في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
طفلة في الثانية عشرة تتصل بأمها من بيت في غزة، تسألها متى تعود، فقد وصل أبوها. في تل أبيب، على بعد نحو 70 كيلومترا، يلتقط حاسوب مدعوم بالذكاء الاصطناعي عبارة الطفلة المتلهفة، لكنّ الأب على قوائم الاغتيال الإسرائيلية، وعودته إلى البيت هي ما كانت الخوارزمية تنتظره. يصدر الحاسوب تنبيها للضابط المناوب، ويوقّع الضابط على الغارة، يُقتل الأب في الحال، تُقتل ابنته، ويُقتل كل من في البيت وعشرات الأبرياء في البيوت المجاورة.
هكذا لخّص الناقد الإسرائيلي أمير بوغن، شهادة يرويها جندي في جيش الاحتلال في الفيلم الوثائقي "نازا "، لم ير الجندي الطفلة قط، ولا يعرف اسمها، قتلها بعد أن سمعها فقط، ومن غير أن يراجع الذكاء الاصطناعي. لهذا الإجراء اسم متداول بين الجنود، "أين أبي؟ "، وأمام الكاميرا يشرح أحد الجنود هذا الإجراء بنبرة من يصف عملا مكتبيا: تخترق هاتف البنت، ثم تقتلها.
وبينما كانت إسرائيل تقتل كل صوت فلسطيني يروي الحقيقة، صور صناع الفيلم الشهادات كلها ليلا، على أسطح بنايات في تل أبيب، على مدى 3 سنوات من الإبادة في سرية تامة؛ 24 جنديا وضابط استخبارات، وجوههم معتمة وأصواتهم معدّلة، يجلسون قبالة المخرج يوفال أبراهام ويرسمون له على دفتر كيف تعمل المنظومة، خلفهم أبراج الزجاج الجديدة، وعلى مقربة منهم مقر قيادة الجيش في " الكرياه". بين شهادة وأخرى تنظر كاميرا رايتشل شور، شريكته في الإخراج، إلى نوافذ الشقق المضاءة، ترى إسرائيليين يتابعون نشرات الأخبار، وآخرين يمارسون اليوغا، وبين حين وآخر يركض أحدهم إلى الغرفة المحصنة.
لأول وهلة قد يبدو عنوان الفيلم التفافا على كلمة "نازي" أو كلمة "غزة" بالإنجليزية، لكنّ الكلمة اختصار عبري لعبارة "نيزِك أغَفي"، أي الضرر الجانبي؛ والمقصود به عدد المدنيين المتوقع قتلهم في الغارة. يقول أحد الشهود إن الرقم المسموح به بلغ في إحدى المرات 500 إنسان مقابل هدف واحد. وروى أبراهام لصحيفة غارديان البريطانية كيف أن ضباط الاستخبارات يعرفون أكثر من سواهم؛ يتنصتون على الهواتف، ويعلمون أن البيت الذي يقصفونه مليء بالأطفال، ويسمعون بكاء الرضّع، ثم يأمرون بقصفه مرة ثانية.
لا يظهر في الدقائق الثمانين فلسطيني واحد يتكلم. فالفيلم يخلو من أي شهادة لضحية، ولا تحضر فيه غزة إلا على ألسنة قاتليها، حتى الدقائق الأخيرة. عندها فقط تظهر لقطات صوّرها أهل القطاع بهواتفهم بعد أن قتلت إسرائيل من يحملون الكاميرات.
في هذه القصة خيطان، الأول تحسمه البيانات التي نقدمها: الحكومة الإسرائيلية روّجت للفيلم أكثر مما روّج له مهرجان البندقية ودقائق التصفيق الطويلة، والثاني سؤال شديد المرارة: الحقيقة نفسها قالها أهل غزة وصحفيوها القتلى من اليوم الأول للإبادة، فلماذا لم يسمعها العالم إلا حين جاءت بصوت من شاركوا في القتل؟
عصر الخميس 10 سبتمبر/أيلول هطل المطر فجأة على جزيرة الليدو في مدينة البندقية، احتمى الصحفي الإسرائيلي مِرون رابوبورت من المطر، فالتقى زميلا إيطاليا يعرفه، يساريا صريحا، كان قد شاهد فيلم نازا صباح ذلك اليوم في عرض الصحافة مع بضع مئات من الصحفيين، قال له الإيطالي إن الفيلم جيد، وإن التصفيق كان قليلا، صحفيو إيطاليا، كما هو الحال في كل العالم، يعرفون سلفا أن الجيش الإسرائيلي دمّر غزة، وأباد آلاف العائلات، وجوّع أهلها، فلا جديد عندهم في أن يسمعوا ذلك من الداخل. ثم إن غزة نزلت عن جدول الأعمال.
روى رابوبورت هذا اللقاء في موقع عبري في اليوم التالي، وأفصح لقرائه عن أن اسمه مدرج بين مستشاري الفيلم وأن المخرجَين صديقاه. كتب الرجل أن المؤتمر الصحفي قبل العرض بساعتين كان هادئا إلى حد خيّب أمله: أسئلة وأجوبة رتيبة، ولم يجد أثرا لما شعر به هو حين شاهد النسخة الأولى قبل شهور.
في المساء تبيّن أن الصحفيين الذين يعرفون الحقيقة لم يكونوا الشريحة المستهدفة، جلست قاعة "سالا غراندي" الممتلئة عن آخرها 80 دقيقة في صمت تام، ورأى رابوبورت هنا وهناك من يبكي في صمت، حين أُضيئت الأنوار وقف الحاضرون وصفقوا، وظلوا يصفقون، بدا أبراهام وشور محرجين، وبدوا شاحبين واجمين، رفع الحضور بين الصفوف أعلاما فلسطينية وعلما لبنانيا أو اثنين، تحرك حراس الأمن كأنهم سيجبرون أصحابها على طيّها، ثم عدلوا، ربما بعد أن أدركوا أي صف سيكونون قد اختاروا إذا فعلوا ذلك.
استمر التصفيق 25 دقيقة وهو الأطول في تاريخ المهرجان الذي بلغ دورته الـ83، يقول رابوبورت إن المنظمين طلبوا من الناس في النهاية أن يغادروا، ولولا ذلك لربما استمر، معظم من في القاعة لم يكونوا إسرائيليين، والأرجح أنهم لم يزوروا الأراضي المحتلة يوما، يقول الصحفي الإسرائيلي إن شعورا ساد في القاعة بأن من لا يصفق سيكون مؤيدا للإبادة.
بين المصفقين جلست المخرجة التونسية كوثر بن هنية، عضو لجنة التحكيم هذا العام. في العام الماضي عُرض فيلمها "صوت هند رجب "، في القاعة نفسها وحصل على دقائق من التصفيق أيضا. بُني فيلم بن هنية على التسجيل الحقيقي لاستغاثة الطفلة التي قتلها الإسرائيليون وهي لم تتجاوز السادسة، حين حوصرت في سيارة عائلتها في مدينة غزة في يناير/كانون الثاني 2024. وقفت القاعة العام الماضي لصوت الضحية، ووقفت هذا العام وقتا أطول لقاتليها. تتقدم رواية الإسرائيليين عن الإبادة على رواية أهلها وفي كل الأحوال لا يملك "المشاهدون" سوى التصفيق.
تتبّعت وحدة صحافة البيانات في الجزيرة نت أثر الفيلم عن طريق مصدرين، الأول مؤشر البحث في غوغل، والثاني عدد مشاهدات مقالة الفيلم على ويكيبيديا بثماني عشرة لغة، بحثنا عمن يكتب اسم الفيلم في محرك البحث، أو يفتح مقالته في الموسوعة، وهذا فعل إرادي لا يرتبط بالتفاعل الذي تصنع الخوارزميات جزءا كبيرا منه، وهو ما تجنبنا رصده.
قبل مهرجان البندقية كان "نازا" في الظل. على مدى 15 يوما متصلة، من 26 أغسطس/آب إلى 9 سبتمبر/أيلول، لم يتجاوز مؤشر البحث العالمي عن الفيلم نقطة واحدة من مئة. هذا الصمت هو ما جعل القفزة اللاحقة قابلة للقياس باعتبارها رد فعل.
مع العرض الأول صعد المؤشر، وبلغ 64 نقطة في 11 سبتمبر/أيلول، صباح ما بعد التصفيق. ثم تراجع قليلا، حتى مع إعلان الجائزة. أما الذروة المطلقة (100 نقطة) فقد جاءت في 14 سبتمبر/أيلول، اليوم الذي صدرت فيه 6 مواقف رسمية إسرائيلية متلاحقة ضد صنّاع الفيلم؛ لا ليلة التصفيق ولا يوم التتويج.
صُنعت الضجة إذن على موجتين: الأولى حركها المهرجان، والثانية حركها التهديد الإسرائيلي. وكلا المصدرين (غوغل وويكيبيديا) يظهران ذروة مشاهدات المقالة الإنجليزية على ويكيبيديا في موجة التهديد (40 ألفا و310 مشاهدات في 14 سبتمبر/أيلول) تعادل 1.49 مرة ذروتها في موجة التصفيق (26 ألفا و999 في 11 سبتمبر/أيلول)؛ والنسبة في مؤشر غوغل 1.56 (100 مقابل 64).
وفي أيام المهرجان الثلاثة (10 إلى 12 سبتمبر/أيلول) فُتحت مقالة الفيلم بكل لغاتها نحو 72 ألف مرة، بمعدل 24 ألفا يوميا. وفي أيام التهديد الأربعة التي تلتها فُتحت أكثر من 270 ألف مرة، بمعدل 68 ألفا يوميا — أي قرابة 3 أضعاف.
النتيجة الأوضح تخص الإسرائيليين أنفسهم. في 9 سبتمبر/أيلول، قبل العرض بيوم، فُتحت المقالة العبرية عن الفيلم 3 مرات. يوم العرض: 569 مرة. وفي اليوم التالي، حين بلغت موجة التصفيق ذروتها في العالم، بالكاد التفت الإسرائيليون: 1611 مشاهدة بالعبرية، مقابل 26 ألفا و999 بالإنجليزية في اليوم ذاته.
ثم بدأ المنحنى يصعد، يوم إعلان الجائزة، 12 سبتمبر/أيلول، بلغت المشاهدات العبرية 4174. وحين هدد وزير الثقافة الإسرائيلي صُناع الفيلم، قفزت في 13 سبتمبر/أيلول إلى 12 ألفا و516 وبلغت 33 ألفا و224 في 14 سبتمبر/أيلول، يوم بيانات الجيش ورئيس الأركان.
تضاعف اهتمام الجمهور العبري 20 ضعفا في 3 أيام. في ذلك اليوم اقتربت العبرية، وهي لغة نحو 10 ملايين إنسان، من الإنجليزية نفسها: 82 مشاهدة عبرية مقابل كل مئة إنجليزية، بعد أن كانت 6 مقابل كل مئة قبل 3 أيام. أي أن الحدث الفني ضاعف الاهتمام العبري نحو مرتين ونصف، بينما ضاعفه التهديد الرسمي 8 أضعاف.
وعلى امتداد الفترة كلها، جاءت مشاهدة من كل أربع تقريبا بالعبرية: نحو 83 ألفا من أصل 347 ألف مشاهدة بـ18 لغة.
الأرقام تقول إن التهديد هو ما أوصل الفيلم إلى الناس، لكنْ قبلها سؤال آخر: هل كان ما في الفيلم جديدا أصلا؟
عندما وقف يوفال أبراهام على المنصة ليتسلم الجائزة، ذكر الفلسطينيين. قال إن إسرائيل قتلت منذ بدء المهرجان 6 أطفال على الأقل في غزة منهم طفلة في الثالثة في مدرسة قصفتها إسرائيل، وأخرى في السابعة مع أبيها عندما قتلته إسرائيل في السيارة، وشقيقتان نائمتان في بيتهما. ثم قال إن هذه الحقيقة وُثّقت من اليوم الأول بفضل الصحفيين الفلسطينيين، وإن إسرائيل قتلت أكثر من 200 منهم، وإن أصواتهم "أُخرست وكُذّبت".
كرر أبراهام الأمر في كل مقابلة أجراها تقريبا، بالقول إن "العائلة الممتدة " باعتبارها وحدة الاستهداف الأساسية للجيش الإسرائيلي -لا المقاومين أو قادتهم- أمر كان ينبغي أن يعرفه الناس مبكرا لو أنهم أصغوا إلى فلسطينيي غزة الذين أعملت حكومته فيهم آلة الإبادة.
أخبر أبراهام مجلة هوليود ريبورتر (The Hollywood Reporter) أيضا أن المرء لا يحتاج أن يكون عبقريا ليفهم أنه حين يصل الأطفال إلى المستشفيات بإصابات قناصة ويوثق الفلسطينيون ذلك، أن الجنود يتعمدون إطلاق النار عليهم؛ وأن مجازر مواقع توزيع الغذاء بين مايو/أيار وأكتوبر/تشرين الأول 2025 وثّقها الفلسطينيون واحدة واحدة، ولم يكن أحد بحاجة إلى انتظار جنود فيلمه ليصدقها.
فعل الإسرائيليون ذلك مرارا، الصحفي الشهيد حسن إصليح استهدفته إسرائيل في خيمة الصحفيين فأصيب، وقضى شهرا يُعالَج في مستشفى ناصر بخان يونس، وذكر مرارا أن إسرائيل ستعود لتقتله ثم ستقول إنه إرهابي. بعدها قصف جيش الاحتلال وحدة الحروق في المستشفى ليقتله ويصدر بيانا يصفه فيه بأنه إرهابي.
كشف المخرج أبراهام نفسه في تحقيق نشره في أغسطس/آب 2025 أن الجيش الإسرائيلي أنشأ وحدة أثناء حرب الإبادة سماها "خلية الشرعنة" كان من مهامها الرئيسية العثور على صحفيين في غزة ذوي روابط اجتماعية أو عائلية بأفراد في المقاومة، لتقتلهم إسرائيل ثم تصورهم باعتبارهم أعضاء في حماس لتخفيف الغضب العالمي من استهداف المراسلين والصحفيين.
شرح له أحد المصادر المنطق الإسرائيلي بالقول إنه كلما تحدث الإعلام العالمي عن قتل إسرائيل صحفيين أبرياء، اندفعت تلك الوحدة إلى البحث عن صحفي واحد قد يكون التقى أحد قيادات غزة في السابق لوصمه بالانتماء لحماس، وكأن ذلك يبيح قتل العشرين الآخرين. كتب أبراهام يومها أن الخلية أنفقت أياما كاملة في البحث، ولم تجد شيئا.
ذكر فيلم "نازا" أيضا أن الجيش أسس وحدة أسماها "وحدة رئيس الحكومة" بحسب ما نقل الصحفيون الذين شاهدوا الفيلم. قال أحد الجنود العاملين فيها أمام الكاميرا إن الوحدة تجسست على ضحايا جرائم الحرب في غزة الذين استطاعوا الفرار بحياتهم إلى المحاكم الدولية أو إلى المؤسسات الداعية لوقف إطلاق النار، لاغتيالهم معنويا عبر تشويه صورتهم والتشهير بهم إذ لم تستطع قتلهم قبل خروجهم من غزة.
لكنّ الإسرائيليين هاجموا الفيلم بادعاءات عن الموضوعية والمهنية. واجه رفيف دروكر، أشهر الصحفيين الاستقصائيين في التلفزيون الإسرائيلي، أبراهام على القناة 13 الإسرائيلية قائلا: "ما كنت لأبثّ هذا" متحججا بأنه لا أسماء للجنود ولا وحدات عسكرية يمكن التحقق منها ولا تواريخ لربطها بأحداث الحرب. رد أبراهام بأن محرري الغارديان اطلعوا على المادة الأصلية وتحققوا من هويات المتكلمين ومن الوقائع. لاحقا نشرت صحيفة هآرتس مقالا قالت فيه إن مهاجمة الفيلم باسم "الدقة الصحفية" تحتاج إلى "قدر غير قليل من العمى والوقاحة"، بينما يمنع الاحتلال الصحفيين من دخول غزة منذ 3 سنوات.
هذه ليست أول مرة ينتظر فيها العالم الغربي القاتل ليخبره بجريمته. فكما كتب الشاعر والمترجم الفلسطيني سامر أبو هواش، فرواية النكبة نفسها لم تدخل إلى القاموس الغربي إلا في أواخر الثمانينيات، بعدما فتح "المؤرخون الجدد" في إسرائيل الأرشيف الإسرائيلي بعد مرور أكثر من 3 عقود على جريمة التهجير الجماعي للفلسطينيين.
كل يوم في تلك الأيام يقابل نقطة على المنحنى. يوم الجمعة 11 سبتمبر/أيلول، صباح ما بعد العرض، وصف رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت الفيلم بأنه "فرية دم جبانة". يوم الأحد كتب وزير الثقافة ميكي زوهار أنه سيعمل فورا على سحب جنسية المخرجَين بتهمة خيانة الدولة، ثم طلب من وزارة الداخلية بحث الأمر.
يوم الاثنين جمع رئيس الأركان إيال زامير نائبه والمدعي العسكري العام إيتاي أوفير وقائد سلاح الجو وقائد الوحدة 8200. وصف الفيلم بأنه افتراء، وأمر ببحث خطوات قانونية ضد صنّاعه وفحص تسريب مواد سرية. أقر الجيش في بيانه بأنه لم يشاهد إلا المقدمة الدعائية ومقاطع، وطلب من المخرجَين عرضا كاملا. في الليلة نفسها عمّمت وزارة الخارجية على كل سفاراتها ورقة تقول إن الفيلم "يقلب الحقيقة رأسا على عقب"، وإنه عمل خيالي يغطي دعاية حماس، وإن من يقول بوقوع إبادة في غزة كاذب أو لا يفهم معنى الكلمة.
ودعا الأسير إيليا كوهين، الذي أفرجت عنه حركة حماس ضمن اتفاقات وقف إطلاق النار التي خرقتها إسرائيل، دعا إلى تعليق صور المخرجَين في الشوارع كي يخجلا حين يمشيان، وقال إن على الناس أن يبصقوا عليهما. ووقّع مئات من احتياط الوحدة 8200 عريضة تطالب قيادتها بالتحقق مما إذا كان بين المتكلمين في الفيلم أحد من رجالها.
لم يكن أحد من هؤلاء تقريبا قد شاهد الفيلم. وقفت مراسلة هيئة الإذاعة الكندية "سي بي سي" (CBC) في شوارع القدس تسأل المارة. قالت لها امرأة إن مكان المخرجَين السجن، وقالت أخرى إن كل ما في الفيلم كذب وإن الجنود لم يفعلوا شيئا. لم يشاهد الفيلم أحد ممن تحدثت إليهم.
يفسر الخبير في الشأن الإسرائيلي مهند مصطفى بأن الإسرائيليين لم يلتفتوا للفيلم إلا عند شعورهم بالتهديد، ويقول مصطفى في تصريح للجزيرة نت إن الجمهور الإسرائيلي لا يكترث بالجوائز بقدر ما يهمه مضمون الفيلم ومدى تطابقه مع السردية الإسرائيلية. ويرى أن الفيلم "لا يترك أي تأثير أخلاقي داخلي يدفع لمحاسبة النفس، لأن هذا المجتمع يعتبر الإبادة والتهجير عمليات أخلاقية". وما أزعج الإسرائيليين، في رأيه، هو اصطدام الفيلم بصورتهم عن أنفسهم: "الإسرائيليون يريدون التحريض على الإبادة، لكنهم في الوقت ذاته يرفضون أن يواجههم أحد بحقيقة ارتكابهم لها". وهذا ما يفسر اصطفافهم وراء الجيش فور بدء الحملة الرسمية.
كان هجوم الجيش وقائد أركانه أقوى ما روّج للفيلم. يقول مصطفى إن غضب المؤسسة العسكرية نبع من أن الفيلم كشف "عجزها وتواطؤها في عدم التحقيق في جرائم الحرب". ويقول إن الجيش "فتح 170 ملف تحقيق منذ بدء الحرب، أغلق أغلبها ولم يقدم لوائح اتهام سوى في ملفين فقط لهما بُعد دعائي ودولي".
ثم اصطدم الغضب بالقانون. يؤكد مصطفى أن مطلب وزير الثقافة بسحب الجنسية "ليس له أي مسوغ قانوني أو قضائي، وكان مجرد جزء من التحريض". ومطلب الجيش بكشف هويات الشهود اصطدم بـ"إجراءات وقوانين تحفظ حقوق المخرجين وتتعلق بحرية الصحافة وحماية المصادر"، فتعذرت ملاحقتهم قضائيا.
يخلص مصطفى إلى أن المؤسسة العسكرية اكتشفت متأخرة أن "موقفها المتسرع والهجومي هو الذي أسهم في شعبية الفيلم وكشفه أمام العالم". ويضيف: "لو اتخذ الجيش موقفا أكثر ذكاء بالقول إنه سيفحص الادعاءات، لأنقذ نفسه وقلل من أهمية الفيلم. لكنه يجد نفسه الآن يحاول معالجة الأضرار التي سبّبها بنفسه نتيجة هجومه في البداية".
انقسم الوسط الثقافي الإسرائيلي. أطلق سينمائيون عريضة تضامن يوم الاثنين، وقّعها أكثر من ألف في يومها الأول. بلغ عدد الموقعين 1642 في اليوم التالي بحسب وكالة "جي تي إيه "، و2064 حتى 20 سبتمبر/أيلول كما تعرضه المنصة المستضيفة للعريضة، من هدف معلن هو 5 آلاف. تقول العريضة إن حملة التحريض غير مسبوقة، وإن المسافة بينها وبين التهديد الجسدي لحياة المخرجَين تتقلص.
وفي مساء الأربعاء 16 سبتمبر/أيلول تجمع العشرات أمام بيت والدَي رايتشل شور في بلدة سافيون قرب تل أبيب، وتذكر الصحافة الإسرائيلية أن المتظاهرين طالبوا بإعدام "المخرجَين الخونة".
بعد 14 سبتمبر/أيلول لم يخفت الاهتمام العالمي بالفيلم بل انتشر إلى لغات أخرى. بلغت اللغات الغربية (الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والإسبانية) ذروتها في ذلك اليوم، ومعها العبرية. في اليوم التالي تسلّمت العربية والفارسية واليابانية الصدارة: 1480 مشاهدة للعربية، و1463 للفارسية. وفي 16 سبتمبر/أيلول واصلت الروسية الصعود منفردة. لم تكن للفيلم مقالة روسية أصلا قبل 14 سبتمبر/أيلول؛ وفي 3 أيام جمعت 4776 مشاهدة، منها 2141 في اليوم الثالث وحده، فتجاوزت مجموع ما جمعته المقالة العربية في 3 أسابيع (4197).
على خريطة غوغل للاهتمام النسبي تصدرت إيطاليا (100 نقطة)، تلتها إسرائيل (88)، ثم جاءت فلسطين (56) متقدمة على فرنسا (45) وسويسرا (42). سجلت الولايات المتحدة 9 نقاط فقط؛ ويفسَّر ذلك جزئيا بأن العرض الأول في أمريكا الشمالية لم يجر بعد، لكنه قد يُفسر أيضا بما ذكره الصحفي الإيطالي عن "نزول غزة عن جدول الأعمال" وانشغال الأمريكيين بتداعيات الحرب على إيران. عربيا بلغت تونس 45 نقطة، ولبنان 37، والمغرب 24، والجزائر 16، مقابل 15 للأردن و10 للإمارات و6 لمصر و3 للسعودية.
وعمّ كان الناس يبحثون؟ من بين أعلى 16 استعلاما مرتبطا بالفيلم، تسأل 6 منها عن مكان مشاهدته بـ3 لغات بالإنجليزية والإيطالية والفرنسية. كان السؤال الغالب هو "أين أشاهد نازا؟ " لا "ما هو نازا؟".
لقد خلق التهديد الإسرائيلي طلبا على الفيلم الذي لم يكن متاحا للجمهور، وجعله في حكم الممنوع الذي يسعى إليه الجميع رغم أنه يعيد ما يكرره الفلسطينيون منذ مساء 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. هذا الأسبوع بدأ عرض الفيلم في صالات هولندا وفرنسا وإسبانيا.
يوم الأربعاء 16 سبتمبر/أيلول عاد نتنياهو بتسجيل جديد، أعلن مشروعَي قانون: الأول يسحب الجنسية من كل من يشهّر بجنود الجيش، والثاني يضاعف تعويضات التشهير 20 مرة. قال رئيس الوزراء المتهم بارتكاب جرائم حرب إن "مكانهم ليس بيننا".
ويرى مراقبون أن ما ضاعف انتشار الفيلم عالميا في أيامه الأولى لم يكن مجرد "الغضب الرسمي"، بل عنصر المفاجأة، فقد نجح القمع في تسويق العمل بقوة حين صدم الجمهور بانتقاله المباغت من النفي إلى المحاكمة. لكنْ، بمجرد أن تحول التهديد إلى خطابة سياسية متكررة، فقد قدرته على التحريك الرقمي وصناعة الموجات.
في 16 سبتمبر/أيلول هبط مؤشر البحث العالمي عن الفيلم إلى 58 نقطة، ونزلت مشاهدات المقالة العبرية إلى 9549، أي أقل من ثلث ذروتها قبل يومين.
أما الدرس الأهم، فهو أن هزيمة الرقيب لم تقتصر على الأرقام، بل امتدت لتصبح إخفاقا سياسيا واجتماعيا بامتياز. كتب جدعون ليفي في "هآرتس" أن الفيلم، قبل أن يشاهده إسرائيلي واحد قدّم إسهاما هائلا في النقاش العام، وأن الهستيريا التي أثارها هي أفضل ما حدث للمجتمع الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر، لأن إسرائيل تجد نفسها مضطرة "للحديث أخيرا عن غزة بعد سنوات من القمع والإنكار والأكاذيب".
ويرى ليفي أن مجتمعا واثقا من عدالة قضيته لا يُستفز على هذا النحو بسبب وثائقي لم يُعرض عليه. وهذا ما تمناه رابوبورت ليلة العرض حين كتب أن الجائزة الكبرى ستكون أن يزحزح الفيلم شيئا في الحديث الإسرائيلي الداخلي عن جرائم الحرب في غزة.
يوم الأربعاء نفسه أقيم في نيويورك عرض الصحافة للفيلم، قبل افتتاحه الأمريكي في مهرجان نيويورك السينمائي. كتب إيتان نتشين في "هآرتس" أن المنظمين طلبوا من الحاضرين، منعا للتسريب، أن يسلّموا هواتفهم وحواسيبهم المحمولة عند الباب. لكنّ الرصاصة أطلقت بالفعل.
قِسنا الفضول وليس التفاعل. أي من بحث عن الفيلم بنفسه، وتجنّبنا رصد الإعجابات والمشاركات، لأن خوارزميات المنصات تدفع محتوى وتحجب آخر، فيختلط اختيار الناس باختيار المنصة.
اعتمدنا مصدرين مفتوحين بين 25 أغسطس/آب و16 سبتمبر/أيلول 2026، سُحبا في 17 سبتمبر/أيلول، الأول مؤشر غوغل للبحث، وهو نسب من 0 إلى 100 لا أعداد؛ ولهذا تتقدم فيه فلسطين على الولايات المتحدة، فالمقياس حصة من بحث البلد لا عدد الباحثين فيه.
والثاني مشاهدات مقالة الفيلم في ويكيبيديا بـ18 لغة، عبر أداة langviews مع استبعاد الروبوتات ومن دون احتساب صفحات التحويل، فالأرقام حد أدنى وليست حدا أقصى، ويمكن لأي قارئ إعادة سحبها بالإعدادات نفسها.
قبل العرض ظل مؤشر البحث عند صفر أو واحد، ولم تكن المقالة العبرية قد أُنشئت قبل 2 سبتمبر/أيلول، فكل ما تلا ذلك زيادة خالصة على صمت شبه تام.
وتقاطع المصدران عند النتيجة نفسها: بين 11 و14 سبتمبر/أيلول ارتفعت مشاهدات المقالة الإنجليزية 49%، وارتفع مؤشر البحث 56%.
لكنّ الجائزة أُعلنت مساء 12 سبتمبر/أيلول وجاء التحرك الرسمي بعدها، فذروة 14 سبتمبر/أيلول تحمل أثر الحدثين معا، والبيانات المرصودة ليس بإمكانها الفصل بين الحدثين أو أثرهما على معدلات البحث.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة