آخر الأخبار

التطلع نحو الشرق.. كيف تروج الصين لنموذجها بديلا للغرب؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في ذكرى مرور 105 أعوام على تأسيس الحزب الشيوعي الصيني لا تزال العلاقة بين الصين والغرب بحاجة إلى إعادة ضبط متكررة بعد كل أزمة دولية، من الحروب الإقليمية والأمنية والتقنية إلى اضطرابات سلاسل الإمداد وتباطؤ النمو العالمي.

ركزت الصحف الصينية الرسمية وغير الرسمية على هذه المناسبة ووضعتها في سياق قوة ا لصين الاقتصادية، لتهيئ أرضية نقاش أوسع حول "التوجه نحو الشرق" بوصفه بحثا عن نموذج بديل لإدارة الدولة والتنمية، في مواجهة عالم غربي منهمك في صراعاته الداخلية وتجاذباته السياسية.

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 الصين: هذا تصورنا لعالم جديد بلا منتصر وحيد يأخذ كل شيء
* list 2 of 4 ستائر بكين الحمراء.. كيف استعدت الصين لسيناريو إيران؟
* list 3 of 4 الصين تعيد تعريف القوة الصناعية.. من سباق التكنولوجيا إلى هندسة المستقبل
* list 4 of 4 الصبر الإستراتيجي.. ما الذي كشفته قمة ترمب وشي عن "أهم علاقة في العالم"؟ end of list

الشرق كوجهة سياسية

وصفت صحيفة الشعب الصينية صعود فكرة "التوجه شرقا" بأنه ظاهرة ملموسة وليس مجرد شعار، إذ تتزايد زيارات القادة لبكين، وتتسارع خطط التوسع لدى رؤوس الأموال العالمية في السوق الصينية، كما تكثّف الأوساط الأكاديمية دراساتها عن التجربة السياسية الصينية.

ونقلت الصحيفة الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني عن تقارير غربية توصيف الصين بأنها أصبحت "مركز جذب دبلوماسي جديد"، في إشارة إلى انتقال جزء من ثقل القرار العالمي نحو الشرق.

هذا الالتفات نحو الصين لا يُقرأ بوصفه بحثا عن فرص اقتصادية فقط، وإنما عن نمط حوكمة مختلف أيضا، لأن السؤال الذي يتكرر لدى المجتمع الأكاديمي العالمي وفي تحليلات غربية نقلت عنها صحيفة الشعب هو "لماذا نجح الحزب الشيوعي الصيني؟" و"ما الذي فعلته الصين بشكل مختلف؟"

هذه الأسئلة ربما تعكس ضمنيا حالة مراجعة لدى بعض النخب السياسية والفكرية خارج الصين بدافع من محدودية النموذج الغربي في إدارة الأزمات الممتدة.

السؤال المتكرر لدى المجتمع الأكاديمي العالمي هو "لماذا نجح الحزب الشيوعي الصيني؟" و"ما الذي فعلته الصين بشكل مختلف؟"

الحزب كفاعل حضاري

تقدم صحيفة الشعب الحزب الشيوعي الصيني بوصفه "أكبر حزب في العالم" من حيث عدد الأعضاء، وكذلك من حيث قدرته على صياغة مشروع طويل الأمد يتجاوز الدورة الانتخابية التقليدية.

إعلان

وتستحضر تصريحات دبلوماسيين وصحفيين من أمريكا اللاتينية وأوروبا للتأكيد على أن "كلمة السر" تكمن في تركيز سياسات الحزب على فكرة خدمة الشعب، وتماهيه مع مفهوم الدولة التنموية التي تخضع القرار السياسي لاعتبارات المصلحة العامة وليس للمصالح الفردية أو لمعادلات التنافس الحزبي.

مصدر الصورة شي جين بينغ ومسؤولون حزبيون في حفل بمناسبة الذكرى الـ 105 لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني (رويترز)

في هذا الخطاب تقارن الأحزاب الغربية الخاضعة لضغوط رأس المال وتبدل الحكومات، بنمط حوكمة يعتبر "السياسة والإستراتيجية" مسألة حياة أو موت، مع إعلاء قيمة الانضباط والتنفيذ بوصفها من مميزات "الحكم الصيني".

ويفسر هذا الطرح بنظرة ناقدة للديمقراطية الليبرالية أسباب عجزها عن استمرار إنتاج السياسات على المدى البعيد، دون أن يصل الخطاب إلى حد رفض النموذج الغربي بصورة مطلقة.

الفيلسوف ماركيوز صاغ مفهوم "المجتمعات أحادية البعد" نقدا للمجتمعات الصناعية الحديثة الرأسمالية والاشتراكية على السواء

كسر مركزية الغرب

في سلسلة "من يان آن إلى العالم" المنشورة في صحيفة هوان تشيو ، يعرض مفهوم "التحديث الصيني" كمسار حضاري ينافس، بل يتجاوز النموذج الغربي الذي ساد قرنين على الأقل، إذ يربط العنوان بداية النضال الثوري للحزب الشيوعي الصيني في مدينة "يان آن" بالمسار الذي قاد لاحقا إلى نهضة الصين الحديثة وتأثيرها العالمي.

ويشدد الكاتب على أن التحديث لا يعني بالضرورة "التوجه نحو الغرب"، وأن التجربة الصينية قدّمت برهانا عمليا على إمكانية بناء دولة صناعية كبرى انطلقت من "بلد فقير ومتأخر" لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم، دون أن تتبنّى قالبا ليبراليا تقليديا.

ويذهب التحليل إلى ما هو أبعد من الجانب الاقتصادي عبر نقد فكرة "هيمنة رأس المال" التي طبعت الحداثة الغربية وما خلفته من آثار بيئية واجتماعية وثقافية، مستدلا برؤية الفيلسوف ماركيوز أحد أبرز أعلام مدرسة فرانكفورت للنظرية النقدية، الذي صاغ فيه مفهوم "المجتمعات أحادية البعد" نقدا للمجتمعات الصناعية الحديثة الرأسمالية والاشتراكية على السواء.

بينما يعرض الكاتب -وهو أستاذ في العلوم السياسية- التحديث الصيني كمنظومة تسعى إلى التوازن بين المادة والروح، وبين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، عبر تبني شعار "الإنسان أولا" واعتبار الإنسان والطبيعة جزءا من منظومة حياة واحدة.

التعددية في الحضارات

من الأفكار المحورية في هذا الخطاب رفض "نظرية صراع الحضارات" التي صاغها صمويل هنتنغتون، والتي تحمل الاختلافات الثقافية والدينية مسؤولية النزاعات الدولية.

وفي الجانب المقابل، يقدم المشروع الصيني كدعوة إلى "تبادل وتمازج الحضارات"، عبر مبادرات مثل المبادرة الحضارية العالمية التي تدعو إلى احترام التنوع، وتعزيز القيم المشتركة، وتوسيع نطاق الحوار الإنساني عبر التبادل الثقافي.

هذا الطرح لا يكتفي بالبعد الأخلاقي، بل يحمل بعدا سياسيا واضحا، فهو يضع الصين في موقع "الوسيط الحضاري" القادر على تخفيف الاحتقان الدولي عبر خطاب يرفض التفوق الحضاري الغربي، لكنه لا ينزلق إلى خطاب صدامي مضاد، بل يسعى إلى صياغة أرضية قيمية مشتركة مثل السلام والتنمية والعدالة.

إعلان

الحوكمة طويلة الأمد

تدعم صحيفة تشاينا ديلي هذه الصورة من زاوية الحوكمة، إذ تقدم نموذج الحوكمة الصينية بوصفه مبنيا على "الاستمرار والتجريب" في آن واحد، وتشير إلى أن الخطط الخمسية ليست مجرد وثائق تقنية، بل حلقات في مسار إستراتيجي يبدأ من أهداف بعيدة المدى ويترجم إلى خطوات متوسطة وقصيرة الأجل، مع هامش واسع للتجربة على مستوى المناطق والقطاعات قبل تعميم السياسات.

كما تركز الصحيفة على فكرة مفادها أن شرعية الحكم لا تستلزم بالضرورة تنافس الأحزاب، بل قدرة النظام على تحقيق نتائج ملموسة في حياة الناس، مع ما تسميه "خط الجماهير" الذي يحول الممارسات الناجحة في القاعدة الاجتماعية إلى سياسات وطنية.

ويقدم الحزب الشيوعي في هذا السياق باعتباره "حزبا حضاريا" حارسا لمشروع تاريخي طويل المدى، وليس مجرد تنظيم سياسي يقيم بقوته الانتخابية فقط.

من خلف هذا النموذج تقف ثقافة سياسية ممتدة، تستلهم نصوصا كلاسيكية مثل كتاب "التغيّرات" لتأكيد فكرة الثبات في الهدف والتغيير في الأدوات، بشكل يجعل الاستقرار نتيجة للتكيف المتواصل بعيدا عن الجمود.

نموذج بديل أم مرجعية

وفق ما تعكسه هذه القراءات، تبدو الصين حريصة على صياغة سردية متكاملة متمثلة في حزب تاريخي يقود مشروعا تنمويا طويلا، وطريق تحديث يرفض هيمنة رأس المال ومنطق صراع الحضارات، ونموذج حوكمة يقوم على التخطيط بعيد المدى مع قابلية مستمرة للإصلاح والتجريب.

وتسعى هذه السردية إلى تقديم النموذج الصيني كبديل محتمل للغرب، ولكن في الوقت نفسه، يحاول الخطاب الرسمي تجنب طرحه كقالب جاهز للتصدير، مفضلا الحديث عن "خبرة قابلة للاقتباس" و"خيارات متعددة" أمام الدول النامية.

ومع أن هذا الطرح يظل انتقائيا في إبرازه نقاط القوة مقابل التحديات الداخلية، فإنه يعكس تحولا حقيقيا في توازن الأفكار على الصعيد العالمي، حيث لم يعد الغرب وحده المرجعية الحصرية لمسارات التحديث.

في ختام المشهد، لن يكون "التطلع نحو الشرق" حركة اندفاعية تلقائية نحو نموذج جديد كامل، وإنما عملية تدريجية للبحث عن بدائل تتقاطع فيها اعتبارات التنمية والاستقرار والهوية الحضارية، في عالم يتجه تدريجيا نحو الاعتراف بالتعددية الحتمية لمسارات الحداثة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا