في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تفتح فاتن حرب دفتر القضايا أمامها، وتدوّن تاريخ الجلسة وأسماء الحاضرين وطبيعة النزاع، ثم ترفع رأسها نحو الطرفين الجالسين قبالتها في مجلسها بمدينة غزة، قبل الدخول في تفاصيل الخلاف، وتحدد بصوت هادئ وحازم قواعد الجلسة وهي أن لكل طرف مساحته الكاملة في الحديث، والإنصات متبادل، فيما تُستبعد المقاطعة ورفع الصوت وتبادل الاتهامات.
وحين تقترب الروايتان من تفاصيل عائلية حساسة، توقف النقاش المشترك وتستمع إلى كل طرف منفردا، وتبقى المعلومات التي تسمعها في عهدة دفتر مغلق، تسجل فيه بيانات الأطراف ومكان السكن وأرقام الهواتف وأسباب الخلاف وما انتهت إليه الوساطة، فيما تحيط التفاصيل التي تمس خصوصية أصحابها بسرية مشددة.
تقول حرب للجزيرة نت: "أحمل أوراقي ودفتر قضاياي، وأحمل قبلهما الهدوء والصبر والاستماع الجيد والشفافية، وفي بداية الجلسة، أمنح كل شخص مساحته للحديث وأفهم روايته قبل إصدار أي حكم".
واكتشفت خلال عملها أن بعض القضايا تحتاج إلى الإصغاء أكثر من حاجتها إلى حل جاهز؛ فحين يأخذ كل طرف فرصته في الكلام، يبدأ المتنازعون أنفسهم في الاقتراب من الحل.
وفي نهاية الجلسة، تراقب حرب وجوه الجالسين، وتعدّ رضا الطرفين وظهور الابتسامة عليهما أول مؤشر على نجاح الوساطة، ففي هذا المجلس الصغير، الذي تديره امرأة داخل مجال ارتبط تاريخيا بالرجال، يتحول الإصغاء إلى أداة للصلح، ويجد أصحاب القضايا الحساسة، وفي مقدمتهم النساء، طريقا لإيصال أصواتهم بأمان.
بدأت فاتن حرب نشاطها في الإصلاح المجتمعي عام 2006، وعالجت الخلافات الأسرية قبل أن تصقل تجربتها بأربع سنوات من التدريب لدى المركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات، درست خلالها آليات الوساطة والحلول المستندة إلى العرف والقانون.
وتعتز حرب بمناداة الناس لها بـ"المختارة"، إذ ترى في اللقب مسؤولية عن الإنسان والأسرة أكثر من كونه صفة اجتماعية، وتقول للجزيرة نت "عندما أصل إلى حل يرضي جميع الأطراف، أشعر فعلا بأنني مختارة؛ فكل قضية خلفها إنسان وأسرة".
وأتاح وجود امرأة في مجال ارتبط تاريخيا بالرجال مساحة أكثر أمانا للنساء لطرح قضايا حساسة تتصل بالعلاقة الزوجية والحضانة والخصوصية الجسدية والنفسية، ومع اتساع حضورها داخل البيوت، وتنوعت الملفات التي تصل إليها بين الخلافات الزوجية ومشاهدة الأطفال واستضافتهم، والميراث والذمم المالية والنزاعات العائلية.
وتقول حرب "هناك أبواب لا تُفتح إلا بوجود النساء؛ فالمختارة طرف أساسي في صناعة السلام المجتمعي"؛ لذلك وجدت نساء كثيرات في مجلسها مسارا لاحتواء الخلاف وحفظ الحقوق والكرامة قبل انتقاله إلى أروقة المحاكم.
أعادت الحرب الإسرائيلية على غزة تشكيل الخلافات الأسرية والمجتمعية؛ فمع النزوح وفقدان المنازل وتكدس العائلات في الخيام ومراكز الإيواء، ظهرت نزاعات حول السكن والمساعدات والديون، وتفاقمت قضايا النفقة والحضانة والميراث والخلاف الزوجي.
وفي المخيمات، قد يبدأ النزاع من التزاحم على تعبئة المياه أو انتظار الدور أمام المرافق المشتركة، ثم يتسع تحت وطأة شح الموارد والتوتر، وأما داخل الخيمة، فقد جعل ضيق المساحة حياة الأبناء والبنات والأزواج مكشوفة، وحوّل خلافات محدودة إلى صدامات تتدخل فيها العائلة والجيران؛ لتنشأ داخل الأسرة حرب أخرى على الخصوصية والمساحة والموارد.
دفعت الحرب الوساطة إلى خارج المجالس والمكاتب، فعقدت حرب جلساتها داخل الخيام ومراكز الإيواء، وتواصلت هاتفيا مع أطراف فرّقهم النزوح بين شمال القطاع وجنوبه، واستمعت إلى كل طرف منفردا حين تعذر جمعهما.
كما استعانت بأفراد العائلتين لإيصال المقترحات وضمان تنفيذها، واعتمدت اتفاقات مرحلية تعالج النفقة والمأوى ومشاهدة الأطفال، ثم تابعت الأطراف للتحقق من استمرارها، فيما أحالت القضايا التي تتجاوز الوساطة إلى الجهات القانونية العاملة.
وتقول "نحتاج إلى إعادة الاستقرار الأسري والنفسي والاجتماعي، وإلى إعادة بناء الإنسان بعد الحرب؛ فقد جعلت الحرب دوري أكثر تعقيدا".
وامتد الخطر إلى جلسات الصلح نفسها؛ إذ تستعيد حرب جلسة عقدتها على وقع أزيز الطائرات المسيّرة، بينما كان الحاضرون يترقبون القصف. وتروي بصوت متوتر أن همها يومها توزع بين احتواء النزاع وضمان مغادرة الجميع سالمين.
وفي تصريح خاص للجزيرة نت فقد تم استهداف مقار المحاكم في مدينة الزهراء وسط قطاع غزة، واستشهاد 18 قاضيا وقاضية وفق توثيق جريدة القضاء الفلسطيني التابعة للمجلس الأعلى للقضاء، واستشهاد 3 من أصل 30 قاضيا في القضاء الشرعي.
إلى جانب استشهاد محامين وتعذر وصول المتقاضين إلى المؤسسات العدلية؛ تعمق دور حرب في الوساطة الاجتماعية. وبحسب حرب، فقد ارتفع عدد القضايا التي تستقبلها إلى مئات شهريا، وشكلت النساء النسبة الكبرى، خاصة من تعرضن للإساءة أو فقدن المأوى أو وجدن أنفسهن في الشوارع ومراكز الإيواء بعد تفكك أسرهن.
من أعقد القضايا التي تابعتها حرب خلاف بين زوجين فرّق النزوح الإسرائيلي في بداية حرب الإبادة بينهما وبين طفلهما، بعدما توزع وجود الأسرة بين شمال القطاع وجنوبه، ومع تراكم الخصومة وانقطاع الطرق، حُرمت الأم من رؤية طفلها حتى قارب الثالثة من عمره.
احتاجت الوساطة إلى جلسات متعددة، بعضها جمع الزوجين وبعضها عُقد مع كل طرف منفردا، وأعادت حرب خلالها الطفل إلى مركز النقاش، بعيدا عن الاتهامات المتبادلة، حتى انتهت الوساطة بحل الخلاف واجتماع الأسرة مجددا؛ ثم واصلت متابعة الزوجين للاطمئنان إلى استقرار الاتفاق ودوامه.
وحين تتحدث حرب عن القضايا التي مرت أمامها، يصعب عليها عزل دور الوسيطة عن مشاعر المرأة التي تسمع وجع العائلات، وبكت بصوت متألم خلال حديثها للجزيرة نت، وقالت إن السؤال فتح أمامها أبواب الوجع التي تحملها من قصص الناس.
"بكيت كثيرا؛ فلا أستطيع فصل مشاعري عن عملي والقضايا، فهناك أناس موجوعون جدا"، ثم تستدرك أن هذا الوجع نفسه أصبح سببا لاستمرارها، إذ ترى في كل أسرة تستعيد توازنها حماية للبنة الأساسية في المجتمع، وفي كل قضية تنتهي برضا أطرافها تأكيدا لمعنى لقب المختارة ومسؤوليته.
تقر حرب بأن الوساطة الاجتماعية تملك حدودا واضحة؛ فقد تعذر عليها إنهاء قضايا احتاجت إلى تدخل قانوني أو حكم قضائي، وظلت ملفات أخرى عالقة بسبب تعطل المؤسسات أو تفاقم النزاع إلى مستوى يتجاوز قدرة المختارة على احتوائه.
وتدرك حرب أن المصافحة في نهاية الجلسة تمثل بداية اختبار الاتفاق؛ لذلك تواصل الاتصال بالأطراف وتسأل عن تنفيذ بنوده وسلامة أفراد الأسرة، خشية عودة الخلاف إلى نقطة الصفر. وتقول "انتهاء المشكلة لا يعني انتهاء القضية؛ النجاح الحقيقي للوساطة يُقاس بقدرة الحل على الاستمرار ومدى رضا الطرفين عنه".
قال الدكتور محمود فروخ، رئيس محكمة شرعية والعضو المنتدب لدى محكمة الاستئناف، إن حرب الإبادة وضعت الأزواج تحت ضغوط نفسية واقتصادية قاسية، في ظل العجز عن توفير النفقة والمأوى، ما أدى إلى تصاعد الخلافات الزوجية والقضايا الشرعية، وامتدت آثارها إلى الأطفال وحقوقهم، وهي ملفات تتولى المحاكم الشرعية الفصل فيها وفق أحكام القانون.
ويوضح فروخ أن للمخاتير دورا مساعدا في عمل المحاكم، خاصة في البحث والتحري عن أطراف الدعوى وتحديد أماكن إقامتهم، إذ قد تطلب المحكمة إفاداتهم للوصول إلى معلومات عن المدعى عليه أو أسرته، وتتعامل المحكمة مع هذه الإفادات بوصفها قرائن استئناسية تعينها على استكمال إجراءاتها، فيما يبقى تقدير الأدلة وإصدار الأحكام من اختصاص القضاء.
ويمتد هذا الدور، وفق فروخ، إلى تزويد المحكمة ببعض المعلومات الاجتماعية والعائلية في قضايا الولاية، فضلا عن توقيع المخاتير على بعض المضابط المتعلقة بالزواج، بحكم معرفتهم بالعائلات وأحوال أفرادها، وقد ازدادت أهمية هذا الإسناد المجتمعي خلال الحرب، مع تشتت السكان وصعوبة الوصول إلى العناوين وتعطل جانب واسع من عمل المؤسسات.
ويرى القاضي الشرعي أن تدخل المختار أو المختارة في تسوية نزاع معروض أمام المحكمة يمكن أن يختصر مساحة الخلاف ويقرب المتخاصمين من الحل، قائلا إن وصول الطرفين إلى القضاء بعد إحراز تقدم عبر الوساطة يعني أن "جزءا من المشكلة أصبح محل توافق، وتستكمل المحكمة معالجة ما تبقى منها وفق القانون".
ويضع فروخ حدا فاصلا بين المصالحة المجتمعية والحكم القضائي؛ فالوسيط يستطيع تقريب وجهات النظر وتهيئة الاتفاق، بينما تتطلب القضايا المعروضة أمام القضاء حضور أطرافها وتثبيت ما توصلوا إليه لدى المحكمة الشرعية حتى يكتسب أثره القانوني، وحين تتعثر جهود الوسطاء، ينتقل النزاع إلى القضاء ليصدر فيه حكما ملزما، في وقت تنتهي فيه دعاوى عديدة بالتراضي والإصلاح قبل بلوغ مرحلة الحكم.
وتؤدي دائرة الإرشاد والإصلاح الأسري، التابعة للمحكمة الشرعية، دورا مؤسسيا في هذا المسار؛ إذ تستقبل النزاعات، وتسعى إلى تقريب المواقف وصوغ اتفاقات تحفظ حقوق الأطراف، ثم تثبت الاتفاق المستوفي للشروط ليصبح سندا قابلا للتنفيذ أمام القضاء؛ وبذلك تتحرك الوساطة الأهلية ودائرة الإرشاد والمحكمة ضمن مسارات متكاملة، يبدأ أولها بمحاولة احتواء الخلاف، وينتهي آخرها بإضفاء الحماية القانونية على الحقوق والاتفاقات.
وقد منح قانون أصول المحاكمات الشرعية رقم (12) لسنة 1965 المخاتير دورا إجرائيا في التبليغات القضائية، إذ نصت المادة (20) على توقيع المختار الذي يحضر مع مأمور التبليغ، والاستعانة بجيران المبلّغ إليه عند تعذر حضور المخاتير بنص المادة: "سابعًا– إمضاء المباشر ومن حضر معه من المخاتير، وإذا لم يوجد أحد من هؤلاء المخاتير أو لم يلبوا دعوة المباشر، فيكلّف المباشر اثنين من جيران المبلّغ إليه القريبين أن يمضيا الورقة المرقومة، وإذا لم يمكن ذلك، تعيّن على المباشر أن يكتب ورقة ضبط بواقعة الحال ويرفعها إلى رئيس المحكمة، وحينئذ يصحبه الرئيس باثنين لإيفاء هذه المعاملة، ويشير إلى ذلك في ورقة الضبط المذكورة، ويعطي صورة الضبط إلى من يحرر على هذا النمط، إلى الذي طلب التبليغ، ويسلّم أصلها إلى قلم المحكمة لتوضع مع أوراق الدعوى، ويعتبر تاريخ هذه الضبطية تاريخ التبليغ".
وبين مجلسها والجلسات التي فرضت الخيام أماكنها، ترسم تجربة حرب مساحة مشتركة بين المختار والمختارة، قائمة على تكامل الدورين، فبعض الأبواب الاجتماعية يفتحها حضور الرجل، فيما تبقى القضايا النسائية والعائلية الحساسة أقرب إلى امرأة تستطيع الإصغاء إلى ما يدور خلف الأبواب، وفي واقع فككت فيه الحرب البيوت وبدلت موازين القوة داخل الأسرة، أصبحت المختارة حلقة في شبكة حماية اجتماعية يحاول الغزيون نسجها مما تبقى من المؤسسات والروابط الأسرية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة