يحلّ " يوم الغفران " أو " يوم كيبور " في العاشر من شهر "تشري" العبري، ويُعدّ أقدس أيام السنة في الديانة اليهودية، إذ يخصّصه اليهود للصيام والصلاة ومراجعة النفس وطلب المغفرة، وسط مجموعة من الطقوس والمحظورات التي تمتد نحو 26 ساعة.
وهذا العام يبدأ إحياء المناسبة قبل غروب شمس اليوم الأحد 20 أيلول، وينتهي بعد حلول ليل الاثنين 21 منه، بعد أيام من حلول رأس السنة العبرية. فماذا نعرف عن هذا اليوم، وما أبرز جذوره وطقوسه الدينية؟
تعني تسمية "يوم كيبور" باللغة العبرية "يوم التكفير" أو " يوم الغفران ". ووفق المعتقد اليهودي، يُخصّص هذا اليوم للتوبة وطلب الصفح والتطهّر من الخطايا، لذلك يمضيه المتدينون في الصيام والصلوات والتأمل ومراجعة الأعمال التي ارتكبوها خلال العام.
ويأتي يوم الغفران في ختام فترة دينية تبدأ مع رأس السنة العبرية "روش هشناه"، الذي يحلّ في اليومين الأول والثاني من شهر "تشري"، وتُعرف الأيام الفاصلة بين المناسبتين باسم "أيام التوبة العشرة".
وخلال هذه الفترة، تُضاف نصوص خاصة إلى الصلوات، ويحرص المتدينون على زيادة أعمال الخير والالتزام بالوصايا الدينية، استعداداً ليوم الغفران.
ترتبط جذور المناسبة، بحسب الرواية الدينية اليهودية، بقصة عبادة بني إسرائيل للعجل الذهبي بعد خروجهم من مصر. وتفيد الرواية بأن النبي موسى صعد إلى جبل سيناء وصلّى طلباً للمغفرة لهم، وأمضى فترتين مدة كل منهما 40 يوماً على الجبل.
وتقول المعتقدات اليهودية إن موسى نزل من جبل سيناء في العاشر من شهر "تشري"، بعد قبول توبة بني إسرائيل، ليتحوّل هذا التاريخ منذ ذلك الحين إلى يوم سنوي للتكفير عن الخطايا وطلب الغفران.
بعد الخروج من مصر، أقام بنو إسرائيل، وفق النصوص الدينية، "المسكن"، وهو بناء متنقّل خُصّص للصلاة وتقديم القرابين. وكانت الطقوس المقامة فيه تبلغ ذروتها خلال يوم الغفران، عندما يتولى رئيس الكهنة أداء خدمة دينية خاصة.
وكانت هذه الخدمة تشمل تقديم البخور داخل "قدس الأقداس"، وهو أقدس مواضع المسكن، إضافة إلى إجراء قرعة على تيسين؛ يُقدَّم أحدهما قرباناً، فيما يُرسل الآخر إلى البرية ضمن طقس ارتبط بتسمية "عزازيل".
وعلى الرغم من أن رئيس الكهنة كان يرتدي عادةً ثياباً مزخرفة بالذهب، فإنه كان يغتسل في حوض طقسي يُعرف باسم "الميكفاه"، ثم يرتدي ملابس بيضاء بسيطة لأداء شعائر يوم الغفران.
واستمرت هذه الممارسات خلال حقبة الهيكل الأول في القدس، المرتبط في الرواية اليهودية بالملك سليمان، ثم خلال حقبة الهيكل الثاني. وكان اليهود يتوافدون إلى الهيكل لمشاهدة رئيس الكهنة وهو يؤدي الطقوس نيابة عن بني إسرائيل.
وبعد تدمير الهيكل الثاني عام 70 ميلادية، توقفت طقوس تقديم القرابين، وانتقل التركيز بصورة أساسية إلى الصيام والصلاة والتوبة الفردية.
تبدأ الاستعدادات الروحية ليوم الغفران قبل أسابيع من حلوله. ففي الأول من شهر "أيلول" العبري، أي قبل المناسبة بنحو 40 يوماً، يبدأ النفخ في "الشوفار"، وهو بوق مصنوع غالباً من قرن الكبش، صباح كل يوم، إلى جانب تلاوة المزمور السابع والعشرين بعد صلاتَي الصباح وبعد الظهر.
وفي المجتمعات اليهودية السفاردية، تبدأ تلاوة صلوات الاستغفار المعروفة باسم "السليحوت" منذ الأيام الأولى من الشهر، فيما يبدأ اليهود الأشكناز بتلاوتها قبل أيام من رأس السنة العبرية.
أما اليوم السابق ليوم الغفران، فيُخصّص لتناول الطعام والاستعداد للصوم. ويتناول المحتفلون وجبتين، إحداهما في وقت مبكر من بعد الظهر، والثانية قبيل بدء الصيام.
وتشمل العادات المتّبعة أيضاً تقديم المزيد من الصدقات، والاغتسال في "الميكفاه"، ومباركة الأطفال، وإضاءة شموع المناسبة قبل غروب الشمس.
كما تؤدي بعض الجماعات طقس "كاباروت"، المرتبط رمزياً بالتكفير عن الخطايا، فيما يتبادل آخرون قطع كعكة العسل والدعوات بأن تكون السنة الجديدة حلوة ومباركة.
يمتنع اليهود الملتزمون خلال يوم الغفران عن الطعام والشراب لمدة تقارب 26 ساعة، بدءاً من دقائق قليلة قبل غروب الشمس في اليوم التاسع من شهر "تشري"، وحتى ما بعد حلول الظلام في اليوم التالي.
ولا يقتصر الأمر على الصيام، إذ تشمل المحظورات الدينية أيضاً الاستحمام أو غسل الجسد، واستخدام الكريمات والمستحضرات، وارتداء الأحذية الجلدية، وممارسة العلاقات الزوجية.
كما يُحظر العمل خلال المناسبة على غرار يوم السبت اليهودي، ويمضي كثير من المتدينين معظم ساعات اليوم داخل الكنيس، بين الصلاة وتلاوة المزامير والتأمل ومراجعة النفس.
وتُمنح استثناءات من الصوم في الحالات التي قد يشكّل فيها الامتناع عن الطعام أو الشراب خطراً صحياً، ولا سيما بالنسبة إلى المرضى والحوامل وكبار السن، وفق التوجيهات الطبية والدينية الخاصة بكل حالة.
يتضمن يوم الغفران خمس صلوات رئيسية تبدأ مساء عشية المناسبة بصلاة "معاريف"، التي تشمل طقس "كول نيدري"، وتعني تسميته "كل النذور"، ويُعدّ من أكثر طقوس المناسبة شهرة.
وفي صباح اليوم التالي، تُقام صلاة "شحاريت"، وتتضمن قراءة مقاطع من سفر اللاويين، تليها صلاة "يزكور" لإحياء ذكرى الموتى.
ثم تأتي صلاة "موساف"، التي تستعيد بالتفصيل الطقوس التي كان رئيس الكهنة يؤديها في الهيكل، تليها صلاة "منحاه" بعد الظهر، وتتضمن قراءة سفر يونان، بما يحمله من دلالات مرتبطة بالتوبة والمغفرة.
ويُختتم اليوم بصلاة "نعيلاه"، التي تعني "إغلاق الأبواب"، في إشارة رمزية إلى انتهاء الفترة المخصصة للتوبة وطلب الغفران.
مع حلول الليل، تُختتم صلاة "نعيلاه"، وهي الصلاة الأخيرة في يوم الغفران ويعني اسمها "إغلاق الأبواب"، بتلاوة صلاة "شِماع إسرائيل"، التي تمثّل إعلاناً للإيمان بوحدانية الله، ثم تُطلق نفخة واحدة في "الشوفار"، وهو بوق يُصنع عادةً من قرن الكبش، إيذاناً بانتهاء الصوم.
ويردد المصلّون بعد ذلك عبارة "في العام المقبل في القدس"، ثم يتناولون وجبة احتفالية لكسر الصيام. وعلى الرغم من الطابع الصارم والروحاني للمناسبة، فإن ختامها يترافق مع مظاهر من الفرح والغناء لدى عدد من الجماعات اليهودية، تعبيراً عن الأمل بقبول التوبة والحصول على المغفرة.
وبعد انتهاء يوم الغفران، تبدأ بعض العائلات مباشرة بالتحضير لبناء "السُّكّاه"، وهي المظلّة المستخدمة خلال عيد "سوكوت" أو "عيد العُرش"، الذي يحلّ بعد خمسة أيام.
المصدر:
يورو نيوز