محكمة إيطالية تقضي بسجن ثلاثة مسؤولين أمنيين مصريين 10 سنوات في قضية مقتل جوليو ريجيني
خيّم الصمت على عائلة ريجيني ومؤيديه داخل قاعة المحكمة عند النطق بالحكم، فيما ارتدى الحاضرون قمصاناً وشارات صفراء، وهو اللون الذي ارتبط بحملة المطالبة بتحقيق العدالة في القضية.
أدانت محكمة في العاصمة الإيطالية روما، الاثنين، ثلاثة مسؤولين أمنيين مصريين بتهمة التورط في اختطاف الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، الذي عُثر على جثته في مصر عام 2016 وعليها آثار تعذيب شديد، فيما برأت متهماً رابعاً من القضية.
وقضت المحكمة بسجن كل من الرائد مجدي إبراهيم عبد العال شريف، من جهاز المخابرات العامة، والعقيد حلمي، والعقيد آثر كمال، لمدة عشر سنوات لكل منهم.
وصدر الحكم غيابياً، في حين بُرئ اللواء طارق صابر، الرئيس السابق لجهاز الأمن الوطني، من الاتهامات الموجهة إليه.
وقال القاضي، لدى تلاوة الحكم، إن شريف وحلمي وكمال ضالعون في التدبير لـ"خطف مصحوب بإحداث إصابات جسدية خطيرة" بحق ريجيني.
وفي المقابل، أسقطت المحكمة عن شريف تهمة "التآمر لارتكاب جريمة قتل مشددة"، فيما برأت صابر من التهمة ذاتها المتعلقة باختطاف ريجيني.
وكان ممثلو الادعاء قد طالبوا بالسجن المؤبد لشريف، وبالسجن 17 عاماً وستة أشهر لكل من المتهمين الثلاثة الآخرين.
وقال فرانشيسكو لو فوي، كبير المدعين العامين في روما، للصحفيين عقب الحكم إن النيابة تمكنت من الوصول إلى هذه النتيجة رغم ما وصفه بأنه "تعاون لم يصل إلى المستوى المأمول من جانب السلطات المصرية".
اختفاء في القاهرة ونهاية مأساوية
وكان جوليو ريجيني، طالب الدراسات العليا في جامعة كامبريدج البريطانية، يجري أبحاثاً في القاهرة لإعداد أطروحة الدكتوراه حول النقابات العمالية المصرية، وهي قضية اعتبرتها السلطات المصرية حساسة.
واختفى ريجيني في العاصمة المصرية في 25 يناير/كانون الثاني 2016. وبعد نحو تسعة أيام، عُثر على جثته على مشارف القاهرة، وقد بدت عليها آثار تعذيب عنيف.
وأظهر فحص الطب الشرعي، بحسب ما نقلته محامية عائلة ريجيني، أن خمسة من أسنان الشاب كانت مكسورة وأن 15 من عظامه تعرضت للكسور، إضافة إلى حفر أحرف على جسده.
وقالت والدته في وقت لاحق إن التشوهات التي لحقت بابنها كانت شديدة إلى درجة أنها لم تتمكن من التعرف إليه سوى من "طرف أنفه".
محاكمة غيابية
حُوكم المسؤولون الأربعة غيابياً بموجب التشريعات الإيطالية التي تتيح مقاضاة أشخاص متهمين بارتكاب جرائم بحق مواطنين إيطاليين خارج البلاد.
وهذه هي المحاكمة الثانية في إيطاليا لمسؤولين أمنيين مصريين على خلفية مقتل ريجيني. وكانت المحاكمة الأولى، التي بدأت عام 2021، قد أُلغيت بعدما تعذر على الادعاء إبلاغ المتهمين بالإجراءات القضائية المتخذة بحقهم.
وأتاح حكم أصدرته المحكمة الدستورية الإيطالية في سبتمبر/أيلول 2023 استئناف الإجراءات والمضي في محاكمة المتهمين الأربعة: اللواء طارق صابر، والعقيدين آثر كمال وحلمي، والرائد مجدي إبراهيم عبد العال شريف.
وطالب محامو الدفاع بإسقاط القضية، بحجة أن الاتهامات وُجهت إلى المتهمين بصورة جماعية من دون تحديد الأفعال المنسوبة إلى كل واحد منهم على حدة، إلا أن المحكمة رفضت الطلب.
خلاف بين التحقيقين المصري والإيطالي
وكانت النيابة العامة في إيطاليا ومصر قد أجرتا في بداية القضية تحقيقات مشتركة، قبل أن تتباين استنتاجات الجانبين بصورة حادة.
وخلص الجانب المصري إلى أن ريجيني قُتل على يد عصابة إجرامية، مشيراً إلى أن الشرطة قتلت أفراد العصابة لاحقاً في تبادل لإطلاق النار.
في المقابل، قال ممثلو الادعاء الإيطاليون إن مسؤولين أمنيين مصريين اختطفوا ريجيني وعذبوه بسبب أبحاثه الأكاديمية المتعلقة بالنقابات العمالية، وهي من الموضوعات الحساسة في مصر.
ويعتقد المحققون، وفق ما ورد في القضية، أن ريجيني ربما اختُطف وقُتل بعدما اشتُبه خطأً في أنه جاسوس أجنبي.
القاهرة تنفي مسؤوليتها
من جهتها، نفت مصر أي تورط للدولة في مقتل ريجيني، كما لم يرد المتهمون علناً على الاتهامات الموجهة إليهم.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2020، كان النائب العام المصري قد برّأ المتهمين الأربعة من المسؤولية عن مقتل ريجيني وأغلق القضية.
وبعد أشهر من إلغاء المحاكمة الإيطالية الأولى عام 2021، قالت لجنة برلمانية إيطالية إن جهاز الأمن المصري مسؤول عن مقتل الباحث الإيطالي. واتهمت اللجنة أيضاً القضاء المصري بالتصرف بطريقة "معرقلة وعدائية بشكل معلن"، مشيرة إلى امتناعه عن الكشف عن أماكن وجود المتهمين.
عائلة ريجيني: الحقيقة والعدالة
وخيّم الصمت على عائلة ريجيني ومؤيديه داخل قاعة المحكمة عند النطق بالحكم ، فيما ارتدى الحاضرون قمصاناً وشارات صفراء، وهو اللون الذي ارتبط بحملة المطالبة بتحقيق العدالة في القضية.
وقالت أليساندرا باليريني، محامية عائلة ريجيني، للصحفيين عقب صدور الحكم إن "الحقيقة والعدالة لا تقبلان المساومة".
وأضافت أن على الحكومة الإيطالية أن تأخذ الحكم في الاعتبار، وأن "تقطع علاقاتها مع بلد لا يمكن اعتباره آمناً، ويعذب ويقتل حتى مواطني الدول التي يُفترض أنها صديقة له".
ومن غير المرجح أن يؤدي الحكم، في ظل غياب المتهمين، إلى تسليمهم إلى السلطات الإيطالية، إلا أن الإدانات قد تعيد التوتر إلى العلاقات الدبلوماسية بين إيطاليا ومصر.
وتعتبر إيطاليا مصر شريكاً مهماً في الشرق الأوسط، لكن العلاقات الثنائية شهدت توتراً على خلفية قضية ريجيني.
وقد تطالب إيطاليا مصر بدفع مليوني يورو، أي نحو 2.3 مليون دولار، كتعويضات طلبتها الحكومة الإيطالية، نظراً إلى أن المدانين موظفون عموميون.