آخر الأخبار

باحث: تراجع ثقة الجمهور بوسائل الإعلام قد يكون علامة صحية

شارك

قال باحث أميركي إن التراجع المستمر في ثقة الأميركيين بوسائل الإعلام -منذ عام 1970- جرى تفسيره بشكل خاطئ، وولد قلقا غير مبرر بين الصحفيين والمعلقين. ونشر مايكل شودسون، أستاذ الصحافة الفخري في جامعة كولومبيا، فصلا بعنوان لافت "3 علامات لتراجع الثقة في الإعلام الإخباري" ضمن كتاب جديد صدر الشهر الماضي عن دار "روتليدج" بعنوان "الثقة في الإعلام الإخباري السائد: الأسباب والنتائج والحلول" من تحرير نايلة فوزي وييسبر سترومباك ويارف تسفاتي.

ويجادل شودسون بأن هذا التراجع تزامن مع تحول جوهري في طبيعة الصحافة نفسها، إذ باتت أكثر عمقا واستقصاء، وأكثر التزاما بمساءلة السلطة، بعدما كانت لعقود أقرب إلى مجرد نقل تصريحات المسؤولين دون تمحيص.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 من السلمية إلى التسليح.. هذه رسائل حملة "الشعب فداء لإيران"
* list 2 of 2 ساعة الصفر أم أداة ضغط؟ أبعاد تهديدات ترمب لإيران end of list

ويفكك الباحث الإعلامي في البداية ما يسميه "الأسطورة الأولى" المرتبطة بالتعديل الدستوري الأول الذي يكفل حرية الصحافة. ويستشهد بمسؤولين صحفيين، من بينهم جيل أبرامسون حين كانت رئيسة تحرير صحيفة نيويورك تايمز، ممن اعتادوا القول إن هذا التعديل جاء "أولا لسبب وجيه" هو إدراك الآباء المؤسسين لأهمية الصحافة الحرة في مساءلة السلطة.

لكن شودسون يوضح أن هذا التعديل لم يكن الأول أصلا ضمن مسودة "وثيقة الحقوق" التي أرسلها الكونغرس للتصديق، بل كان الثالث ضمن 12 تعديلا مقترحا، ولم يتصدر القائمة إلا بعد رفض التعديلين الأولين. كما يشير إلى أن الصحف في تلك الحقبة لم تكن تمارس عملا استقصائيا بالمعنى الحالي، بل كانت تعيد نشر أخبار أوروبية وإسهامات القراء، ويديرها طابع مع قلة من المتدربين، دون وجود غرفة أخبار حقيقية.

أسطورة العصر الذهبي

أما "الأسطورة الثانية"، وهي الأهم في نظر شودسون، فتتعلق بالاعتقاد السائد بأن خمسينيات وستينيات القرن الماضي كانت عصرا ذهبيا للثقة بالإعلام في الولايات المتحدة تراجع عنه الجمهورلاحقا. ويطرح شودسون في مقالته سؤالا مركزيا: هل ينبغي أصلا اعتبار هذا التراجع أمرا مؤسفا؟ ويجيب بأن مستوى الثقة في تلك الحقبة كان مبالغا فيه، في مرحلة سبقت حركة الحقوق المدنية وحرب فيتنام وفضيحة ووترغيت وحركة تحرر المرأة.

مصدر الصورة جيل أبرامز: الآباء المؤسسون لأميركا كانوا مدركين أهمية الصحافة الحرة في مساءلة السلطة (غيتي)

ويستشهد بدراسة للصحفي والناقد الإعلامي كارل سيشنز ستيب، قارن فيها 10 صحف أميركية كبرى بين عامي 1963 و1999، ووصف صحف عام 1963 بأنها "ساذجة في الثقة بالحكومة، ومتباهية بلا خجل، ومصطنعة الحماسة" لافتا إلى أن كثيرا من موادها لم تكن تُسند لمصدر واضح أصلا، بل تكتفي بنقل الرواية شبه الرسمية دون تشكيك.

إعلان

ويوضح شودسون أن الصحافة تلك الفترة كانت تكتفي غالبا بنقل تصريحات طرفي أي نزاع دون تجاوزها، وهو ما يسمى "التوازن الزائف" إلى أن بدأ الصحفيون الاستقصائيون أواخر الستينيات والسبعينيات يتحولون إلى محققين يجمعون أدلة موثقة بدل الاكتفاء بنقل الأقوال.

ويروي كيف تحوّل مصطلح الصحافة "برس" (Press) إلى الإعلام "ميديا" (Media) في الخطاب الأميركي، ناقلا عن وليام سافاير كاتب الخطابات السابق للرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، قوله في مذكراته إن الرئيس فضّل استخدام كلمة "ميديا" لأنها تحمل "دلالة تلاعبية شاملة" بعدما اعتبر أن كلمة "برس" التقليدية تمنحهم هالة من النزاهة المستمدة من التعديل الأول. ويضيف أنه سمع الرئيس يصرح لموظفيه أكثر من 12 مرة بأن "الصحافة عدو".

ويستند شودسون إلى بحث أجراه -بالاشتراك مع الباحثة كاثرين فينك- حللا خلاله الصفحات الأولى لصحف واشنطن بوست ونيويورك تايمز وميلووكي جورنال. وقد وجدا أن 85% من أخبار الصفحة الأولى عام 1955 كانت من النوع التقليدي الذي يجيب عن أسئلة "من وماذا وأين ومتى" مقابل 9% من النوع التفسيري الذي يحلل السياق. لكن هذه النسبة تراجعت تدريجيا: إلى 79% عام 1967، ثم 60% عام 1979، ثم 51% عام 1991، لتصل إلى 47% فقط بحلول عام 2003، أي أن أكثر من نصف أخبار الصفحة الأولى أصبحت تفسيرية.

ويرى الإعلامي الأكاديمي أن هذا التحول يعكس تغيرا أعمق في وظيفة الصحافة نفسها، إذ لم تعد مجرد أداة لتسجيل تصريحات القادة السياسيين، بل باتت تسعى لتحليل هذه التصريحات وسياقاتها وتفسير دوافعها، وهو ما وصفه بالصحافة السياقية.

ويربط شودسون هذا التطور في طريقة وأسلوب التغطية بعوامل مجتمعية أوسع، أبرزها ارتفاع نسبة الصحفيين الحاصلين على شهادات جامعية بشكل حاد، إذ إن 55% فقط من الصحفيين الذين تجاوزوا عمر 55 عام 1971 كانوا يفتقرون لشهادة جامعية، مقابل 7% فقط بين الصحفيين الشباب عام 2002.

مصدر الصورة الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون: الصحافة عدو (أسوشيتد برس)

كما يشير إلى دور تشريعات الشفافية، وعلى رأسها "قانون حرية المعلومات" الصادر عام 1966، الذي منح المواطنين الأميركيين حق طلب وثائق حكومية ومقاضاة أي جهة تمتنع عن الإفصاح عنها. ويستشهد بالمؤرخ جوليان زيليزر الذي لاحظ أن الصحافة الأميركية كانت "محترمة عموما لدى المؤسسة السياسية حتى منتصف الستينيات" قبل أن يتراجع هذا الاحترام تدريجيا مع تعزز تشريعات الشفافية والمساءلة.

ويضرب شودسون مثالا عمليا على دور آليات الرقابة الحكومية الحديثة، بمايكل أتكينسون المفتش العام لمجتمع الاستخبارات الأميركي الذي اعتبر شكوى أحد المبلغين عن مخالفات ضد الرئيس ترمب عام 2019 "ذات مصداقية وعاجلة" ورفعها للكونغرس بعد عدم تلقيه ردا من مكتب المستشار القانوني للرئيس، لتتحول لاحقا لمحرك رئيسي للتحقيقات المتعلقة بعزل ترمب. ويلاحظ شودسون أن الصحافة الأميركية نادرا ما تشرح لقرائها طبيعة عمل هذه المكاتب رغم اعتمادها المتكرر على تقاريرها كمصدر.

الثقة الأقل علامة صحية

ويختم شودسون بأن الديمقراطية الأميركية تحولت منذ عام 1945، وبوتيرة أسرع منذ السبعينيات، من نموذج تمثيلي يعتمد على صناديق الاقتراح فقط، إلى ما يسميه بعض الباحثين "الديمقراطية الرقابية" حيث تخضع الحكومة لمساءلة مستمرة على مدار الساعة لا يوم الانتخابات فقط.

إعلان

ويرى أن الصحافة الحديثة، وبفضل استنادها المتزايد لمصادر موثقة وتصريحات منسوبة، لم تعد تستدعي الثقة العمياء التي كانت سائدة في الخمسينيات، بل باتت تستدعي تفكيرا نقديا من القارئ، لأن طموحها لتفسير الأحداث لا مجرد تسجيلها يتطلب منها اجتهادا وتحليلا قد يختلف حوله. ويخلص إلى أنه قد يبدو من المفارقة أن تتراجع الثقة بالإعلام مع تحسن جودته الفعلية، لكن الأكثر إثارة للاستغراب، في رأيه، كان أن تبقى تلك الثقة كما هي دون تغيير.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا