في صباح 11 سبتمبر/أيلول 2001، كنت في مكتبي بوزارة الداخلية الأمريكية، حيث كنت أشغل منصب السكرتير الصحفي. تابعت الأخبار مع ورود النشرات الأولى التي أفادت بأن طائرة اصطدمت بمركز التجارة العالمي، أما بقية أحداث ذلك اليوم، فتبدو في ذاكرتي كأنها ضباب.
أخلينا المبنى، ثم استُدعيت للعودة مجددا، اجتمعنا في غرفة للمؤتمرات داخل الوزارة، وأصدرنا بيانا قلنا فيه إننا نراقب الوضع ونعمل على حماية المباني والرموز التاريخية لأمريكا؛ بدءا من تمثال الحرية في نيويورك، مرورا بقاعة الاستقلال في فيلادلفيا، ووصولا إلى عشرات المواقع الأخرى.
وفي 22 سبتمبر/أيلول، اتصل بي نائب رئيس موظفي الوكالة الفدرالية لإدارة الطوارئ (FEMA) يطلب مني التوجه إلى نيويورك حاملا معي بطاقتي التعريفية وخطابا من الوكالة، وركوب أول قطار متجه إلى هناك للانضمام إلى جهود التعافي من الدمار الذي طال المنطقة المحيطة بمركز التجارة العالمي.
لا تزال الولايات المتحدة تمتلك قوة هائلة، بيد أننا، في كثير من الأحيان، نسمح للأزمات بأن تحدد أهدافنا وأن تملي علينا كيفية استجابتنا لها. وما إن تتولى إدارات جديدة مقاليد الحكم حتى تتخلى عن قدر كبير مما بنته سابقاتها
وبعد ساعات قليلة، كنت أعمل في محيط مركز التجارة العالمي، كان على أعضاء في الكونغرس وحكام ولايات وصحفيين القيام بجولة تفقدية للموقع، في وقت كان فيه عمال الإنقاذ منهمكين في إزالة كميات هائلة من الأنقاض.
في تلك الأثناء، مرّ بنا رئيس إحدى لجان الكونغرس، وكان رجلا حاد الطباع، فزودناه بالمعلومات التي يحتاجها دون إبطاء وتيرة عمل فرق الإنقاذ.
كنا نعمل طوال النهار بتجرد تام عن العواطف، لكنني كنت أعود إلى الفندق ليلا، وأجهش بالبكاء وأنا أشاهد التغطية الإخبارية.
وبعد 25 عاما، لا تزال رائحة الموت التي كانت تفوح من ذلك المكان هي أكثرُ ما يلحُّ على ذاكرتي حتى اليوم.
لقد كانت رائحة الموت بعينها.
لا تزال الولايات المتحدة تمتلك قوة هائلة، بيد أننا، في كثير من الأحيان، نسمح للأزمات بأن تحدد أهدافنا وأن تملي علينا كيفية استجابتنا لها.
وما إن تتولى إدارات جديدة مقاليد الحكم حتى تتخلى عن قدر كبير مما بنته سابقاتها، فيتردد حلفاؤنا ويتشبث أعداؤنا بمواقفهم، بينما ينشغل صانعو السياسة الأمريكية بمحاولة معرفة ما يزال منها صالحا وذا جدوى.
ينبغي علينا أن نضع أيدينا على مكامن الخلل مبكرا، وأن نحافظ على ما يثبت نجاحه حتى لو تغير الرؤساء.
لقد نجحت المرحلة الأولى من الحرب على الإرهاب، فقد طردنا تنظيم القاعدة من ملاذه الآمن في أفغانستان الذي استخدمه للتخطيط لهجمات 11 سبتمبر/أيلول، وقتلنا أو أسرنا عددا كبيرا من كبار عناصره، وأنشأنا أنظمة جديدة لتبادل المعلومات الاستخباراتية بين الوكالات الأمريكية ومع الحلفاء.
وقد أسهمت هذه الأنظمة في إحباط مخططات إرهابية وإنقاذ أرواح في أنحاء العالم.
وبحلول 27 يونيو/حزيران 2006، كنت في أول رحلة رسمية لي إلى الشرق الأوسط بصفتي موظفا مدنيا في وزارة الدفاع، محاولا الوصول إلى العراق، غير أنني علقت في العاصمة الأردنية عمّان.
فقد كان قائد القوات الأمريكية في العراق يؤخر الموافقة الأمنية اللازمة لدخولنا، إذ لم يكن يرغب في استقبال مجموعة أخرى من أدعياء المعرفة من داخل الحقل السياسي في واشنطن الذين يأتون لينتقدوا الفوضى التي تعم فريقه، ثم يعودون من حيث أتوا.
تناولنا طعاما متوسطيا شهيا، وطفونا في مياه البحر الميت وقد غطانا الطين، وعلى الجانب الآخر من الحدود، كان الجنود الأمريكيون يتناولون وجبات جاهزة خلف الأسوار المنيعة ويتعرضون لقذائف الهاون.
وفي اليوم نفسه في بغداد، أسفرت حملة أمنية شارك فيها 75 ألف جندي عراقي وأمريكي عن خفض محدود للعنف، وقُتل خلالها 18 عراقيا آخرون، فيما كان الموت يعصف بالعراق عصفا.
ذات صباح، كنت أحتسي القهوة في ردهة الفندق وأقرأ إحدى الصحف الناطقة باللغة الإنجليزية، حيث كانت تجري محاكمة المرأة الانتحارية المتورطة في محاولات فاشلة لتفجير فنادق عمّان التي وقعت قبل 7 أشهر فقط. وفي فندق راديسون ساس، فجّر زوجها نفسه في حفل زفاف، بينما تعطل حزامها الناسف ولم ينفجر.
نظرت إلى فنجان قهوتي، كنت أقيم في فندق راديسون ذاته.
لم يكن قائد القوات الأمريكية يريد دخولي إلى العراق، وكنت عالقا في فندق سبق أن استهدفه تنظيم القاعدة، وعاجزا عن دخول العراق لتقديم المساعدة.
وعندما تمكنا أخيرا من الوصول، التقيت مدنيين وعسكريين ومتعاقدين مخلصين لعملهم.
في مركز العمليات الإعلامية بالمنطقة الخضراء، كان أحد ضباط الجيش الأمريكي يقضي أيامه في جمع الصور القادمة من ساحات المعارك وإرسال تقارير للقادة الميدانيين لرصد كيفية تناول وسائل الإعلام للحرب.
لقد فقدنا البوصلة والغاية، وأسفرت العمليات العسكرية عن إحصاءات كان بمقدور واشنطن الارتكاز عليها وتمثلت في أهداف جرى ضربها، وإرهابيين أُلقي القبض عليهم، وأراضٍ طُهِّرت. لكن الدبلوماسية وبناء الثقة والتغيير أمور تستغرق عقودا طويلة، فإذا كنا نعجز عن حل المشكلات المستعصية في شيكاغو، فكيف لنا أن نعيد تشكيل وزيرستان انطلاقا من واشنطن؟
وعندما سألته عن هوية من يقرأ هذه التقارير، لم أجد لديه إجابة، فقد كانت مهمته تقتصر على إعداد التقرير امتثالا للأوامر لا التزاما حقيقيا بالغاية. لم نكن بحاجة إلى تقرير آخر لا يقرؤه أحد، بل إلى سياسة توقف الأحداث والكوارث التي كانت تسجلها عدسات وكالة رويترز.
وفي كثير من الأحيان، كان الجيش يختار المتحدثين باسم القوات متعددة الجنسيات في العراق بناء على أسبقية الدور في القائمة، وليس استنادا إلى الخبرة في شرح مجريات الحرب لجمهور فقد اهتمامه بها منذ زمن. وما إن يتعلم هؤلاء كيفية توضيح موقف الحرب حتى تنتهي فترة خدمتهم، لنبدأ مجددا في تدريب بدلاء جُدد.
وفي وقت لاحق إبّان عملي في مجلس الأمن القومي، سمعت أشخاصا يناقشون الوضع في أفغانستان كما لو كانوا يتابعون موسما رياضيا احترافيا، موسما ينتهي فيه القتال، فيستريح الطرفان ويتزودان بالسلاح، ويُعاد رسم الخطط استعدادا لموسم الربيع.
وفي مرحلة انتقال السلطة من جورج بوش الابن إلى باراك أوباما، جاء قائد القوات الأمريكية في أفغانستان الجنرال ديفيد ماكيرنان إلى البيت الأبيض واستعرض أكبر 10 تحديات تواجهه.
جلست في ذلك الاجتماع وأنا أُحدث نفسي قائلا: "لقد أمضينا نحو ثماني سنوات في هذه الحرب، ولا يزال الجيش يطرح المشكلات نفسها على واشنطن دون تقديم حلول " ولم نكن نحن أيضا نملك حلولا سريعة، لكن كان لدينا المال والموارد وقلوبنا مفعمة بالأمل وكنا قادرين على إرسال مزيد من القوات إلى جبهات القتال عبر عمليات التبديل والمناوبة.
وفي مايو/أيار التالي، طلب وزير الدفاع روبرت غيتس من ماكيرنان تقديم استقالته. ولم تكن المشكلة تكمن بالضرورة في خطأ ارتكبه ماكيرنان، بل يعود إلى نهج واشنطن التي ظلت لسنوات تحاول أن تصنع نجاحا بالتمني بدلا من البحث عن السبل الفعلية لتحقيقه.
لقد فقدنا البوصلة والغاية، وأسفرت العمليات العسكرية عن إحصاءات كان بمقدور واشنطن الارتكاز عليها وتمثلت في أهداف جرى ضربها، وإرهابيين أُلقي القبض عليهم، وأراضٍ طُهِّرت.
لكن الدبلوماسية وبناء الثقة والتغيير أمور تستغرق عقودا طويلة، فإذا كنا نعجز عن حل المشكلات المستعصية في شيكاغو، فكيف لنا أن نعيد تشكيل وزيرستان انطلاقا من واشنطن؟
تبقى تجربة العراق هي الجزء الأصعب في هذا السجل؛ ذلك أننا خضنا الحرب استنادا إلى تقديرات استخباراتية تبين لاحقا أنها كانت معيبة بصورة خطيرة. ورغم أن إستراتيجية زيادة القوات في عام 2007 أسهمت في الحد من العنف بشكل حاد، فإن تلك المكاسب الميدانية لم تتحول إلى تسوية سياسية قوية قادرة على الصمود.
غادرت القوات الأمريكية العراق عام 2011، وبحلول عام 2014، كان تنظيم الدولة الإسلامية قد استولى على الموصل، لتعود القوات الأمريكية مجددا.
ومما لا شك فيه أن المسلمين دفعوا ثمنا باهظا جراء ردود الفعل العكسية التي أعقبت أحداث سبتمبر/أيلول؛ إذ تحول الخوف من الإرهابيين المتطرفين في كثير من الأحيان إلى ارتياب تجاه المسلمين عموما.
وتظهر بيانات مكتب التحقيقات الفدرالي أن جرائم الكراهية ضد المسلمين قفزت من 28 حادثة عام 2000 إلى 481 حادثة عام 2001.
وبعد مرور ربع قرن، يرى 59% من المسلمين الأمريكيين الذين شملهم استطلاع مركز بيو أنهم لا يزالون يتعرضون لتمييز كبير في الولايات المتحدة. كما يقدر مشروع "تكاليف الحرب " بجامعة براون أن أكثر من 38 مليون شخص نزحوا من مناطق النزاعات التي اندلعت بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول.
إن المسلمين يعملون ويربون أسرهم ويسعون لمنح أبنائهم حياة أفضل مما حظوا به، إنهم أصدقائي وزملائي في العمل، وكثير منهم بمنزلة أفراد عائلتي. ينبغي ردع من يخطط لإيذاء الأبرياء، دون تحميل دين كامل جريرة البعض.
إن الإدارات الجديدة تبدأ غالبا من نقطة الصفر، أثناء فترة انتقال الرئاسة من جورج بوش إلى باراك أوباما عامي 2008 و2009، التقيت إحدى موظفات الإدارة الجديدة، واستعرضت معها القنوات التي كنا نستخدمها لتنسيق السياسات الخاصة بأفغانستان وباكستان عبر أجهزة الحكومة الأمريكية ومع الحلفاء، وكذلك عمليات العراق مع القيادة المركزية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والقوات متعددة الجنسيات ووزارة الخارجية والأجهزة الاستخباراتية. بيد أن القليل جدا من هذه القنوات كُتب له البقاء بعد انتقال السلطة.
إننا نترك قوة الحلفاء معطلة، ونفرط في علاقات استغرق بناؤها سنوات طوالا، وندخل في نزاعات مع حلفائنا وننشغل بملاحقة ما تروجه وسائل التواصل الاجتماعي من مقاطع وشعارات. لا يزال يتعين علينا القضاء على الإرهابيين قبل تنفيذ هجماتهم، لكن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تكون المحرك الأساسي للسياسة الخارجية الأمريكية
وبعد عامين، كان صديقي الراحل مايكل هاستينغز يتوقع أن يقضي يومين فقط مع الجنرال ستانلي ماكريستال وفريقه من أجل إعداد تقرير لمجلة "رولينغ ستون " (Rolling Stone).
غير أن بركان آيسلندا تسبب في تعطيل حركة الطيران في أوروبا، مما حاصر المجموعة في باريس واضطرهم لاستقلال حافلة إلى برلين.
وقد أتاح هذا التأخير لهاستينغز فرصة الوصول إلى معلومات أكثر بكثير مما كان مخططا له، فمازح ماكريستال قائلا: "هل تسأل عن بايدن؟ من هذا؟"، فرد أحد كبار المستشارين بدوره متندرا على نائب الرئيس.
قبِل الرئيس أوباما استقالة ماكريستال، لكنه شدد على أن تغيير القائد لا يعني تغيير السياسة، مؤكدا أن المهمة تتطلب "وحدة الجهود ".
وانطبق النمط نفسه على الملف الإيراني؛ إذ جعل أوباما من الاتفاق النووي الركيزة الأساسية في سياسته تجاه إيران، ثم انسحب منه ترمب ليعود إلى سياسة العقوبات والضغوط، في حين حاول بايدن إحياءه مجددا. وبقيت المشكلة النووية الإيرانية قائمة رغم اختلاف المقاربات الثلاث. إن الواجب يقتضي الحفاظ على ما يثبت نجاحه وإصلاح ما يفشل، وإذا أردت استبدال سياسة ما، فعليك بناء البديل أولا.
يتوجب علينا تحديد نقاط الضغط والتأثير قبل أن تتحول إلى أزمات؛ وذلك عبر إنشاء "خلية ضغط " تابعة لمجلس الأمن القومي تتولى متابعة مؤشرات الضغط يوميا عبر المناطق والحكومات والأسواق وساحات المعارك، للوقوف على المساحات التي يمكن للحلفاء مضاعفة الضغط فيها، والمواضع التي يختبر فيها الأعداء قدراتنا، والمجالات التي يمكن لعدو أضعف أن يكبدنا فيها خسائر فادحة بإمكانيات محدودة.
يجب أن نبحث عن ممر بحري إستراتيجي جديد يواجه مخاطر جيوسياسية أو أمنية شبيهة بتلك التي نواجهها في مضيق هرمز قبل أن يستغل الخصم نقطة ضعفنا.
إن أجهزة الحكومة الأمريكية تعمل بمعزل عن بعضها البعض، في حين لا يعترف الضغط بهذه الحواجز. ينبغي أن تكون غرفة العمليات المكان الذي يتخذ فيه الرئيس القرارات الحاسمة المتعلقة بالأمن القومي، لا المكان الذي تصل إليه المشكلة لأول مرة داخل البيت الأبيض.
لقد استُنفدت الحرب على الإرهاب ولم تعد تصلح كإستراتيجية موجهة. وفي أحيان كثيرة، حلت ردود الأفعال العشوائية محل التخطيط؛ إذ كان خروجنا من أفغانستان سيئا، وصرنا نلجأ إلى القوة العسكرية بسرعة عندما تستصعب الدبلوماسية وبناء العلاقات.
إننا نترك قوة الحلفاء معطلة، ونفرط في علاقات استغرق بناؤها سنوات طوالا، وندخل في نزاعات مع حلفائنا وننشغل بملاحقة ما تروجه وسائل التواصل الاجتماعي من مقاطع وشعارات.
لا يزال يتعين علينا القضاء على الإرهابيين قبل تنفيذ هجماتهم، لكن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تكون المحرك الأساسي للسياسة الخارجية الأمريكية.
علينا رصد نقاط الضغط وإصلاح الاختلالات قبل أن تتفاقم إلى أزمات، والحفاظ على السياسات الناجحة عند تغير الإدارات، واستعمال الأدوات الدبلوماسية والاستخباراتية والضغوط الاقتصادية والقوة العسكرية في آن واحد، مع إشراك الحلفاء معنا، وتحديد الأهداف بدقة قبل أن تمليها علينا الأزمات.
لا تزال القوة الأمريكية هائلة، ولكن الاختبار الحقيقي يكمن في مدى قدرتنا على منح هذه القوة رؤية وغاية قبل أن تفرض علينا الأزمة القادمة مسارها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة