرى، وبعد جولات متتابعة من التفاعل، أصبحت الصورة التي بدأت متقدمة قليلا تشكّل نحو 94% من المزيج، لقد تحولت أفضلية صغيرة إلى أغلبية واضحة. وفي تجارب لاحقة، بدأ الفريق بفارق أصغر بكثير، يكاد معه عدد جزيئات الصورتين يتساوى تماما. ومع ذلك، استطاع التفاعل تضخيم هذا الفارق، حتى صارت إحدى الصورتين تمثّل أكثر من 99.75% من المزيج. يشبه الأمر كرة ثلج تبدأ صغيرة، ثم تكبر كلما تدحرجت.

"أجاب هنري وكينسو عن سؤال تحيز الحياة لإحدى الصورتين، وذهبا بالإجابة إلى تطبيقات واعدة "

ثم جاءت خطوة أشد إثارة، إذ أجرى كينسو التفاعل من دون إضافة مادة كيرالية ترجح إحدى الصورتين مسبقا. وأظهرت تجارب بدأت عام 2003 أن إحدى الصورتين يمكن أن تتفوّق، وهو ما اتفق مع فكرة أن فروقا بالغة الصغر في البداية قد تتضخّم مع استمرار التفاعل. وفي عام 2009، بلغ الأمر حدًا مدهشا، إذ استخدم الفريق جزيئات نشأت كيراليتها من وجود ذرة كربون أثقل قليلا في موضع محدد داخلها. وكان هذا الاختلاف الدقيق كافيا لترجيح إحدى صورتي الناتج، ثم تولى التحفيز الذاتي تضخيم الأفضلية.

مصدر الصورة أكثر من نصف الأدوية المستعملة سريريا جزيئات كيرالية (الجزيرة)

من المختبر إلى الصيدلية

بذلك، أجاب هنري وكينسو عن سؤال تحيز الحياة لإحدى الصورتين، وذهبا بالإجابة إلى تطبيقات واعدة. تظهر قيمة الاكتشافين في كل صناعة تنتج مواد يفترض أن تلتقي بكائن حي، الدواء والنكهة والعطور، وحتى المبيدات الحشرية، فأجسامنا وأنوفنا، والحشرات والنباتات، مليئة بأياد كيرالية تبحث كل منها عن قفازها. في الصيدلة وحدها، أكثر من نصف الأدوية المستعملة سريريا جزيئات كيرالية، ومن ثم فإن أبحاث هنري وكينسو ورفاقهما تجد أهمية في تصنيعها. ومن طرائف هذا التاريخ أن مسكنا يسمى "دارفون " بيعت نسخته المرآتية كدواء للسعال باسم "نوفراد "، أي اسمه مقلوبا.

إعلان

وخذ مثالا أقرب، دواء أوميبرازول لحموضة المعدة هو خليط من نسختين، أما "إيزوميبرازول " فنسخة واحدة منه، وهو من الأدوية الأكثر مبيعا في العالم، ويعتمد تصنيعه الصناعي على أكسدة يحفزها مركب معقّد من التيتانيوم وطرطرات ثنائي الإيثيل، في وصفة معدّلة عن تلك التي نشرها مختبر كاغان، ومعه مختبر جورجيو مودينا في إيطاليا، عام 1984.

ويتكرر ذلك في كل شيء تقريبا: في المبيدات، والمنكهات الصناعية، وحتى في قارورة العطر، فكما أسلفنا، اختلاف رائحة النعناع عن الكراوية مثال صارخ على تلك الفكرة، ومثلا وثقت شركة "تاكاساغو " اليابانية استخدام هذه التقنيات لإنتاج مكوّنات عطرية، منها المسكون والسيترونيلول، بعدما بدأت إنتاج المنثول (رائحة النعناع) بهذه الطريقة عام 1983، معتمدة على تقنيات ارتبطت بأبحاث نوبل عام 2026.

يبدو الأمر وكأن صنعة الكندي قد عادت إلى أصلها، ولكن بأدوات تميز اليمين من اليسار، والسر دائما في التجارب وتكرارها. منذ قديم الزمان، وهذا دأب الكيميائيين: يجرون التجارب، ويقيّمون النتائج، ويبحثون عن سبل تحسين الجودة، ثم يعودون إلى التجربة من جديد، في سعي لا يتوقف؛ سواء أكان ذلك في مختبر متقدم بجامعة يابانية، أم في حجرة ببغداد قبل أكثر من ألف عام.