فاطمة المنصوري وحسابات الأغلبية.. تحديات تشكيل الحكومة المغربية
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
الرباط- أطلقت رئيسة الحكومة المغربية المكلفة، فاطمة الزهراء المنصوري، أمس الأربعاء، الجولة الأولى من المشاورات السياسية مع مختلف الأحزاب الوطنية لتشكيل الحكومة الجديدة.
واستقبلت المنصوري في اليوم الأول رؤساء وقيادات 5 أحزاب، في حين يُنتظر أن تستقبل اليوم الخميس 3 أحزاب أخرى.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 2 of 2 بقيادة فلسطينية وتقدم مغربي.. الأبطال العرب بالفنون القتالية المختلطة من البدايات للذهب end of list
واستهلت الرئيسة مشاوراتها بمقر حزب الأصالة والمعاصرة صباحا بالاجتماع مع رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار الذي حل ثانيا في الانتخابات التشريعية، تلاه لقاء مع الأمين العام ل حزب الاستقلال نزار بركة الذي جاء في المرتبة الثالثة. كما استقبلت الأمناء العامين لأحزاب الحركة الشعبية و الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ثم التقدم والاشتراكية.
مشاورات أولية
يأتي ذلك عقب استقبال الملك محمد السادس للمنصوري منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، وتعيينها رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيلها وفقا لأحكام الفصل 47 من الدستور، بعد تصدر حزبها نتائج الانتخابات التي جرت يوم 23 سبتمبر/أيلول الماضي، وحصوله على 97 مقعدا في مجلس النواب.
وينص الفصل على تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر، وجرى تعيين الأمين العام للحزب في هذا المنصب منذ اعتماد دستور 2011.
وفور تكليفها، عقد المكتب السياسي للأصالة والمعاصرة اجتماعا، أعلن فيه، عبر بيان رسمي، عن تفعيل خيار "يد الحوار الممدودة لكل الأطياف السياسية".
وشكلت المنصوري لجنة مصغرة من قيادات حزبها تضم فوزي لقجع وزير الميزانية في الحكومة المنتهية ولايتها، وعبد اللطيف وهبي وزير العدل، والوزير السابق محمد أخشيشن، ليشاركوا معها في إدارة مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة.
وعقب المحادثات الأولية معها، قال رئيس التجمع الوطني للأحرار محمد شوكي -في تصريحات إعلامية- إن حزبه سيساهم في المرحلة المقبلة مستحضرا "المصلحة العليا للوطن".
من جانبه، قال الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة إن حزبه سيعود الى مجلسه الوطني المزمع عقده السبت المقبل لحسم قرار المشاركة في الحكومة، موضحا أنه كيفما كان القرار فإنهم سيدعمون هذه التجربة الحكومية "لأن البلاد في هذه المرحلة بحاجة إلى تعبئة شاملة لتجاوز منطق المنافسة الانتخابية والانتقال إلى منطق تقوية الجبهة الداخلية لمواجهة التحديات الجيوإسترتيجية والاقتصادية والاجتماعية".
مصدر الصورة
محددات معقدة
أما الأمين العام لحزب الحركة الشعبية محمد أوزين، فصرح بأنه استمع إلى تصور ومنظور رئيسة الحكومة لعدد من القضايا الراهنة وعلى رأسها موضوع الشباب وتحديات اقتصادية وتنموية وسياسية، وأضاف "وصلنا لقناعة مفادها أن الأمر يتعلق بإحداث قطيعة إيجابية مع المرحلة السابقة".
وقال الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية نبيل بنعبد الله إن حزبه لم يحسم بعد موقعه النهائي لا سيما أن الصورة لم تتضح بعد بشأن مكونات التحالف، وتابع أن هيئات حزبه ستواصل النقاش وستعمل على إنضاج الموقف المناسب في ضوء الجولات المقبلة من المشاورات.
ويُنتظر أن تواصل المنصوري المشاورات اليوم الخميس مع قيادات أحزاب العدالة والتنمية و الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية وباقي الأحزاب التي حصلت على مقاعد في الانتخابات التشريعية.
ويرى محمد العمراني بوخبزة أستاذ القانون الدستوري بجامعة عبد المالك السعدي بطنجة أن مسار المشاورات يتطلب استحضار محددات "معقدة" ومستويات متعددة لتفكيك شفرات التحالف المرتقب، أولها ضرورة الأخذ بعين الاعتبار التوجيهات الملكية التي تؤطر عادة مرحلة التكليف، وثانيها واقع الخريطة الانتخابية التي أسفرت حزبا متصدرا لم يحصل على الأغلبية المطلقة مما يجعله مدعوا إلى البحث عن حلفاء لبناء هذه الأغلبية.
وأوضح للجزيرة نت أن طبيعة المشهد السياسي تتأثر بالنظام الحزبي التعددي في المغرب، وما يميزه من تباين في المرجعيات والنشأة بين الأحزاب التاريخية الديمقراطية والأحزاب الإدارية.
مصدر الصورة
أهمية خاصة
وبحسب أمين السعيد أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة محمد بن عبد الله في فاس، فإن هذه الجولة من المحادثات تكتسي أهمية خاصة باعتبارها مرحلة لاستكشاف مواقف مختلف الأحزاب، ورصد طبيعة التحالفات الممكنة قبل الانتقال إلى التفاوض حول الأغلبية الحكومية.
ويقول السعيد للجزيرة نت إن المنصوري تبدو في "وضع مريح"، بالنظر إلى تعدد الخيارات المتاحة أمامها، بعدما أبقت الأحزاب السياسية، باستثناء حزبي العدالة والتنمية (54 مقعدا) وتحالف اليسار (8 مقاعد) اللذين اختارا موقع المعارضة، الباب مفتوحا أمام المشاركة.
وتمنح الخريطة البرلمانية الحالية -وفقا له- رئيسة الحكومة المكلفة هامشا واسعا للمناورة السياسية، لافتا إلى أن القوة التفاوضية لكل حزب ترتبط بحجمه البرلماني وبموقعه داخل التركيبات المحتملة.
ويضع السعيد سيناريوهات يرى أنها ممكنة لتشكيل الائتلاف الحكومي:
* الأول: اعتماد نظرية الائتلاف الأدنى الفائز، عبر تشكيل تحالف يضم حزب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، بمجموع 228 مقعدا أي التحالف القديم، وهي أغلبية مريحة تسمح بتشكيل حكومة ذات قاعدة برلمانية قوية، مع عدد محدود من الشركاء.
* الثاني: اعتماد نظرية الائتلاف المتصل، التي تعطي أهمية أكبر للتقارب في التصورات والمرجعيات السياسية، من خلال صيغة تجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، مع إمكانية انضمام التجمع الوطني للأحرار.
* الثالث: بناء صيغة سياسية تضم حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، باعتبارها تركيبة ذات دلالة سياسية، بالنظر إلى حضور مكونات من الكتلة الديمقراطية داخلها، وما يمكن أن يمنحه ذلك للتحالف من امتداد سياسي وبرنامجي، غير أن مجموع مقاعد هذه الصيغة يصل إلى 188، بما يستدعي إضافة شريك آخر لاستكمال الأغلبية، ويمكن أن يكون التجمع الوطني للأحرار أو الحركة الشعبية.
مصدر الصورة
إشكال سياسي
من جانبه، يرى الأستاذ بوخبزة أن موقع حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي كان يقود الائتلاف السابق وحل في الرتبة الثانية في الانتخابات، سيبقى محل تساؤل، وألمح إلى أن اختياره التموقع في المعارضة خيار مستبعد نظرا لطبيعته ونخبه التي قال إنها "مرتبطة بعالم الأعمال ولا تمتلك ثقافة المعارضة".
بيد أنه اعتبر أن انضمام "الأحرار" إلى الحكومة يطرح إشكالا سياسيا يتعلق بتراجع نتائجه التي عدها مراقبون عقابا على فترة قيادته للحكومة السابقة، وهو معطى قد يدفع المنصوري -برأيه- إلى خيار توسيع الائتلاف الحكومي لتعويض مقاعد الأحرار عبر إدماج أحزاب أخرى وفي مقدمتها الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية.
ويُرتقب، عقب استكمال المفاوضات وتشكيل الائتلاف الحكومي، الانتقال إلى مرحلة هيكلة القطاعات وتوزيع الحقائب الوزارية بين مكونات هذا الائتلاف، تمهيدا لتقديم البرنامج الحكومي أمام مجلس النواب لنيل ثقة البرلمان وتنصيب الحكومة رسميا لمباشرة مهامها.
ويوضح بوخبزة أن المشاورات الجارية لا تقتصر على تشكيل الحكومة فحسب، بل تمتد لتتضمن الهندسة التشريعية داخل مجلس النواب بما فيها رئاسته وتشكيل المكتب وتوزيع المسؤوليات داخل هياكله.
وأشار إلى أن التوافق على هيكلة الحكومة والحقائب الوزارية يقترن بجهد آخر يتعلق بصياغة البرنامج الحكومي المفترض عرضه على البرلمان، إذ يقتضي الأمر -وفقا له- التوفيق بين البرامج الانتخابية للأحزاب المتحالفة للخروج بعرض حكومي موحد ومتقارب.
مصدر الصورة
اما أمين السعيد فيرى أنه في هذه المرحلة من المحادثات ستصبح العلاقة بين القوة العددية والحضور داخل الحكومة عاملا أساسيا في تحديد مواقف الأحزاب، خاصة بالنسبة إلى الحقائب الوزارية ذات الوزن السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ويخلص إلى أن نجاح المشاورات يرتبط بقدرتها على إنتاج أغلبية مستقرة وحكومة منسجمة، قادرة على ترجمة نتائج انتخابات 2026 إلى دينامية حكومية جديدة وإلى ممارسة سياسية تستجيب لتحديات المرحلة المقبلة.