في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في مخيم قلنديا، يذهب الأطفال إلى مدرسة تتبع لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا)، في حين يطل جدار الفصل على المكان. لقطة افتتاحية لا تحتاج إلى كثير من الشرح: بين صف مدرسي وجدار أسمنتي، تستمر حياة لجوء بدأ قبل أكثر من 7 عقود، ولا يزال يجد طريقه إلى يوميات جيل جديد.
لم تُنشأ الأونروا لتكون مؤسسة دائمة، بل جاءت في أعقاب نكبة 1948، لتقدم إغاثة وتشغيلا للفلسطينيين الذين هُجّروا من مدنهم وقراهم. لكن ما بدا تدبيرا مؤقتا تحوّل، مع غياب حل سياسي عادل، إلى بنية كاملة: بطاقة لجوء، وكرت مؤن، ومدرسة، وعيادة، وسجل عائلات يمتد من الجد إلى الحفيد.
في فيلم الجزيرة الوثائقي "الأونروا.. ذاكرة النكبة"، لا تُروى هذه الحكاية باعتبارها تاريخ وكالة أممية فقط، بل باعتبارها قصة شعب رفض أن يتحوّل تهجيره إلى حالة إنسانية بلا اسم وبلا ذاكرة.
يشرح الباحث في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى، جلال الحسيني، أن اللاجئين الفلسطينيين رفضوا منذ البداية التعامل معهم بوصفهم مجرد كتلة بشرية تحتاج إلى الإغاثة أو الدمج في البلدان المضيفة. ويقول إنهم كانوا يرددون: "لسنا كالألمان أو البولنديين.. نحن لاجئون سياسيون، ضحايا مؤامرات دولية، ويجب التعامل معنا بصورة منفصلة ومختلفة".
هذه العبارة مفتاح لفهم خصوصية الأونروا. فالفلسطيني الذي يحمل بطاقة لاجئ لا يطلب مساعدة فقط، إنما يتمسك أيضا باعتراف دولي بأن تهجيره لم يكن حادثا عابرا، وأن له منشأ سياسيا وحقوقا لم تسوَّ بعد.
لهذا لم يكن تسجيل اللاجئين في سجلات الوكالة تفصيلا إداريا محضا. وصار السجل، بمرور السنوات، دليلا على امتداد النكبة عبر الأجيال، وعلى أن القضية لم تغلق بمجرد توزيع المساعدات أو مرور الزمن.
يتذكر المؤرخ والسفير الفلسطيني السابق لدى اليونسكو إلياس صنبر بدايات اللجوء، حين اعتقد كثير من الفلسطينيين أن الغياب عن بيوتهم لن يطول. وكانت الأولوية آنذاك للمأوى والطعام، قبل أن تصبح الخيام مخيمات، وتتحول المخيمات إلى فضاءات حياة دائمة.
لكن الفيلم يلفت إلى أن الأونروا لم تبق عند حدود الإغاثة الغذائية. فقد دخلت، تدريجيا، إلى تفاصيل الحياة اليومية: التعليم والرعاية الصحية والتدريب المهني والخدمات الاجتماعية.
ويصف صنبر التعليم الذي وفرته الوكالة بأنه أحد تحولات تلك المرحلة، قائلا إن الأونروا وفّرت "وسيلة رائعة ودولية لتنظيم التعليم العام المجاني"، وجعلت التحاق الأطفال الفلسطينيين بالمدارس ممكنا من دون مقابل.
هكذا انتقل أثر الوكالة من كرت التموين إلى دفتر المدرسة. وصارت المدرسة مساحة تتجاوز التعليم؛ مكانا يلتقي فيه أبناء المخيم، ويصنعون معرفة وفرصا، ويحملون معهم رواية المكان الذي هُجّر منه آباؤهم وأجدادهم.
ويقول: "اليونسكو لا تدير أي صف دراسي في العالم، واليونيسيف لا تدير روضة أطفال، ومنظمة الصحة العالمية لا تدير عيادة، أما الأونروا فتقوم بكل ذلك بنفسها".
لهذا يصعب اختزال الحديث عن بديل للأونروا في العثور على مؤسسة أخرى توزع المساعدات. فالوكالة راكمت شبكة من المدارس والعيادات والموظفين والسجلات والخبرة المحلية داخل المخيمات ومجتمعات اللجوء في غزة والضفة الغربية والأردن ولبنان وسوريا.
ويحذّر هانسن من أن ضرب الوكالة لا يعني تقليص خدمة عابرة، بل يمس شبكة كاملة يستند إليها اللاجئون، قائلا "الهجوم على الأونروا هو هجوم على الأمم المتحدة بأكملها وعلى القانون الدولي، لا يمكن نزع العمود الفقري من جسد ما وتوقع أن يبقى واقفا دون أن ينهار".
هذه الشهادة تضع السؤال في مكانه: ماذا يُفقد إن تعطلت الأونروا؟ ليس حصص الإغاثة وحدها، بل البنية التي جعلت حياة ملايين اللاجئين ممكنة، ولو بالحد الأدنى، في ظل غياب الحل السياسي.
لا ينظر الفيلم إلى الأونروا كفاعل محايد خارج المجتمع الفلسطيني. فالعاملون فيها واللاجئون الذين يقصدون مدارسها وعياداتها هم أنفسهم أبناء القضية التي أنشئت الوكالة للتعامل مع آثارها.
وتقول مديرة الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ستيفاني لاتيه عبد الله إن الوكالة تحوّلت تدريجيا إلى ما يشبه "إدارة فلسطينية"، تشكلت ملامحها بفعل العاملين فيها واللاجئين الذين ارتبطت حياتهم بها. وتصف استمرارها بأنه "ثمن يدفعه المجتمع الدولي تعويضا عن عجزه السياسي" عن الوصول إلى حل عادل للقضية الفلسطينية.
هذه الفكرة تساعد في فهم التناقض الذي يحيط بالأونروا، فهي مؤسسة أممية، لكنها في الوقت نفسه متجذرة في الحياة الفلسطينية. ليست بديلا عن منظمة سياسية أو عن حق العودة، لكنها أصبحت وعاء يوميا لذاكرة اللجوء وللاعتراف الدولي باستمراره.
وفي هذا الإطار، يلفت المؤرخ والأستاذ في جامعة أكستير ببريطانيا، إيلان بابيه إلى أن الهجوم على الوكالة يتجاوز الخدمات، ويرتبط بما يراه محاولة لتدمير الفلسطينيين "رمزيا وتاريخيا"، بعد استهدافهم جسديا على الأرض.
يعرض الفيلم أيضا جانبا من السجال الإسرائيلي حول الوكالة، فعضو الكنسيت السابقة والمؤلفة المشاركة لكتاب "حرب العودة"، عينات ولف، ترى أن بقاء الأونروا يعزز فكرة العودة ويمنع دمج اللاجئين في الدول المضيفة، وتنتقد ما تعتبره دورا لمدارس الوكالة في تشكيل الهوية الوطنية الفلسطينية.
لكن الحسيني يشرح من جهة أخرى منطقا مختلفا لهذا الاستهداف: "إذا أوقفنا الأونروا، فسيخسر الفلسطينيون صفتهم كلاجئين، ويسهل دمجهم ونسيان عام 1948".
وبين الموقفين، تبدو المعركة على الأونروا أبعد من اتهامات تتصل بالمناهج أو التمويل أو إدارة الخدمات. إنها معركة على سؤال أعمق: هل يبقى اللاجئ الفلسطيني لاجئا في السجل الدولي إلى أن تُحل قضيته، أم يعاد تعريفه باعتباره مجرد محتاج إلى مساعدة إنسانية؟
في غزة، تعود القصة إلى بدايتها بصورة أكثر قسوة. لم تعد الخيام هي العلامة الوحيدة للجوء، بل باتت المدارس والمراكز الصحية التابعة للأونروا نفسها أماكن للإيواء أو شاهدة على الدمار.
ويقول الأستاذ الفخري بالمعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف ريكاردو بوكو إن الحاجة إلى الأونروا اليوم "أكبر من أي وقت مضى"، مضيفا أنه لا يمكن تخيل إعادة بناء غزة أو إدارة واقعها الكارثي من دون الوكالة.
وتذهب ستيفاني لاتيه عبد الله إلى أن الأونروا، في ظروف غزة الحالية، لا تقدم مساعدات فقط، بل تساعد على منع محو القطاع وإبقاء قضية الاعتراف باللاجئين حاضرة.
من كرت المؤن إلى سجلّ القضية، لا تحكي الأونروا قصة مؤسسة ولدت لتقديم الإغاثة فحسب. إنها تحكي كيف تمدد المؤقت حتى صار حياة يومية، وكيف صار دفتر المدرسة والعيادة وبطاقة اللجوء علامات على قضية لم يتحول أصحابها إلى مجرد أرقام.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة