بعد تعليمات تبون.. برلمان الجزائر يوسّع عقوبة الإعدام لتشمل جرائم الحرائق وخطف الأطفال
يأتي إقرار المشروع وسط دفاع حكومي عن تشديد العقوبات باعتباره وسيلة لمواجهة هذه الجرائم، واعتراض منظمة العفو الدولية التي دعت السلطات إلى التراجع عن توسيع عقوبة الإعدام وعدم استئناف تنفيذها.
صادق المجلس الشعبي الوطني الجزائري ، الخميس، على مشروع تعديل قانون العقوبات بما يوسّع نطاق الجرائم التي يعاقب عليها ب الإعدام ، لتشمل إشعال الحرائق عمدا في الغابات والحقول وحالات إضافية من اختطاف الأطفال، في خطوة جاءت بعد حرائق مميتة شهدتها البلاد خلال الصيف.
ويأتي إقرار المشروع، الذي لا يزال يتعين عرضه على مجلس الأمة قبل استكمال إجراءات إصداره، وسط دفاع حكومي عن تشديد العقوبات باعتباره وسيلة لمواجهة هذه الجرائم، واعتراض منظمة العفو الدولية التي دعت السلطات إلى التراجع عن توسيع عقوبة الإعدام وعدم استئناف تنفيذها، المتوقف منذ عام 1993.
توسيع نطاق الإعدام في جرائم الحرائق والخطف
وجرى التصويت على المشروع برفع الأيدي في جلسة علنية ترأستها رئيسة المجلس الشعبي الوطني، خليدة بوفدش، بحضور وزيرة العلاقات مع البرلمان، نجيبة جيلالي. وأعلنت بوفدش إقرار النص بكامله، فيما لم تتوافر تفاصيل عن عدد الأصوات المؤيدة والمعارضة.
ويتضمن المشروع تشديد العقوبات على إشعال النار عمدا في الغابات والأحراج والحقول، سواء كانت مزروعة أم غير مزروعة. وبحسب التوضيحات التي قدمها وزير العدل، لطفي بوجمعة، أمام النواب الاثنين، يرفع التعديل عقوبة هذه الأفعال من السجن عشرين عاما إلى الإعدام.
ويشمل النص أيضا التخريب العمدي للأملاك العمومية والخاصة المرتكب لصالح أطراف أجنبية في إطار الخيانة والتخابر أو الجريمة المنظمة، والأفعال التي تستهدف الأمن والنظام العامين والوحدة الوطنية والاستقرار الاقتصادي والبيئي، وفق عرض المشروع.
وفي ما يتعلق بحماية الأطفال، يتضمن التعديل أحكاما توسّع نطاق عقوبة الإعدام في جرائم الاختطاف، بما يشمل الحالات المرتبطة بالتعذيب أو الاعتداء الجنسي أو التنكيل، وفق الشروط المحددة في النص. وقال بوجمعة إن التعديل يرفع العقوبة من السجن المؤبد إلى الإعدام في الحالات المعنية.
كما يحرم المشروع المدانين بالأفعال المشمولة بالتعديل، المتعلقة بالحرائق أو الاعتداء على الأطفال، من الاستفادة من الظروف المخففة التي تتيح للقاضي تخفيض العقوبة أو استبدالها بعقوبة أخف.
الحكومة تدافع عن تشديد العقوبات
وعقب التصويت، اعتبر وزير العدل أن إقرار الإعدام لهذه الأفعال يمثل ردا قانونيا مناسبا لمواجهة الجرائم المشمولة بالتعديل.
وعزا بوجمعة تشديد العقوبات إلى ما وصفه ببلوغ جرائم إضرام الحرائق مستوى «الإجرام المنظم»، قائلا إن بعض التحقيقات أظهرت تعاون متهمين مع جهات أجنبية.
واعتبرت وزارة العدل، في عرض أسباب المشروع، أن استهداف المقومات البيئية والاقتصادية للبلاد عبر الحرائق المتعمدة، أحيانا بتحريض خارجي، يشكل صورة من صور الخيانة والمساس بحرمة التراب الوطني.
وذكّر الوزير بأن عقوبة الإعدام ليست جديدة على التشريع الجزائري، إذ ينص عليها قانون العقوبات الصادر عام 1966 في جرائم بينها إشعال الحرائق التي تؤدي إلى الوفاة، فضلا عن حالات من اختطاف الأطفال تقترن بالعنف أو طلب فدية أو تنتهي بوفاة الضحية.
وبذلك، يوسّع المشروع نطاق تطبيق العقوبة على جرائم إضافية، بعدما كانت مقررة بالفعل في بعض الصور الأشد خطورة من الحرائق والخطف.
حرائق أغسطس وراء التعديل
وجاء المشروع تنفيذا لتوجيهات الرئيس عبد المجيد تبون ، الذي أمر وزير العدل، أواخر أغسطس/آب الماضي، بتعديل قانون العقوبات لفرض الإعدام على المتورطين في إشعال حرائق الغابات عمدا، مع الدعوة إلى تنفيذ الأحكام بعد استنفاد سبل الطعن.
وأعقبت هذه التوجيهات موجة حرائق اجتاحت ولايات في شمال شرقي الجزائر خلال الفترة بين 27 و30 أغسطس/آب، وأدت إلى خسائر بشرية ومادية، خصوصا في ولاية جيجل.
وأعلن وزير الداخلية، سعيد سعيود، آنذاك، وفاة 12 شخصا جراء الحرائق، وفق الحصيلة الرسمية، بينما نقلت تقارير صحفية عن شهود تقديرات أعلى تحدثت عن عشرات الضحايا.
ولا تزال المناطق المتضررة تستقبل مساعدات وقوافل إغاثة، في ظل الأضرار التي لحقت بالمنازل والممتلكات والأراضي الزراعية.
ضمانات قضائية ومنع الظروف المخففة
وفي مواجهة المخاوف المرتبطة بالعقوبة، أكد بوجمعة أن القانون الجزائري يوفر ضمانات في القضايا الجنائية، بينها وجوب حضور المحامي خلال مراحل التحقيق والمحاكمة، وإتاحة الطعن في القرارات القضائية.
وأوضح أن تنفيذ حكم الإعدام لا يتم إلا بعد رفض طلب العفو المقدم إلى رئيس الجمهورية، مشيرا إلى دور إجراءات الطعن والعفو في المسار الذي يسبق التنفيذ.
لكن المشروع يستبعد استفادة المدانين بالجرائم المعنية من الظروف المخففة، وهو ما يحدّ من إمكانية تخفيض العقوبة عند توافر أسباب يقدّرها القاضي.
العفو الدولية تحذر من استئناف الإعدامات
من جانبها، دعت منظمة العفو الدولية السلطات الجزائرية إلى التخلي عن خطط توسيع نطاق عقوبة الإعدام أو العودة إلى تنفيذها بعد أكثر من ثلاثة عقود من التوقف، ووصفت المشروع بأنه استجابة تراجعية.
وطالبت المنظمة بإقرار وقف رسمي لتنفيذ أحكام الإعدام، بوصفه خطوة أولى نحو إلغاء العقوبة بالكامل.
وتواصل المحاكم الجزائرية إصدار أحكام بالإعدام، خصوصا في قضايا الإرهاب والقتل العمد، لكن السلطات لم تنفذ هذه الأحكام منذ عام 1993. ويكتسب التعديل أهمية إضافية في ضوء دعوة تبون إلى تنفيذ العقوبة على المتورطين في الحرائق المتعمدة بعد استكمال إجراءات الطعن.
حرائق متكررة وأحكام بالإعدام
وتشهد مناطق شمال الجزائر حرائق غابات متكررة خلال الصيف، فيما يسهم ارتفاع درجات الحرارة والجفاف المرتبطان بالتغير المناخي في زيادة مخاطر اندلاعها واتساع نطاقها.
وفي يوليو/تموز 2023، أودت حرائق اجتاحت منطقة بجاية ومحيطها بحياة أكثر من ثلاثين شخصا، وأتت على آلاف الهكتارات من الغابات والأراضي الزراعية، فضلا عن مئات المنازل.
كما ارتبط ملف الحرائق بقضية قتل ناشط يبلغ من العمر 38 عاما والتنكيل بجثته، بعدما اتهمه سكان خطأ بإشعال النيران في منطقة تيزي وزو. وأصدرت المحاكم الجزائرية عام 2023 أحكاما بالإعدام بحق أكثر من خمسين شخصا على خلفية القضية، بعضها غيابيا.
خطوات تشريعية قبل دخول القانون حيز التنفيذ
وبعد مصادقة المجلس الشعبي الوطني، ينتقل المشروع إلى مجلس الأمة، الغرفة الثانية للبرلمان، لمناقشته والتصويت عليه، قبل إصداره من رئيس الجمهورية ونشره في الجريدة الرسمية.
وعليه، لا تعني موافقة النواب وحدها دخول الأحكام الجديدة حيز التنفيذ أو استئناف تنفيذ الإعدامات، إذ يبقى ذلك مرتبطا باستكمال المسار التشريعي والإجراءات القضائية المقررة.