نجوا من حرب غزة.. لكنهم خرجوا منها بفقد لا يُسترد
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة- بينما كان الأطباء يخرجونه من غرفة العمليات، بعدما استأصلوا عينه اليمنى، لم يكن الشاب الغزي رمضان الأشرم يدرك أن الإصابة في رأسه أفقدته بصره كاملا وإلى الأبد.
في الأثناء، وحين ضاق الأمل بالأشرم، دخلت زوجته إليه بعد مخاض عسير، تحمل مولودهما البكر أنس. وضعته على صدره وهو يبكي، قائلة: "الله عوّضنا يا رمضان، أخذ منك شيئا وأكرمك بشيء".
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 107 أيام بشمال غزة.. كيف حولت القسام "خطة الجنرالات" إلى مقبرة للفولاذ؟
* list 2 of 2 لا مأوى ولا عمل وتشوهات جسدية.. هكذا حولت الحرب الإسرائيلية الحياة في غزة end of list
احتضن الأب المكلوم طفله، وراح يتحسس وجهه وملامحه بأصابعه ويشمه، ليعوض غياب النظرة الأولى. ثم قال وهو يجهش بالبكاء: "أروني وجهه، ثم خذوا بصري إلى الأبد".
مصدر الصورة
لم ير طفله
بعد نحو 3 أعوام من إصابة الأب وولادة الطفل، تجلس مراسلة الجزيرة نت إلى جانب رمضان (28 عاما) في منزله بحي الصبرة جنوب قطاع غزة. تدخله زوجته إلى الغرفة ممسكة بذراعه، وتوجهه نحو المقعد المقابل. يطلب الماء فتسقيه، وتصطحبه إلى حيث يريد، وحين يملّ تأخذه إلى الخارج، فهو لا يقطع مترا دونها.
بدأت قصة رمضان حين قصد منزل شقيقته في حي تل الهوى لتفقده واقتناء بعض الطعام والملابس والحاجيات، وحاول الخروج من جهته الخلفية بالقفز عن جدار. هناك، أصابته رصاصة متفجرة أطلقها قناص إسرائيلي، اخترقت رأسه وخرجت من عينه اليمنى. ويقول للجزيرة نت: "نزف دمي مثل نافورة ماء. لم أسمع إلا الطنين، ولم أرَ إلا الظلام، وفقدت الوعي عدة ساعات".
بعد ذلك، نُقل رمضان إلى مجمع الشفاء الطبي، الذي كان يعج بأعداد كبيرة من مصابي المجازر مع تصاعد التوغل العسكري الإسرائيلي في محيطه، وظل يعاني ساعات دون سرير أو تدخل طبي، قبل أن يدخل غرفة العمليات، حيث أزال الأطباء عينه اليمنى، ثم أخبروه أن ثمة فرصة لإنقاذ الرؤية في عينه اليسرى خارج غزة ورغم حصوله على تحويلة طبية، فإنه ما زال ينتظر.
يقول رمضان إن أصعب ما مرّ به خلال الحرب كان النزوح؛ إذ كان شقيقه يحمل متاع العائلة وأطفالها، بينما تحمل زوجته بعض الأغراض وطفلهما أنس، أما هو فكان يبحث عن يد تقوده في الطريق خشية أن يتعثر ويسقط، بعدما كان قبل الحرب يعتمد على نفسه في تفاصيل حياته وعمله.
مصدر الصورة
فقد ذراعه والعائلة
وعلى مقربة من رمضان، يعيش الطفل كنان أبو جبة (9 أعوام) معاناة أخرى، بعد أن أفقدته الحرب إحدى ذراعيه. وبين أزقة الخيام، يحمل كنان كرة صغيرة بيده اليمنى، يقذفها ثم يركض وأقرانه من الأطفال الذين يلعبون معه لإحضارها، جلهم يلوحون بيدين اثنتين، أما هو فلا يملك إلا واحدة.
كان كنان في السادسة من عمره حين قُصف منزل عائلته في حي الشجاعية شرق غزة، فاستشهد والداه وإخوته وأخواته. وظل عالقا تحت الأنقاض ساعات، حتى كاد يختنق، قبل أن تمتد إليه يد أحد المنقذين وتنتشله. يقول للجزيرة نت: "قصفونا بـ3 صواريخ، بقيت تحت الأنقاض، طلّعوني (أخرجوني) عند التاسعة صباحا".
ينظر الطفل الجريح إلى موضع ذراعه المبتورة، ويواصل حديثه: "نظرت إلى يدي، فلم أجدها.. طارت (قطعت) يدي مع القصف".
وقبل عام، عاد كنان من رحلة علاج في دولة الإمارات ومعه طرف صناعي يعوض ذراعه المفقودة، لكنه كبر، وصار الطرف صغيرا عليه، فعاد احتياجه إلى ذراع جديدة، وإلى محاولة أخرى لاستعادة شيء من حياته اليومية متحدثا عن شوقه لأن يصفق بكفيه، ويمسك الكرة بيديه، وأن يلعب ويرتدي ملابسه ويأكل كما يفعل الأطفال من حوله. يصمت قليلا قبل أن يختم: "يد واحدة لا تكفي".
مصدر الصورة
الفقد وصل الحواس
لكن خسائر الحرب لا تقاس بما يظهر على الجسد وحده؛ فبعضها لا يصيب عضوا فقط، بل يقضي على حاسة كاملة. تماما كما حدث مع السيدة كوثر نصر، التي خرجت حيّة من تحت الأنقاض، لكن حاستي الشم والتذوق ماتتا فيها وفقدتهما تماما.
ففي الأسبوع الأول للحرب، استُهدف منزل كوثر، وفقدت زوجها وولديها وأحفادها. وتعيش اليوم على بعد أمتار من مطبخها الذي نجا من الدمار. تجلس فيه مع حفيدتيها الناجيتين اللتين قررت تربيتهما. وتقول إن فقدان حاسة الشم أربك حياتها: "قد يأتي عندي أحد يستغرب جلوسي في هذه الرائحة". حتى الروائح التي كان يمكن أن تنفّرها لم تعد تشعر بها.
وتأكل كوثر، لا لأنها تستمتع بالطعام، بل "لكي لا أموت"، فهو، بوصفها، صار بلا طعم، كأنها تشرب ماء، وكل الأشياء صارت متشابهة.
أخبرها الأطباء أن عصب الشم لديها احترق، وأن استعادة التذوق قد تكون ممكنة عبر جلسات كهربائية. لكن جزءا من فقدها كان زمنا كاملا، كان فيه أبناء وزوج ومنزل، وحواس تحفظ التفاصيل كافة.
توقف الذاكرة
لكن الفقد في الحرب تجاوز الجسد والحواس، وانقضّ على الذاكرة فأوقفها، كما هي حال المواطنة عايدة (55 عاما). فحين نزحت عائلتها جنوبا إلى مدينة خان يونس، قبل أن يستهدفهم القصف في 11 يناير/كانون الثاني 2024، استشهد ابناها وعائلتاهما، فيما بقيت هي تحت الركام مصابة بكسور.
كانت الأم عايدة -رغم مرضها- دائمة السؤال عن أبنائها، كما تقول ابنتها سهام. فيردون عليها بأنهم مصابون ويتلقون العلاج، ولم يخبرها أحد باستشهادهم خوفا من مضاعفة آلامها. وبينما كانوا في مستشفى ناصر جنوب القطاع، بدأ الاحتلال يطوق المستشفى، وفي تلك الفترة، توفي والد عايدة الذي أصيب بجلطة عقب استشهاد أبنائها.
إبّان الحصار، وبعد 3 أسابيع من الحادثة، أخبر الأبناء والدتهم باستشهاد أشقائهم. حينها توقفت عن تناول الطعام، وفقدت قدرتها على البلع، وبقيت عيناها معلقتين بالسقف، لا تستجيب ولا تتحدث، ثم دخلت في غيبوبة استمرت عاما كاملا، وعندما استيقظت، لم تعد كما كانت، فقدت قدرتها على الكلام، وعادت كطفلة تحتاج إلى من يطعمها ويعتني بها، وتتعامل مع الأشياء مثل طفلة صغيرة.
تقول ابنتها سهام إن إحساس الشبع لديها لم يعد كما كان، وإن أحاسيس كثيرة تعطلت. لكن المفارقة أن ذاكرتها ظلت عامرة بالأحداث القديمة، بينما يبدو الزمن عالقا عند اللحظة التي فقدت فيها أبناءها.
مصدر الصورة
العائدة من الموت
أما الشابة عزة العمور، فقد أخذ فقدها شكلا آخر. كانت تجلس في غرفة صغيرة على سطح منزلها في خان يونس، تحاول التقاط إشارة إنترنت لتقديم امتحانها الجامعي عن بُعد، حين سقط صاروخ وشجّ رأسها.
للوهلة الأولى، قال المسعفون إنها استشهدت. وحين نقلت إلى المستشفى عاينها الأطباء وأدخلوها العناية المركزة، حيث وصفت حالتها بأنها "خطرة جدا". وبعد غيبوبة استمرت 15 يوما، استيقظت عزة بشلل نصفي وفقدان تام للسمع.
أصاب القصف الجزء الأيمن من رأسها، وأدى إلى أذى شديد أفقدها سمعها وقدرتها على تحريك الجانب الأيسر من جسدها. وبدأت بعدها رحلة طويلة من التأهيل، استعادت خلالها جسدها خطوة بعد أخرى. بدأت تمشي من جديد، تجر قدمها جرا. أما السمع، فلا يمكن استعادته، تقول أمها للجزيرة نت: "أحرك شفاهي ببطء، وإذا لم تفهمني أكتب".
أما عزة، فتحمل دائما دفترا صغيرا، وهو وسيلتها إلى الآخرين، تعيد به بناء صوتها بالحروف. ومع ذلك، لم تتخل عن دراستها، وتواصل فصلها الجامعي الأخير في تخصص الإرشاد النفسي، تقرأ المحاضرات وتقدم امتحاناتها، وتتمسك بفكرة أن ما فقدته ليس بالضرورة نهاية ما تبقى لها.
ففي غزة، لم تقتصر خسائر الحرب على ما يمكن رؤيته في الجسد، فقد امتدت إلى البصر والسمع والشم والتذوق والذاكرة، وإلى تفاصيل الحياة اليومية التي كانت تبدو عادية قبل أن تصبح، بعد الحرب، أشياء تحتاج إلى يد أخرى أو حاسة مفقودة أو ذاكرة تحاول استعادة ما انقطع.