أثير في الآونة الأخيرة جدل، بسبب تقدم أحد الإعلاميين بطلب للقيد في نقابة الصحفيين، وهو الجدل الذي تدخل فيه نقيب الإعلاميين طارق سعدة، عندما أعلن أن الإعلامي ليس مقيدًا في جداول نقابة الإعلاميين، الأمر الذي يعني أنه يعمل في مهنة التقديم التلفزيوني بالمخالفة للقانون، وقد رد عليه المعني بذلك شريف عامر بأنه منتحل صفة "النقيب"، الأمر الذي انتقل باسم نقابة الإعلاميين ليطفو على السطح، بعد عقد على تأسيسها. وقد تدخل إعلامي يعمل في المحاماة في الوقت نفسه، هو خالد أبو بكر، وأكد أنه لا وجود قانونًا لكيان يحمل اسم نقابة الإعلاميين، ليطرح هذا الجدل سؤالًا عن النقابة نفسها التي لم تكن قبل ذلك موضوعًا مطروحًا للنقاش.
فقد ولدت نقابة الإعلاميين بعد أن كانت حلمًا راود أجيالًا من المذيعين في الإذاعة والتلفزيون، حيث كان هناك رفض دائم من جانب نقابة الصحفيين للاعتراف بأنهم جديرون بالعضوية فيها؛ فالقانون واضح، وهو أن القيد قاصر على العمل في صحيفة تصدر دوريًا أو في وكالة أنباء.
وقد كانت هناك محاولة فشلت عندما فوجئت الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين بمشروع قانون أعدته إدارة الشؤون القانونية لمؤسسة "الأهرام" بطلب من نقيب الصحفيين ورئيس المؤسسة إبراهيم نافع، وهو المشروع الذي أجاز للعاملين في اتحاد الإذاعة والتلفزيون، سواء كانوا مذيعين أو مخرجين أو معدين، الانضمام للنقابة، وذلك في سنة 1988، وكان هذا هو الباب الذي حرض الصحفيين في غالبيتهم ضد المشروع. وتحولت ندوة عقدت بالنقابة، بمبناها القديم بشارع عبد الخالق ثروت بوسط القاهرة، إلى جمعية عمومية غير عادية، اتخذت قرارها برفض مشروع القانون، والتأكيد على أنها ترفض تعديل القانون الحالي، الآن أو مستقبلًا، باعتبار أن الأجواء غير مناسبة لذلك.
وإذا كان وزير الإعلام القوي صفوت الشريف يرحب بقيد العاملين تحت رئاسته في نقابة الصحفيين، ليخلق لنفسه نفوذًا داخل النقابة، فإنه كان يرفض أن يكون للعاملين في مبنى الإذاعة والتلفزيون نقابة خاصة بهم، ونقل على لسانه القول: "على جثتي". ويرتب قانون نقابة الصحفيين أدوارًا لما كان يسمى وزير الإرشاد القومي، وقد تغير المسمى إلى وزارة الإعلام، ليبدو الموقع كما لو كان قد انشطر إلى وزارتين، الأخرى هي وزارة الثقافة. ومن هنا رأت التقاليد النقابية بعد ذلك أن هذه النصوص معطلة، شأنها في ذلك شأن النص الذي يجعل من أهداف النقابة نشر الفكر الاشتراكي.
وقد رفعت مطالب بنقابة تبناها الإعلامي شفيع شلبي، تحمل اسم "نقابة الإذاعيين"، ولم يكتف بمجرد الدعوة لها في المؤتمرات، بين الحين والآخر، وإنما أعد مشروعًا كاملًا، لم تكن الظروف مؤاتية لإقراره. وكان يرى بعد ذلك أن مسمى "الإعلاميين" مضلل؛ لأنه سيجمع بين أطياف ومستويات مختلفة في العمل التلفزيوني والإذاعي لا يجوز أن تجتمع في نقابة واحدة.
وعندما تولى أنس الفقي منصب وزير الإعلام في فبراير 2005، أعلن في أيامه الأولى بالوزارة أنه بصدد إنشاء نقابة للإعلاميين، لكن سرعان ما تجاوز ذلك، لتصبح مطلبًا بعد الثورة، إلى أن تمت الموافقة عليها بالقانون رقم 93 لسنة 2016 بإصدار قانون نقابة الإعلاميين.
لتحدث بذلك أول معضلة تسبب فيها القانون، حيث بدا المشرع منبت الصلة بالخبرة المصرية في مجال تأسيس النقابات، التي بدأت قبل قرن بتأسيس نقابة المحامين.
القانون حدد عمر لجنة التأسيس بستة أشهر.. فكيف استمرت قرابة عشر سنوات؟
لم يكن إنشاء نقابة الإعلاميين بالقانون رقم 93 لسنة 2016 نهاية لمسار تأسيسها، وإنما رسم القانون مرحلة انتقالية تتولى خلالها لجنة مؤقتة إجراءات التأسيس، وفتح باب القيد والتحقق من شروط العضوية، وإدارة أعمال النقابة إلى حين انتخاب أول مجلس إدارة.
وحدد المشرع لهذه المرحلة سقفًا زمنيًا لا يتجاوز ستة أشهر من تاريخ أول اجتماع للجنة، بما يفترض أن تنتهي بعدها الإدارة المؤقتة وتنتقل النقابة إلى مؤسساتها المنتخبة. غير أن الانتخابات لم تجر خلال هذه المدة، واستمرت لجنة التأسيس في إدارة النقابة، ثم استقال رئيسها حمدي الكنيسي، وأصدر رئيس مجلس الوزراء في يونيو/حزيران 2019 قرارًا بتولي طارق سعدة القيام بأعمال رئيس اللجنة المؤقتة، بعد ما يقرب من عامين على انتهاء المدة التي حددها القانون للمرحلة التأسيسية.
ولا تقتصر الإشكالية على استمرار لجنة مؤقتة بعد انقضاء المدة المحددة لإنجاز مهمتها؛ إذ ربط القانون انتهاء المرحلة التأسيسية بانتخاب مجلس إدارة تتوزع بينه وبين الجمعية العمومية واللجان المختصة مجموعة من الصلاحيات، كما أحال إلى هذه المؤسسات استكمال جانب مهم من البناء التنظيمي للنقابة، وفي مقدمته إصدار اللائحة الداخلية التي تتوقف عليها أحكام تفصيلية تتعلق بالقيد والعضوية والشعب والانتخابات والاختصاصات والشؤون المالية والمعاشات والإعانات وغيرها. كما أسند القانون إلى مجلس الإدارة إعداد مشروع ميثاق الشرف الإعلامي، وإلى الجمعية العمومية الموافقة عليه، في حين استمرت ممارسة هذه الوظائف في ظل غياب المؤسسات المنتخبة التي افترض القانون قيامها.
وتتجاوز آثار هذا الوضع البناء الداخلي للنقابة إلى ممارسة سلطاتها تجاه الإعلاميين أنفسهم؛ فالقانون جعل القيد أساسًا لاكتساب صفة الإعلامي، وجرم ممارسة النشاط الإعلامي بالمخالفة لقواعد القيد، ورتب عقوبات على الفرد وعلى المسؤول عن الوسيلة الإعلامية التي تسمح لغير المقيد بممارسة النشاط. ومن ثم تثير ممارسة سلطات القيد والتحقيق والوقف وغيرها في ظل استمرار الإدارة المؤقتة سؤالًا يتصل بالسند القانوني للجهة التي تمارس هذه الاختصاصات وبالآثار المترتبة على قراراتها.
ومن هنا تنطلق الدراسة من سؤال رئيسي: ما المركز القانوني للجنة التأسيس بعد انقضاء مدة الأشهر الستة التي حددها المشرع، وما أثر استمرار المرحلة التأسيسية على البناء المؤسسي لنقابة الإعلاميين وعلى ممارسة الاختصاصات التي وزعها القانون بين مجلس الإدارة والجمعية العمومية واللجان النقابية؟
ويتفرع عن هذا السؤال ما إذا كانت سلطة الحكومة التي قررها القانون لمرحلة التأسيس تمتد إلى ما بعد انقضاء مدتها، وما أثر عدم الانتقال إلى المؤسسات المنتخبة في إصدار اللائحة الداخلية وميثاق الشرف ومدونة السلوك، وفي مباشرة سلطات القيد والمساءلة وتنفيذ الالتزامات والعقوبات التي رتبها القانون.
إن عدم الاطلاع على عملية تأسيس النقابات المهنية القائمة قد يجعل من تشكيل أول مجلس للنقابة معضلة؛ فنقابات المحامين والأطباء والصحفيين والمهندسين، ونقابات الفنون الثلاث (الموسيقية والتمثيلية والسينمائية)، كلها اختارت مجالسها الأولى بالانتخاب، ولم يحدث أن كانت الحكومة طرفًا في ذلك، وقد تأسس بعض هذه النقابة في أربعينات القرن الماضي.
الأمر الذي اختلف في حالة نقابة الإعلاميين؛ إذ تم التعامل معها على أنها مؤسسة حكومية، فكان النص في المادة الثانية من مواد الإصدار يخول لرئيس الحكومة، بعد موافقة مجلس الوزراء، إصدار قرار بتشكيل لجنة مؤقتة من أحد عشر إعلاميًا من ذوي الخبرة من العاملين في المجال الإعلامي العام والخاص، تتولى مباشرة إجراءات تأسيس نقابة الإعلاميين، بما في ذلك فتح باب القيد والتحقق من توافر شروط العضوية المنصوص عليها في القانون، ويكون للجنة رئيس ووكيلان وأمين صندوق، يحددهم القرار الصادر بتشكيلها.
وكانت الفقرة الأخيرة في هذه المادة تمثل مشكلة جديدة، رغم وجاهتها؛ فقد منعت رئيس اللجنة المؤقتة (النقيب) وأعضاءها من الترشح لعضوية أول مجلس لنقابة الإعلاميين.
وإذا كان القانون قد صدر من مجلس النواب ونشر في الجريدة الرسمية في أول يناير 2017، فقد صدر قرار رئيس مجلس الوزراء بتاريخ 7 مارس 2017 بتشكيل ما أطلق عليه "لجنة مؤقتة تتولى مباشرة إجراءات تأسيس نقابة الإعلاميين"، برئاسة رئيس الإذاعة المصرية الأسبق حمدي الكنيسي (نقيبًا)، وسهام صالح محمود، المذيعة بقناة إم بي سي (وكيل أول)، وطارق علي محمد سعدة، مذيع أول بقنوات النيل المتخصصة (الوكيل الثاني)، وحمدي متولي محمد عبد الله، مدير عام التنويهات بالتلفزيون (أمين الصندوق)، بجانب سبعة أعضاء، ليكون العدد أحد عشر كما نص القانون.
وكان ينبغي أن تجرى الانتخابات في غضون ستة أشهر، تنتهي في 7 سبتمبر 2017، لكن اللجنة المؤقتة استمرت بالمخالفة للقانون. وحاول حمدي الكنيسي تعديل مواد في القانون عبر مجلس النواب، لأنها شابها عدم الدستورية بحسب قوله، في حين أن مذكرة محمود فوزي، مستشار رئيس المجلس، أفادت بغير ذلك.
فقد جاء فيها أنه بتاريخ 29 نوفمبر 2018 أحال رئيس المجلس إليه (المستشار القانوني) الطلب المقدم من النائب أسامة هيكل، رئيس لجنة الإعلام والثقافة والآثار، الذي يلتمس فيه عرض مشروع القانون المقدم من النائب أسامة شرشر وآخرين (أكثر من عشرة أعضاء بالمجلس)، على أساس أن بعض مواد القانون تنطوي على شبهة مخالفة دستورية.
وأفادت المذكرة بأنه، بالاطلاع على مشروع القانون المقدم من النواب، تبين أنهم أثاروا مسألة الدستورية في مناسبة واحدة تتعلق بالحكم الوارد بالفقرة الأخيرة من المادة الثانية من مواد الإصدار، حيث يرون أن هذه الفقرة انطوت على شبهة مخالفة دستورية لما تضمنته من حظر الترشح لعضوية أول مجلس لنقابة الإعلاميين على أعضاء اللجنة المؤقتة التي تتولى إجراءات تأسيس النقابة.
وقد نفت المذكرة شبهة عدم الدستورية؛ لأن الحظر مؤقت لدورة انتخابية واحدة، وأفادت بأن الأعمال التحضيرية لهذا النص تشير إلى أنه حكم استحدثه مجلس النواب، حيث جاء مشروع القانون المقدم من الحكومة خاليًا منه، وقد استهدف به المشرع تجنب تعارض المصالح من جهة، وتوفير الحيدة والنزاهة في أعمال اللجنة المؤقتة من جهة أخرى. وأوضحت أن قبول أعضاء اللجنة المؤقتة التعيين في عضويتها يعني بالضرورة موافقتهم على عدم الترشح لعضوية أول مجلس للنقابة، الأمر الذي يعني أن هذه الفقرة تنظم الحق في الترشح لعضوية مجلس النقابة ولا تصادره، ومن ثم لا تنطوي على شبهة مخالفة دستورية.
وفي يوم الثلاثاء 25 ديسمبر 2018 نشرت الصحف استقالة حمدي الكنيسي من منصب نقيب الإعلاميين، وقال في بيان له: "فوجئت بما أعلنه رئيس لجنة الثقافة والإعلام والآثار بمجلس النواب عن رفض اللجنة لمشروع قانون بتعديل مواد في قانون إنشاء نقابة الإعلاميين، وذلك دون العرض على اللجنة الدستورية والتشريعية بالمجلس، وفقًا لطلب مقدم مشروع القانون النائب أسامة شرشر".
وأشار إلى أنه لم يكن من تقدم بطلبات إنقاذ قانون النقابة من 6 مواد تمثل عوارًا دستوريًا وقانونيًا، بل كان ذلك بمبادرات من نواب لهم كل الاحترام، مثل النائب طاهر أبو زيد، والنائب تامر عبد القادر، وأخيرًا النائب أسامة شرشر، موضحًا أن تحمسه للتعديل لا يرجع إلى مصلحة شخصية له؛ لأن إحدى المواد تمنعه وبقية أعضاء اللجنة التأسيسية من الترشح لانتخابات مجلس الإدارة.
ورغم أنه معين بقرار من رئيس الحكومة بعد موافقة مجلس الوزراء (كما تنص المادة الثانية)، فإنه أعلن قراره بتقديم استقالته من رئاسة اللجنة التأسيسية إلى الرئيس، شاكرًا الثقة التي منحتها له الدولة.
ورغم ما جاء في مذكرة المستشار القانوني لرئيس مجلس النواب من تلميح إلى أن طلب التعديل وراءه الرغبة في الترشح، ورغم أن الكنيسي أعلن أن هذا لم يكن الدافع لأنه ليس صاحب طلب التعديل، فإنه لم يقطع بعدم ترشحه.
ولم يعلن مجلس الوزراء، صاحب الاختصاص، قبول استقالة حمدي الكنيسي من منصب نقيب الإعلاميين إلا في 2 يونيو 2019، بعد أكثر من خمسة أشهر، وذلك بما جاء في ديباجة قرار رئيس مجلس الوزراء بتولي طارق علي محمد سعدة، "مذيع أول بقنوات النيل المتخصصة، بالإضافة إلى كونه الوكيل الثاني لنقابة الإعلاميين، القيام بأعمال رئيس اللجنة المؤقتة التي تتولى مباشرة إجراءات تأسيس نقابة الإعلاميين (نقيب الإعلاميين)، والمشكلة بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 573 لسنة 2017".
وقد وقع القرار في إشكالية قانونية؛ فليس لمجلس الوزراء أو رئيسه صلاحية لاتخاذ مثل هذا القرار، بقبول الاستقالة أو تعيين البديل، فقد انتهت هذه السلطة قانونًا بعد ستة أشهر من تعيين اللجنة المؤقتة برئاسة حمدي الكنيسي في 7 مارس 2017، أي في 7 سبتمبر 2017، وكان من المفترض أن تجرى الانتخابات قبل هذا التاريخ. لكن استمرت النقابة في هذا البطلان القانوني منذ هذا التاريخ وحتى الآن، مع ما تخلل ذلك من استقالة حمدي الكنيسي بعد هذا التاريخ، وقبول الحكومة لها من دون أن يكون لها أي اختصاص، وتعيينها لنقيب جديد بالمخالفة للقانون.
والملاحظة هنا أنه إذا كان قد جرى تصعيد الوكيل الثاني طارق سعدة إلى موقع "النقيب"، فقد مثل هذا إخلالًا بتركيبة اللجنة المؤقتة التي تتشكل من أحد عشر إعلاميًا؛ فلم يتم اختيار عضو للمقعد الذي خلا بهذا التصعيد لطارق سعدة.
ولم يكن تشكيل اللجنة هو الاختصاص الوحيد للحكومة؛ فالمادة الخامسة من مواد الإصدار، نصت على: "يصدر رئيس مجلس الوزراء القرارات اللازمة لتأسيس النقابة بناء على اقتراح لجنة التأسيس". وهو، فضلًا عن أنه يمنح سلطة للحكومة في النقابة التي ليست مصلحة حكومية تخضع للحكومة، فإن النص يوحي كما لو كانت النقابة لم تؤسس بالفعل، وأن لجنة التأسيس منوط بها أن تقدم اقتراحات بتأسيسها للحكومة التي تصدر بشأنها القرارات اللازمة. وهنا نكون أمام إشكالية قانونية؛ فالنقابة صارت قائمة بالفعل بقانون تأسيسها، وليست بحاجة إلى مقترحات تتحول إلى قرارات لازمة لتأسيس النقابة. فالأمر مخالف للواقع؛ فالنقابات تؤسس بقانون بحسب الدستور، حيث نصت المادة 77 من الدستور الحالي على: "ينظم القانون إنشاء النقابات المهنية وإدارتها على أساس ديمقراطي، ولا تنشأ لتنظيم المهنة سوى نقابة واحدة…".
وقد جاءت المادة التالية في القانون، وهي المادة السادسة، لتقطع الشك باليقين، وتؤكد أن النقابة كيان قائم بذاته، وليست في طور التأسيس؛ إذ نصت على أنه يتعين على كل من يمارس نشاطًا إعلاميًا، وفق التعريف الوارد في القانون المرفق، التقدم إلى لجنة التأسيس بطلب لقيده في نقابة الإعلاميين، وذلك خلال ثلاثة أشهر من تاريخ العمل بهذا القانون، ولذوي الشأن التظلم من قرار اللجنة إلى مجلس إدارة النقابة، وذلك خلال ستين يومًا من تاريخ انتخابه، وفقًا للأحكام والإجراءات المتعلقة بالتظلم من قرار لجنة القيد المنصوص عليها في القانون المرفق.
وهنا، إن كان قد تم النص على أنها "لجنة تأسيس"، فقد تم الإقرار بأن النقابة قائمة، وأن من لجانها لجنة للقيد يمكن التظلم من قراراتها.
وقد أقرت المادة الثانية من القانون إنشاء نقابة مهنية للإعلاميين تكون لها الشخصية الاعتبارية، ومقرها الرئيسي محافظة القاهرة، ويكون لها إنشاء فروع في المحافظات طبقًا للائحة.
وقد أناط القانون بلجنة التأسيس المشار إليها في المادة الثانية وضع لائحة تنظم طريقة عملها وإجراءات اتخاذ قراراتها، وتتولى مؤقتًا إدارة جميع أعمال النقابة المنصوص عليها في القانون المرفق أو أي قانون آخر. وقد نصت هذه المادة (الثالثة) للمرة الثانية على أن اللجنة تنتهي بانتخاب مجلس إدارة النقابة؛ إذ لم تترك الأمر مفتوحًا، ولكن حددته بالنص: "على أن يتم ذلك خلال ستة أشهر على الأكثر من تاريخ أول اجتماع لها…". غير أن اللجنة، إلى الآن، لم تقم بوضع اللائحة رغم أهميتها، وقد ورد مسمى اللائحة الداخلية في 21 مادة من القانون.
العضوية والاشتراكات والانتخابات والمعاشات..
ملفات أحالها القانون إلى لائحة لم تصدر
أولى قانون نقابة الإعلاميين رقم 93 لسنة 2016 اللائحة الداخلية أهمية استثنائية، فلم يترك لها تنظيم مسائل إجرائية ثانوية، وإنما أحال إليها عددًا كبيرًا من الأحكام التي يتعذر استكمال تنظيمها التفصيلي بالنص القانوني وحده.
وقد بدأ هذا الدور منذ مرحلة تأسيس النقابة؛ إذ ألزمت المادة الثالثة من مواد إصدار القانون لجنة التأسيس بأن تضع لائحة تنظم طريقة عملها وإجراءات اتخاذ قراراتها وإدارة جميع أعمال النقابة لحين انتخاب أول مجلس إدارة، بينما نصت المادة الخامسة من مواد الإصدار على أن يصدر رئيس مجلس الوزراء القرارات اللازمة لتأسيس النقابة بناء على اقتراح لجنة التأسيس.
وبعد انتخاب أول مجلس إدارة، نقل القانون الاختصاص بإصدار اللائحة الداخلية إلى الجمعية العمومية، بناء على اقتراح مجلس الإدارة، وفق المادة 22 من قانون النقابة. كما أوجبت المادة السابعة من مواد الإصدار على الجمعية العمومية إصدار اللائحة الداخلية خلال مدة لا تجاوز 60 يومًا من تاريخ انتخاب مجلس الإدارة، ونشرها في الوقائع المصرية. وبذلك ميز المشرع بين لائحة مرحلة التأسيس واللائحة الداخلية الدائمة للنقابة، وحدد لكل منهما جهة الاختصاص وإجراءات الإصدار.
وتكشف إحالات القانون المتكررة إلى اللائحة الداخلية عن اتساع المجال الذي تركه المشرع لها، ويمكن حصر ما عهد إليها بتنظيمه في المجالات الآتية:
وهذه الإحالات تعني أن اللائحة لا تقتصر في مجال العضوية على التفاصيل الإدارية، وإنما تحدد القواعد التنفيذية التي تتحرك من خلالها العضوية بين الجداول المختلفة، وإجراءات اكتساب المركز النقابي أو تغييره، فضلًا عن تنظيم الشعب التي تعكس مجالات النشاط الإعلامي المختلفة داخل النقابة.
وبذلك تحتل اللائحة موقعًا محوريًا في تشغيل نظام الحماية الاجتماعية للنقابة؛ فالقانون يقرر أصل الحق أو الميزة، بينما يترك للائحة تحديد حالات الاستحقاق وشروطه وضوابطه وقيمته أو المستندات اللازمة للحصول عليه.
يظهر من مجموع هذه المواد أن اللائحة الداخلية في قانون نقابة الإعلاميين لم تكن مجرد وثيقة لتنظيم الشؤون الإدارية الداخلية، بل أرادها المشرع أداة تنفيذ رئيسية للقانون. فهي التي تستكمل أحكام القيد والعضوية والجداول والشعب، وتنظم الترشيح والانتخابات وتوزيع بعض الاختصاصات، وتحدد جوانب من النظام المالي، وتضع القواعد التفصيلية للمعاشات والإعانات والقروض والمزايا الاجتماعية، فضلًا عن أن القانون نفسه يجعل الالتزام بها جزءًا من واجبات عضو النقابة.
ومن ثم، فإذا لم تصدر اللائحة الداخلية الدائمة التي أوجب القانون إصدارها، فإن الأثر لا يقتصر على غياب تنظيم إداري داخلي للنقابة، وإنما يمتد إلى بقاء عدد من الأحكام التي أحالها المشرع إليها دون تنظيمها التنفيذي الذي افترض القانون وجوده. وتزداد دلالة ذلك لأن المادة السابعة من مواد الإصدار لم تترك توقيت إصدار اللائحة مفتوحًا، بل ألزمت الجمعية العمومية للنقابة بإصدارها بناء على اقتراح مجلس الإدارة خلال مدة لا تجاوز 60 يومًا من تاريخ انتخابه، مع نشرها في الوقائع المصرية.
وهنا ينبغي التمييز بين مسؤولية لجنة التأسيس ومسؤولية أجهزة النقابة المنتخبة: فلجنة التأسيس كان عليها، وفق المادة الثالثة من مواد الإصدار، وضع لائحة لتنظيم عملها وإدارة أعمال النقابة في المرحلة المؤقتة، كما خولت المادة الخامسة رئيس مجلس الوزراء إصدار القرارات اللازمة لتأسيس النقابة بناء على اقتراح لجنة التأسيس؛ أما اللائحة الداخلية الدائمة للنقابة، فقد جعلت المادة السابعة من مواد الإصدار اقتراحها من اختصاص مجلس الإدارة وإصدارها من اختصاص الجمعية العمومية. ومن ثم، فإن نسبة عدم إصدار اللائحة الدائمة إلى لجنة التأسيس وحدها لا تتفق مع توزيع الاختصاصات الذي رسمه القانون نفسه.
القانون يجرّم ممارسة الإعلام دون قيد.. فمن يملك سلطة القيد؟
وفي الممارسة الواقعية، فقد انفرد طارق سعدة بكل شيء في النقابة؛ وتحول الموقع الإلكتروني للنقابة وصفحاتها على منصات التواصل الاجتماعي إلى صفحات شخصية له، فكل الأخبار عنه وعن تحركاته، ولجان مناقشات الماجستير والدكتوراه التي يشارك فيها، والحديث باسمها في وسائل الإعلام، بجانب التكريم الذي يتلقاه بصفته نقيب الإعلاميين، واستقبال طالبي القيد. وهو من يسلم بطاقات العضوية، ويتخذ القرارات الخاصة بوقف مذيع أو مذيعة أو التحقيق معه أو معها. فلا خبر ينشر عن لجان للتأديب أو التحقيق عقدت، ولا عن اجتماع لمجلس النقابة أو لجنة القيد، وليس معلومًا إلى الآن إن كان قد تم تشكيلها أم لا، مع أن من اختصاص اللجنة المؤقتة فتح باب القيد والتحقق من توافر شروط العضوية المنصوص عليها في القانون، وذلك بحسب المادة الثانية من مواد الإصدار.
وبالنظر إلى الإجراءات المتبعة في نقابة الصحفيين، فإن استلام أوراق القيد يقوم به موظف من الجهاز الإداري، الذي يعرض الملفات على لجنة القيد. وكان الإجراء في السابق أن يقوم الموظف الإداري المختص بتسليم بطاقات العضوية، لكن مجلس النقابة استحدث احتفالًا لتسليم بطاقات العضوية للأعضاء الجدد، بحضور النقيب وأعضاء مجلس النقابة.
وقد نشرت احدى العاملات في الحقل الاعلامي عن تسلمها لتصريح مزاولة المهمنة من النقيب بملابسه الرياضية، وفي يوم عطلة رسمية
بالقانون.. الحبس والغرامة عقوبة عمرو أديب وشريف عامر
وتكمن الإشكالية الأخرى فيما فجرته أزمة طلب شريف عامر للقيد بنقابة الصحفيين، وهو المذيع السابق بقناة النيل للأخبار ومقدم برامج بقناة إم بي سي، والجدل الذي حدث بينه وبين طارق سعدة بعد كشفه أن عامر ليس عضوًا في نقابة الإعلاميين، واتهام عامر له بأنه منتحل صفة نقيب الإعلاميين؛ إذ أعلن سعدة أن كلًا من شريف عامر وعمرو أديب (مقدم برنامج بالقناة نفسها) ليسا إعلاميين؛ لأنهما ليسا عضوين في النقابة.
وهو كلام صحيح من الناحية القانونية؛ فقانون نقابة الإعلاميين يحدد أن "الإعلامي" هو كل من يقيد في النقابة، ويباشر نشاطًا إعلاميًا في إحدى الوسائل الإعلامية بناء على رابطة قانونية قوامها أداء عمل لصالح الوسيلة الإعلامية ويتخذه مهنة للكسب، وذلك في مجالات تقديم البرامج، والإخراج، والإعداد، والتحرير، والمراسلة الإعلامية، أو غيرها من المجالات التي يصدر بتحديدها قرار من الجمعية العمومية (المادة 1).
وقد رتب القانون عقوبة على كل من مارس نشاطًا إعلاميًا بالمخالفة لقواعد القيد بجداول النقابة المقررة في هذا القانون؛ إذ يعاقب، مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد في أي قانون آخر، بالحبس وبغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تزيد على مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
ويعاقب بالعقوبات ذاتها كل من تحايل أو أدلى ببيانات أو معلومات غير صحيحة للقيد بجداول النقابة، أو انتحل صفة إعلامي، أو أخفى معلومات عن النقابة تؤثر سلبًا على حقوقها، وهو ما جاء في المادة 88 من القانون. وتنتقل المادة التالية (89) إلى مستوى آخر، فتعاقب المسؤول عن الإدارة الفعلية للوسيلة الإعلامية في الجهات غير الحكومية (الإعلام الخاص) بغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تزيد على مائة ألف جنيه، إذا سمح لأحد الأفراد غير المقيدين بجداول النقابة بممارسة النشاط الإعلامي، وللمحكمة في هذه الحالة الحكم بغلق المنشأة التي قامت بذلك، وحرمان المحكوم عليه من ممارسة النشاط الإعلامي داخل جمهورية مصر العربية، وذلك خلال المدة التي تحددها المحكمة.
وفي حالة العودة تضاعف الغرامة، ويكون الغلق وجوبيًا إذا ارتكبت المخالفة للمرة الثانية، وذلك خلال المدة التي تحددها المحكمة، وفي جميع الأحوال تتعدد عقوبة الغرامة بتعدد المخالفات.
وهو إشكال قانوني، ليس في هذا الإلزام بالعضوية؛ فمصر تأخذ بالعضوية الإلزامية في النقابات لمن يمارسون الأنشطة المهنية، كالمحامين والأطباء والفنانين والمهندسين والصحفيين، حيث تكون العضوية هي ترخيص مزاولة المهنة، باستثناء الأطباء، حيث يوجد تمييز بين ترخيص مزاولة المهنة وعضوية النقابة.
فالإشكال القانوني، بجانب هذا، أن اللجنة المؤقتة التي تدير شؤون النقابة تبدو في حالة تسامح مع ذلك؛ فلم تعلن عدم عضوية إعلاميين إلا بسبب التجاذبات التي حدثت، وظل التستر على حالتيهما المخالفتين للقانون لعقد من الزمان.
وليس في سلطة النقابة الآن اتخاذ الإجراءات القانونية ضد من يباشرون مهنة الإعلام دون أن يكونوا أعضاء، لانعدام الصفة القانونية للجنة، وعدم قانونية قرار الحكومة المصرية بتعيين طارق سعدة نقيبًا، وبطلان عضوية أعضاء اللجنة؛ فتعيينهم نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 7 مارس 2017، والنص القانوني، سواء في المادة الثانية أو الثالثة من مواد الإصدار، أن مهمتها تنتهي خلال ستة أشهر على الأكثر من تاريخ أول اجتماع لها.
تنطلق هذه الدراسة من سؤال رئيسي حول المركز القانوني للجنة تأسيس نقابة الإعلاميين بعد انقضاء المدة التي حددها المشرع بستة أشهر، وأثر استمرار هذه المرحلة على البناء المؤسسي للنقابة وممارسة الاختصاصات الموزعة بين مجلس الإدارة والجمعية العمومية واللجان النقابية. وتخلص الدراسة إلى الإجابات التالية عن هذا السؤال وفروعه:
أولًا، من حيث المركز القانوني للجنة المؤقتة: انتهت الصفة القانونية للجنة التأسيس بانقضاء المدة المحددة في 7 سبتمبر 2017، ولم يكن لمجلس الوزراء أو رئيسه، بعد هذا التاريخ، أي اختصاص لقبول استقالة رئيسها أو تعيين بديل عنه؛ إذ إن سلطة الحكومة في هذا الشأن سلطة استثنائية مؤقتة تسقط بانقضاء أجلها، ولا تمتد بذاتها إلى ما بعد ذلك. وبناء عليه، فإن استمرار اللجنة في مباشرة اختصاصاتها منذ ذلك التاريخ وحتى الآن يفتقر إلى سند قانوني صريح.
ثانيًا، من حيث أثر ذلك على البناء المؤسسي للنقابة: أدى عدم الانتقال إلى المؤسسات المنتخبة إلى تعطيل استكمال البناء التنظيمي للنقابة في محورين رئيسيين:
اللائحة الداخلية الدائمة، التي أحال إليها القانون في أكثر من 21 مادة تنظيم جوانب جوهرية من العضوية والجداول والشعب والانتخابات والنظام المالي والمعاشات والإعانات، ولم تصدر حتى تاريخه؛ لعدم انتخاب مجلس إدارة يقترحها وجمعية عمومية تصدرها، وفق التوزيع الذي رسمته المادة السابعة من مواد الإصدار. ميثاق الشرف الإعلامي ومدونة السلوك المهني، اللذان أوجب القانون أن يعدهما مجلس الإدارة وتوافق عليهما الجمعية العمومية (م5)، وحدد مضمونهما الإلزامي الأدنى (م6)، وربط عضو النقابة بهما مباشرة عبر يمين القيد (م68) ومصادر واجباته المهنية (م69)؛ وقد تولت اللجنة المؤقتة اعتمادهما بنفسها، مما يثير تساؤلًا حول السند القانوني لإلزاميتهما بالصيغة التي اعتُمدا بها.
ثالثًا، من حيث ممارسة السلطات تجاه الإعلاميين أنفسهم: يترتب على غياب الصفة القانونية للجنة إشكالية موازية تتعلق بسلطاتها في القيد والتحقيق والمساءلة والعقوبات التي رتبها القانون (م88، م89)؛ إذ تمارس هذه السلطات جهة لم تعد لها الصفة القانونية لمباشرتها، وهو ما ينعكس على الأثر القانوني لقراراتها، ويثير في الوقت نفسه تناقضًا عمليًا بين تجريم القانون لممارسة النشاط الإعلامي دون قيد من جهة، والتسامح الفعلي مع حالات مخالفة استمرت لعقد من الزمان من جهة أخرى.
في ضوء ما تقدم، تدعو الدراسة إلى:
(1) الإسراع بإجراء انتخابات أول مجلس إدارة للنقابة، باعتباره المدخل الوحيد لتصحيح المسار المؤسسي وإنهاء حالة الفراغ القانوني القائمة.
(2) إعادة النظر تشريعيًا في النص الذي جعل تشكيل اللجنة المؤقتة وتعيين رئيسها من اختصاص السلطة التنفيذية، بما يتسق مع التقاليد النقابية المصرية القائمة على استقلال الاختيار عن الحكومة منذ التأسيس.
(3) إعادة عرض ميثاق الشرف الإعلامي ومدونة السلوك المهني على مؤسسات النقابة المنتخبة عند تشكيلها، تصحيحًا لمسار إقرارهما.
(4) توضيح الأثر القانوني للقرارات الصادرة عن اللجنة المؤقتة بعد انقضاء مدتها، تفاديًا لمنازعات مستقبلية حول مراكز من قُيدوا أو حوسبوا في ظل هذا الوضع.
بهذا، تكشف الحالة التي تناولتها الدراسة عن توتر بنيوي بين حرص المشرع على تأطير المهنة الإعلامية بمنظومة تنظيمية متكاملة (نقابة، لائحة، ميثاق شرف)، وبين واقع تطبيقي عطل هذه المنظومة في مرحلتها التأسيسية لتسع سنوات (7 سبتمبر/أيلول 2017- 30 أغسطس/آب 2026) ، بما يستدعي تدخلًا تشريعيًا أو مؤسسيًا عاجلًا، لا مجرد استمرار الأمر الواقع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة