في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
حين انسحبت عشرات الوفود من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة مع بدء كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 24 سبتمبر/أيلول، بدا المشهد كأنه حكم سياسي سريع على الخطاب قبل أن يبدأ.
لكن الأهم من مشهد القاعة هو ما يحدث خارجها. فالحرب على غزة والعنف في الضفة الغربية وخطاب نتنياهو المتشدد لا تضع حكومته تحت ضغط دبلوماسي فقط، بل تترك أثرا في صورة إسرائيل لدى الرأي العام الغربي. وهذا ما يجعل الدفاع عنها أصعب، خاصة أمام جيل شاب يرى الحرب عبر الشاشات والمنصات كل يوم.
هذه النتيجة وصلت إليها صحيفة هآرتس الإسرائيلية، التي عنونت افتتاحيتها أمس الجمعة "نتنياهو أوصل مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة إلى مستوى متدن غير مسبوق".
ورأت الافتتاحية أن سياسات نتنياهو وحكومته أضرت بمكانة إسرائيل لدى الأمريكيين، وأن التراجع لم يعد محصورا بين الديمقراطيين، بل بات يشمل جمهوريين أيضا. وربطت الصحيفة هذا التحول بحرب إيران، وارتفاع أسعار الوقود، وعنف المستوطنين، والأضرار التي لحقت بالمجتمعات المسيحية في غزة والضفة الغربية.
والأهم في تحذير هآرتس -الذي عرضته جولة الصحافة على شاشة الجزيرة- أنه ركز على الشباب الأمريكي، إذ رأت أن تراجع التأييد بين الأجيال الأصغر قد ينعكس مستقبلا على العلاقة مع أمريكا وعلى أمن إسرائيل نفسه.
في أوروبا، لا تحتاج أزمة الصورة إلى استنتاجات انطباعية فقط. فقد أظهر استطلاع ل مركز بيو للأبحاث شمل 36 دولة وأُجري بين فبراير/شباط ومايو/أيار 2026 أن النظرة السلبية إلى إسرائيل سائدة في كل الدول الأوروبية التي شملها المسح.
وسجلت الدراسة نسبا مرتفعة للنظرة السلبية إلى إسرائيل: 78% في السويد وإسبانيا، و76% في هولندا، و75% في إيطاليا، و73% في ألمانيا، و69% في بريطانيا، و68% في فرنسا. كما قال نصف المستطلعين أو أكثر في إيطاليا وهولندا وإسبانيا إن نظرتهم إلى إسرائيل سلبية جدا.
وتقيس بيانات بيو مؤشرين منفصلين: نظرة المستطلعين إلى إسرائيل، وثقتهم بنتنياهو في إدارة الشؤون العالمية. لذلك لا تثبت البيانات وحدها أن الموقف من إسرائيل ناتج من الموقف من نتنياهو، فالصورة السلبية لإسرائيل لا تُختزل في رئيس حكومتها وحده، كما أن تراجع الثقة بنتنياهو لا يفسر وحده تحول المواقف من إسرائيل، لكن اجتماع المؤشرين في وقت واحد يكشف أن المشكلة لم تعد محصورة في خلاف عابر مع حكومة بعينها.
وتقدم دراسة بيو مؤشرا مهما، لكنه يحتاج إلى صياغة دقيقة: في عدد من الدول، معظمها في أوروبا وأمريكا الشمالية، كانت الفئات الأصغر سنا أكثر سلبية تجاه إسرائيل من الفئات الأكبر. وفي المجر مثلا، قال 72% ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما إن نظرتهم إلى إسرائيل سلبية، مقابل 45% ممن تبلغ أعمارهم 50 عاما فأكثر.
وتزداد دلالة ذلك مع الفارق الأيديولوجي الذي رصده المركز، ففي إسبانيا والسويد وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وهولندا وألمانيا، كانت النظرة السلبية إلى إسرائيل أعلى بوضوح بين من يصنفون أنفسهم في اليسار مقارنة باليمين.
ليس انسحاب الوفود من خطاب نتنياهو استفتاء عالميا، ولا دليلا على أن إسرائيل فقدت حلفاءها، لكنه يصلح بوصفه صورة مكثفة لمفارقة أوسع: تمتلك إسرائيل تحالفات رسمية وقدرات عسكرية كبيرة، لكنها تواجه في الوقت نفسه تراجعا في قدرتها على إقناع جمهور غربي واسع بأن سياسات حكومتها يمكن الدفاع عنها أخلاقيا وسياسيا.
وهذا هو الفارق بين العزلة الدبلوماسية والعزلة في المجال العام. الأولى قد تتبدل بقرار أو صفقة أو تغيير في الحكومة، أما الثانية فتتراكم ببطء عبر صور الحرب وخطاب القادة والاحتجاجات والجامعات والصحافة والمنصات الرقمية.
ربما لا يكون السؤال اليوم: هل يستطيع نتنياهو الحفاظ على علاقات إسرائيل الرسمية مع الغرب؟ فهذه العلاقات أكبر من شخصه ومن حكومته. السؤال هو: ما الذي يحدث حين يصبح اسم نتنياهو نفسه اختصارا لمشكلة صورة إسرائيل؟
تحذير هآرتس في أمريكا، وبيانات بيو في أوروبا، وقراءات الصحف الغربية للمشهد الأممي، لا تقدم إجابة نهائية. لكنها تشير إلى أن إسرائيل تواجه معركة لا تُحسم في قاعات الأمم المتحدة فقط: معركة على القبول، وعلى الرواية، وعلى جيل غربي يبدو أقل استعدادا لفصل صورة إسرائيل عن سياسات حكومتها.
ماذا قالت الصحف؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة