تولى مقاليد الحكم في بريطانيا رئيس وزراء جديد، آندي بيرنهام، ووزير خارجية جديد، إد ميليباند. وقد تركا معا بصمتهما بالفعل على مسيرة النضال الفلسطيني من أجل تقرير المصير وإنهاء احتلال عام 1967.
وقبل عام من الآن اتخذت الحكومة البريطانية، تحت قيادة كير ستارمر، قرارا بالاعتراف بدولة فلسطين -التي تضم غزة والقدس الشرقية وبقية الضفة الغربية- جنبا إلى جنب مع إسرائيل. وقد حذت فرنسا وكندا وأستراليا ودول أخرى حذو بريطانيا في هذه الخطوة، واليوم تعترف بدولة فلسطين ثلاثة أرباع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة البالغ عددها 193 دولة.
قبل أن يتولى كير ستارمر منصبه، كان آندي بيرنهام قد قدم اعتذارا عن تباطؤ استجابة الحكومة إزاء الدمار الذي لحق بقطاع غزة، مشددا على ضرورة ممارسة ضغط أكبر على إسرائيل. وما إن تولى ستارمر رئاسة الوزراء حتى بادر إلى تنفيذ ذلك بالفعل؛ ففي 8 سبتمبر/أيلول، أعلن إد ميليباند -وإلى جانبه رئيس الوزراء- "حالة طوارئ أخلاقية" في فلسطين، كاشفا عن مجموعة من التدابير الرامية إلى حماية جدوى " حل الدولتين"، وهو الحل الذي طالما مثّل السياسة الثابتة للحكومات البريطانية والأوروبية المتعاقبة لعقود من الزمن.
وتُعد هذه التدابير جديدة من نوعها، وتعكس شعورا حقيقيا بمدى إلحاح الموقف. فلطالما أدان الوزراء البريطانيون في الماضي المستوطنات الإسرائيلية مرارا، باعتبارها غير قانونية بموجب القانون الدولي، إلا أنهم لم ينتقلوا قط من دائرة الأقوال إلى حيز الأفعال.
برزت أهمية اللهجة الحازمة في خطاب ميليباند بشكل لا يقل عن التدابير ذاتها. فللمرة الأولى، وصف ممارسات المستوطنين العنيفة في الضفة الغربية بأنها "تطهير عرقي" بحق التجمعات الفلسطينية بهدف طردهم من منازلهم وأراضيهم، متهما الجيش والوزراء الإسرائيليين بتجاهل هذه الجرائم أو التواطؤ فيها
يختلف الوضع هذه المرة؛ إذ تشرع الحكومة البريطانية في تنفيذ سلسلة من التدابير، تبدأ بحظر استيراد البضائع من المستوطنات إلى المملكة المتحدة، واتخاذ إجراءات بشأن الخدمات، مع استحداث صلاحيات جديدة لملاحقة الأفراد والشركات التي تدعم النشاط الاستيطاني أو تسهله أو تتربح منه.
كما يشمل التحرك البريطاني حظر الإعلان عن الأراضي والممتلكات الواقعة في تلك المستوطنات، والعمل جنبا إلى جنب مع الشركاء لوقف بناء مستوطنة "إي 1" التي تمثل "خطا أحمر".
وعلاوة على ذلك، تمتد هذه الإجراءات لتشمل استهداف من ينتهكون القانون الإنساني الدولي في فلسطين، وصولا إلى فرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين متطرفين محددين ممن يدعمون أو يحرضون على العنف ضد المجتمعات الفلسطينية.
وقد انضمت فرنسا وكندا إلى الحظر المفروض على تجارة البضائع القادمة من المستوطنات، كما أعربت ثماني دول أوروبية -من بينها إسبانيا وأيرلندا- عن دعمها لهذه الخطوة، كما تحظى الشراكة بين السيد بيرنهام والرئيس ماكرون بترحيب واسع، خاصة أن المملكة المتحدة وفرنسا هما الدولتان الأوروبيتان اللتان تتمتعان بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وقد اعتادتا على التنسيق والتعاون المشترك في نيويورك.
لقد أخذت الحكومة البريطانية على عاتقها التزاما مستمرا بدعم سيادة القانون، الذي يواجه هجمات من جهات شتى. وفي هذا السياق، قبل السيد ميليباند فتوى محكمة العدل الدولية القاضية بأن الاحتلال العسكري الإسرائيلي لعام 1967 غير قانوني.
ويحمل هذا القرار في طياته تداعيات كبيرة على السياسة المستقبلية؛ إذ سيؤثر سلبا على مبيعات الأسلحة البريطانية لإسرائيل، على الرغم من أن هذه المبيعات لا تشكل سوى جزء يسير من المشتريات الإسرائيلية (إذ تُعد الولايات المتحدة أكبر مورد للأسلحة إلى إسرائيل تليها ألمانيا).
برزت أهمية اللهجة الحازمة في خطاب ميليباند بشكل لا يقل عن التدابير ذاتها. فللمرة الأولى، وصف ممارسات المستوطنين العنيفة في الضفة الغربية بأنها "تطهير عرقي" بحق التجمعات الفلسطينية بهدف طردهم من منازلهم وأراضيهم، متهما الجيش والوزراء الإسرائيليين بتجاهل هذه الجرائم أو التواطؤ فيها.
كما انتقد السلطات الإسرائيلية على خلفية مقتل أكثر من 1200 فلسطيني في غزة منذ ما سُمي بـ " وقف إطلاق النار" في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وما يكابده أهالي القطاع من معاناة يومية مروعة. وفي غضون ذلك، تواصل إسرائيل تقييد وصول إمدادات الغذاء والأدوية والمعدات الطبية ومستلزمات الإيواء المؤقت إلى غزة.
لقد قطعت حكومة بيرنهام شوطا أبعد بكثير مما أُنجز في عهد كير ستارمر، بيد أن الطريق لا يزال يتطلب المزيد من العمل؛ وفي هذا السياق فإن المؤسسة الخيرية البريطانية التي أتشرف بعضوية مجلس أمنائها، وهي "مشروع بريطانيا وفلسطين"، تدعم قرارات الحكومة بقوة، مع حثها المستمر على المضي قدما وبذل المزيد من الجهود
أثارت الشجاعة الأخلاقية التي تحلى بها ميليباند، وجهره بالحق في وجه سلطة الاحتلال، غضب حكومة نتنياهو. وكعادتها، جاء ردها بإلحاق المزيد من المعاناة بالفلسطينيين؛ إذ أمرت بإغلاق القنصلية البريطانية العامة في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية، وهي القنصلية ذاتها التي كنت أعمل بها.
وتُعد هذه القنصلية اليوم، من الناحية العملية، بمثابة السفارة البريطانية لدى فلسطين، وقناة التواصل الرئيسية للحكومة البريطانية مع الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال. ولا تملك إسرائيل أي حق في إغلاقها؛ فبريطانيا ترفض منذ عقود مزاعم إسرائيل بضم القدس الشرقية. وهو ادعاء غير قانوني اعتبره مجلس الأمن الدولي باطلا وملغى منذ اللحظة الأولى.
وسترد الحكومة البريطانية على هذا الإجراء الإسرائيلي غير القانوني في الوقت المناسب، وبالطريقة التي تراها ملائمة.
لعب ميليباند دورا قياديا على مستوى أوروبا والكومنولث والساحة الدولية، ضمن الجهود الجماعية الرامية إلى الحفاظ على حل الدولتين؛ وهو الحل الذي تسعى حكومة نتنياهو إلى "دفنه"، كما يتباهى وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش.
وتلوح في الأفق فرصة مواتية أمام المجتمع الدولي للتكاتف ضد هذا المسعى خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في وقت لاحق من الشهر الجاري؛ إذ سيسلط الأردن وبريطانيا معا الضوء على الظروف المروعة التي يُجبر مليونا فلسطيني على مكابدتها في أقل من ثلث مساحة قطاع غزة، في مأساة من صنع الإنسان وصفها ميليباند بأنها "وصمة عار على جبين الإنسانية".
ومن شأن الجهر بهذه الحقائق أن يكثف الضغوط على إسرائيل لرفع قيودها الخانقة التي تعرقل دخول أساسيات الحياة. وفي هذا الصدد، أشيد بالجهود الدؤوبة التي تبذلها المملكة الأردنية ومصر وقطر، إلى جانب شركاء عرب آخرين، لتقديم أكبر قدر ممكن من المساعدات الإغاثية.
تُعد القدس بمكانتها المقدسة لدى الديانات الإبراهيمية الثلاث، برميل بارود، وفي خضم ذلك يعبث وزير الأمن القومي الإسرائيلي بن غفير بالنار؛ انطلاقا من إيمانه بعقيدة التفوق اليهودي، شأنه في ذلك شأن سموتريتش.
وهنا يبرز مجددا الدور المحوري للأردن بصفته الوصي الوحيد على المقدسات الإسلامية والمسيحية؛ لذا يتحتم على شركاء الأردن، من بريطانيين وأوروبيين وعرب، الوقوف بحزم في وجه أي محاولات لتقويض هذا الدور الإستراتيجي الحيوي، الذي يحظى بتقدير عميق من المسلمين في شتى بقاع الأرض، ومن الكنائس المسيحية قاطبة.
يتعين على بريطانيا استثمار قدرتها على الحشد والتنسيق بالتعاون مع فرنسا والدول العربية، لجمع الشركاء في أوروبا ودول الكومنولث والمجتمع الدولي، بهدف اتخاذ خطوات فاعلة تكفل حماية حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره جنبا إلى جنب مع إسرائيل
لقد قطعت حكومة بيرنهام شوطا أبعد بكثير مما أُنجز في عهد كير ستارمر، بيد أن الطريق لا يزال يتطلب المزيد من العمل؛ وفي هذا السياق فإن المؤسسة الخيرية البريطانية التي أتشرف بعضوية مجلس أمنائها، وهي " مشروع بريطانيا وفلسطين"، تدعم قرارات الحكومة بقوة، مع حثها المستمر على المضي قدما وبذل المزيد من الجهود. ونحن ندرك يقينا أن السيد ميليباند يسعى جاهدا لإحداث تغيير إيجابي ملموس على أرض الواقع، رغم شتى العقبات التي تضعها إسرائيل في طريقه.
ومن هذا المنطلق، تطرح مؤسستنا الخيرية جملة من المقترحات السياسية الواقعية؛ إذ نرى أنه ينبغي على الحكومة البريطانية أن توجه تحذيرا صريحا لأي مزايد محتمل في عطاءات منطقة " إي 1"، ينذره بتعرض مصالحه التجارية داخل المملكة المتحدة ومعها لعقوبات صارمة إذا مضى قدما في مسعاه.
وإلى جانب ذلك، يتعين على بريطانيا استثمار قدرتها على الحشد والتنسيق بالتعاون مع فرنسا والدول العربية، لجمع الشركاء في أوروبا ودول الكومنولث والمجتمع الدولي، بهدف اتخاذ خطوات فاعلة تكفل حماية حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره جنبا إلى جنب مع إسرائيل.
علاوة على ذلك، ندعو الحكومة إلى إقناع "مجلس السلام" بكسر حالة الجمود الحالية، تمهيدا لانتقال منظم للسلطة في غزة وتسليمها للجنة الوطنية لإدارة القطاع برئاسة علي شعث. ويتلازم ذلك مع ضرورة ضمان وصول وكالات الإغاثة، وفي مقدمتها الأونروا، فضلا عن الصحفيين الدوليين والبرلمانيين، إلى غزة دون أي قيود.
وأخيرا، يجب على بريطانيا المساهمة بفاعلية في ضمان إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل لتشمل القدس الشرقية، مع كفالة حريتها ونزاهتها. ويقتضي هذا المسار أن تتعهد بريطانيا منذ الآن بقبول نتائج هذه الانتخابات، والعمل حثيثا لإرساء حكم موحد يجمع غزة والضفة الغربية تحت مظلة واحدة، ألا وهي دولة فلسطين.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة