بدأ مجلس الشعب السوري الانتقالي أعماله رسمياً يوم الأحد، في خطوة تؤسس لمرحلة تشريعية جديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد وتولّي الرئيس الانتقالي أحمد الشرع سدة الحكم.
وانتخب المجلس رئيساً له في جلسته الافتتاحية، فيما يضم في تشكيلته سبعين عضواً عيّنهم الشرع، إلى جانب أعضاء منتخبين من هيئة ناخبة محددة.
ويأتي انعقاد المجلس وسط تساؤلات واسعة حول طبيعة المهام الملقاة على عاتقه، والصلاحيات التي يمتلكها البرلمان الجديد في ظل الإعلان الدستوري لعام 2025، الذي يحدد أطر العمل السياسي والتشريعي في المرحلة الانتقالية.
توضح المحامية مايا حسين الخطيب، في تصريح لـيورونيوز، أن أبرز التحديات التي تواجه المجلس تتمثل في ما تصفه بـ"سد الفراغ التشريعي".
وتشير إلى أن الأولوية لا تقتصر على استصدار قوانين جديدة، بل تمتد إلى ما تسميه "الغربلة القانونية"، أي إعادة تقييم المنظومة التشريعية القائمة، وتحديد القوانين التي تتقاطع مع معايير حقوق الإنسان، وضمان اتساق التشريعات مع التزامات دمشق على المستوى الدولي. وتعتبر المحامية أن المجلس "لا يعمل في فراغ، بل هو المختبر الأساسي لتنظيم الحياة العامة وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات".
وفيما يتعلق بالمراسيم التي أقرتها السلطة التنفيذية خلال الفترة الماضية، تؤكد الخطيب أن الممارسة البرلمانية في المراحل الانتقالية تفرض على المجلس إخضاع هذه المراسيم لـ"مشرط قانوني" على حد وصفها.
والهدف، وفق تعبيرها، هو أحد ثلاثة خيارات: المصادقة على المراسيم التي تخدم المصلحة العامة، أو تعديلها، أو إلغاء المراسيم التي تسببت بانتهاكات أو عرقلت حقوق المواطنين.
وتشدد المتحدثة على أنه "لا يمكن لأي دولة أن تخرج من مرحلة انتقالية دون مراجعة شاملة لمراسيم الضرورة".
وحول مسألة الدستور الجديد، تلفت الخطيب إلى أن مجلس الشعب في المرحلة الانتقالية غالباً ما يضطلع بدور جوهري في إطلاق عملية الصياغة الدستورية أو الإشراف عليها.
وتصف المجلس بأنه "الجهة التي تضفي الشرعية القانونية على قواعد اللعبة الجديدة"، سواء من خلال تولّيها مهمة الصياغة المباشرة لمشاريع القوانين أو المصادقة على مسودة صادرة عن لجنة دستورية.
وتضيف أن المجلس يبقى "الحارس القانوني الذي يضمن أن الدستور الجديد يعبر عن تطلعات السوريين ويضع حدوداً واضحة للسلطات".
وتعتبر الخطيب أن العدالة الانتقالية تشكل "الركيزة الأساسية لأي استقرار قانوني مستقبلي". وتتوقع أن يعمل المجلس على تشريع قوانين خاصة بملفات المفقودين وجبر الضرر والمساءلة.
وتشير إلى أن هذه القوانين بطيبيعتها ليست "أبدية"، ومن المفترض أن تخضع لضوابط زمنية واضحة ومحددة لإنهاء آثار الماضي، مع تفعيل آليات رقابية تضمن عدم تحولها إلى أدوات لتصفية الحسابات، بل إلى وسائل لإنصاف الضحايا.
وفي الجانب الرقابي، تؤكد الخطيب أن من صلب مهام المجلس الجديد حقّه في فتح ملفات العقود الاستثمارية الكبرى المبرمة سابقاً، للتحقق من مدى قانونيتها وعدم مخالفتها للمصلحة العامة، وجدواها في ظل المرحلة الانتقالية، ومدى التزام الجهات المتعاقدة بمعايير الشفافية.
وتكشف الخطيب عن قيود جوهرية تفرضها المادة الثلاثون من الإعلان الدستوري لعام 2025 على صلاحيات المجلس الرقابية.
وتوضح أن المجلس لا يمتلك أي آلية دستورية لمساءلة رئيس الجمهورية سياسياً أو عزله، إذ يحرم الإعلان الدستوري البرلمان من هذه الصلاحية ويجعلها حصرية بيد الرئيس الانتقالي الذي يجمع بين رئاسة الدولة والسلطة التنفيذية.
أما بالنسبة إلى الوزراء، فتشير إلى أن أقصى ما يملكه المجلس هو "طرح الأسئلة" وفقاً للمادة الثلاثين، وهو ما تصفه بأنه "أضعف أدوات الرقابة البرلمانية" التي تقتصر على الاستيضاح فقط، دون امتلاك سلطة منح الثقة أو سحبها أو إقالة الحكومة، التي تبقى تعييناً وإقالةً بيد رئيس الجمهورية حصراً.
في السياق ذاته، تعكس آراء مواطنين سوريين تحدثوا لـ"يورونيوز" تطلعات متباينة تجاه دور المجلس ومهامه.
محمد -فضّل عدم الكشف عن اسمه الكامل لضرورات أمنية- طالب طب في سنته الرابعة، يرى أن التحدي الأكبر يتمثل في ألا يكون المجلس "شكلياً رغم أنه معيّن".
ويطالب بأن يمارس أعضاؤه "السياسة بحرفية ونضْج يضع سوريا على طريق ديمقراطي حقيقي"، مشدداً على أهمية إقرار قانون للأحزاب السياسية يكون "صوتاً حقيقياً للشعب" بعيداً عن "السلطوية وسياسة الحزب الواحد".
أما سارة نبيل، فترى أن الأولوية اليوم ينبغي أن تتركّز على "سن قوانين تشريعية لمكافحة الفساد والبطالة المقنّعة"، وتصحيح النظام الاقتصادي الذي تحوّل من اشتراكي إلى سوق حرّة دون ضوابط، محذرةً من تحول البلاد إلى "مجرد اقتصاد استهلاكي من دون إنتاج". وتدعو إلى تأمين فرص عمل حقيقية وتصحيح نظام الأجور.
في المقابل، يعتبر سامي طحان أن "شكل الدولة عبر دستور جديد هو الأهم لنفهم شكل الحكم والدولة والانتخابات كيف ستجري بعد انتهاء المرحلة الانتقالية".
ويحذر من أن تمتد المرحلة "من أربع سنين إلى أبد الآبدين" في حال غياب الوضوح، داعياً إلى "سن قوانين تستند إلى أصول قانونية واضحة لمحاسبة كل من تلطخت يداه بدماء السوريين من كل الأطراف وليس من طرف واحد"، مشيراً إلى وجود انتهاكات جرت من فصائل متعددة في مناطق نفوذها خلال السنوات الماضية.
تشكل مجلس الشعب الانتقالي وفق الآلية التي نص عليها الإعلان الدستوري، الذي أُقرّ بعد وصول السلطة الجديدة إلى الحكم، ومنح الرئيس الانتقالي صلاحية تعيين ثلث أعضاء المجلس، إلى جانب لعب دور رئيسي في اختيار بقية الأعضاء.
وتمتد ولاية المجلس ثلاثين شهراً قابلة للتجديد، يضطلع خلالها بعدد من المهام التشريعية، أبرزها إعداد مسودّة دستور جديد، وإقرار الموازنة العامة، وممارسة صلاحياته إلى حين اعتماد دستور دائم وإجراء انتخابات تستند إليه.
وشهدت المرحلة الأخيرة تعيين خمس عشرة سيدة إضافية، ليرتفع عدد النساء في المجلس إلى إحدى وعشرين عضوة، بعدما كانت عملية الاختيار السابقة قد أفضت إلى انتخاب ست سيّدات فقط.
وكان الرئيس أحمد الشرع قد أعلن سابقاً أنه سيستخدم صلاحياته في التعيين لمعالجة أوجه الخلل التي ظهرت في المرحلة الأولى من تشكيل المجلس، ولا سيما ما يتعلق بتمثيل النساء.
ولا تزال مقاعد محافظة السويداء شاغرة، بعدما أرجأت السلطات استكمال اختيار ممثليها على خلفية أعمال العنف التي شهدتها المحافظة ذات الأغلبية الدرزية في تموز/يوليو 2025، فيما عُيّن عضوان من السويداء ضمن الثلث الذي يملك الرئيس الانتقالي صلاحية تسميته.
وكانت المحافظة قد شهدت مجازر ذات خلفية طائفية أسفرت، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، عن مقتل أكثر من ألفي شخص، بينهم 789 مدنياً درزياً، بينما وثقت لجنة تحقيق رسمية شكّلتها السلطات في مارس/آذار مقتل ما لا يقل عن 1760 شخصاً.
وكان الرئيس الانتقالي أحمد الشرع قد دافع عن آلية اختيار أعضاء المجلس، معتبراً أنها "خطوة موقتة" إلى حين توفر الظروف الأمنية والسياسية اللازمة لإجراء انتخابات مباشرة يشارك فيها جميع السوريين، مؤكداً أن ذلك لا يزال متعذراً في الوقت الراهن بسبب فقدان الوثائق الرسمية لعدد كبير من المواطنين، ووجود أعداد واسعة من السوريين خارج البلاد.
المصدر:
يورو نيوز