في الأيام المتوترة التي أعقبت الهجوم الإرهابي في الجزء الخاضع لسيطرة الهند من كشمير العام الماضي، وجد قائد الجيش الباكستاني النافذ، الفريق أول سيد عاصم منير، نفسه في قلب أزمة دولية.
ودعا ملوك عرب وقادة غربيون الرجل الأقوى في باكستان إلى الامتناع عن الرد على هجوم هندي وشيك يستهدف جماعات مسلحة داخل باكستان، بحسب أنوار الحق كاكار، رئيس الوزراء الباكستاني المؤقت السابق وأحد حلفاء منير.
وكانت نيودلهي قد حمّلت جماعات إسلامية مسلحة تتخذ من باكستان مقراً لها، وتنشط في كشمير منذ عقود، مسؤولية هجوم 22 أبريل 2025 الذي أسفر عن مقتل 26 سائحاً. ونفت إسلام آباد أي تورط لها.
وقال كاكار إن منير لم يتراجع. فقد وضع الجنرال البالغ من العمر 58 عاماً قوات البلاد في حالة تأهب قصوى.
وفي الساعات الأولى من صباح 7 مايو 2025، خاض الجاران أكبر مواجهة عسكرية بينهما منذ عقود . واستخدمت الهند طائرات مقاتلة لضرب قواعد لمسلحين اتهمتهم بالوقوف وراء هجوم كشمير، وهي منطقة في جبال الهيمالايا خاض البلدان ثلاث حروب بسببها. ويسيطر كل منهما على جزء من كشمير، لكنه يطالب بالإقليم كاملاً.
وأشرف منير على الرد السريع لباكستان، فأصدر أوامر بإسقاط أي طائرة هندية تشارك في إطلاق أسلحة على الأراضي الباكستانية، بحسب كاكار. وتقول تقارير إن نيودلهي خسرت عدة طائرات ، من بينها مقاتلة فرنسية متطورة واحدة على الأقل من طراز رافال.
أدى الصراع الذي استمر أربعة أيام، وانتهى بوقف إطلاق نار توسط فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى تغيير مكانة منير داخل بلاده.
وبعد أسابيع، منح مجلس الوزراء الباكستاني الموالي له الجنرال منير رتبة المشير. وبحلول نهاية العام، ومن خلال تعديل دستوري، عزز سلطاته بصفته رئيس قوات الدفاع، ما رسخ سيطرته على الترسانة النووية المتنامية للبلاد وعلى مستقبلها السياسي. وجاء منصبه الجديد مصحوباً بولاية أطول، ورقابة أقل على صلاحياته، وحصانة مدى الحياة.
من الواضح أن طموحات منير تتجاوز بكثير مجرد التصدي للهند وترسيخ سلطته داخلياً. فعلى مدى العامين الماضيين، عمل على رفع مكانة باكستان الأمنية والدبلوماسية في الشرق الأوسط بصورة كبيرة.
وتحت قيادته، ابتعدت إسلام آباد عن انشغالها الدائم بالمنافسة مع الهند. وسعى إلى توسيع الدبلوماسية، وبناء التحالفات، وتعزيز صادرات الصناعات الدفاعية في الخليج العربي والمنطقة الأوسع، في محاولة لتحويل بلاده التي تعاني ضائقة مالية إلى قوة إقليمية وازنة في الشرق الأوسط.
وقد رفع هذا الطموح مكانة باكستان الدولية، وصرف الانتباه عن التدهور الأمني الداخلي المتزايد في الدولة الإسلامية التي يبلغ عدد سكانها 250 مليون نسمة. لكنه أثار أيضاً تساؤلات حول ما إذا كانت دولة تعاني من تمردات عنيفة، وانقسامات سياسية مزمنة، واقتصاد متعثر، قادرة فعلاً على بسط نفوذها خارج جنوب آسيا.
ويقول كاكار إن أبرز صفات منير هي امتلاكه خطة لتحقيق طموحاته. وأضاف: “إنه يبحث عن مكانة كريمة لباكستان داخل المجتمع الدولي.”
كان أكثر مشاريع منير طموحاً في الشرق الأوسط هو سعيه وتمكنّه من تحويل العلاقة الممتدة لعقود مع السعودية إلى تحالف دفاعي متبادل . تحقق ذلك رسميا في 2025 وبمقتضاه يعتبر الطرفان أن “أي اعتداء على أي من البلدين هو اعتداء على كليهما.”
ويبدو أن رغبته في دفع بلاده نحو الشرق الأوسط تعود بدرجة كبيرة إلى الفترة التي شغل فيها منصب الملحق العسكري في الرياض مطلع العقد الأول من الألفية.
وترى عائشة صديقة، الباحثة في العلوم السياسية والمتخصصة في الأمن الباكستاني في كلية كينغز بلندن، أن منير يحمل توجهاً إسلامياً، ويسعى، على غرار الحكام السعوديين، ليس فقط إلى السيطرة على الإسلام السياسي بل إلى تعريفه أيضاً. وقالت: “إنه يستشهد كثيراً بآيات قرآنية في خطاباته، ويتصرف وكأن الله قد كلفه بتوجيه باكستان.”
وتحذر صديقة من أن طموحات منير قد تورط إسلام آباد في المنافسات المتصاعدة في الشرق الأوسط. وقالت لشبكة MBN إن التزام باكستان بأمن السعودية يعني أنها لن تتمكن من البقاء على الحياد في منطقة “شديدة التعقيد وشديدة الانقسام.” وأضافت: “إذا انخرطت في هذه الصراعات الفئوية، فسيكون لذلك تداعيات على باكستان، من دون مؤشرات واضحة على الفوائد التي ستجنيها.”
وهناك بالفعل مؤشرات على رد فعل عكسي ضد إسلام آباد.
ففيما بدا أنه تجاهل لدور باكستان في الوساطة خلال الحرب الإيرانية، قامت الإمارات العربية المتحدة بترحيل آلاف الباكستانيين . كما دخلت أبو ظبي والرياض في خلافات، ما منح الإمارات دوافع إضافية للضغط على إسلام آباد. وفي مارس، طلبت أبو ظبي بصورة مفاجئة من إسلام آباد سداد 3.5 مليارات دولار كانت قد اقترضتها لدعم احتياطاتها من العملات الأجنبية. وفي أبريل، سددت إسلام آباد المبلغ بمساعدة سعودية.
وكانت إسلام آباد قد نشرت بالفعل ثمانية آلاف جندي ، وأسطولاً من الطائرات المقاتلة، ومنظومات دفاع جوي في السعودية. وتشير تقارير إلى أن هذه القوات جاهزة لدعم الجيش السعودي في العمليات القتالية.
كما نفذت الرياض هجمات انتقامية سرية ضد إيران رداً على هجمات استهدفت أراضيها. وهذا يثير احتمال أن تجد إسلام آباد نفسها يوماً ما تقاتل طهران، التي تتشارك معها حدوداً برية يبلغ طولها 550 ميلاً، نيابة عن السعودية.
وحتى الآن، نجح المشير منير بهدوء في إبعاد إسلام آباد عن المشاركة في الحرب الإيرانية نيابة عن الرياض، من خلال أداء دور الوسيط الرئيسي بين إيران والولايات المتحدة.
المشير عاصم منير يلتقي رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف في طهران في أبريل.
وبعد توسطه في وقف إطلاق النار بين البلدين مطلع أبريل، استضاف أعلى مستوى من الاتصالات المباشرة بينهما منذ الثورة الإيرانية عام 1979 التي أدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية. وخلال الحرب التي ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي، أصبح منير الزعيم الوحيد في العالم الذي يتباهى بامتلاكه قنوات اتصال مباشرة مع البيت الأبيض ومع قادة إيران في الوقت نفسه.
ومن خلال بناء علاقة وثيقة مع ترامب، نجح منير فيما أخفق فيه كثيرون. فقد وصف ترامب منير مراراً بأنه “ المشير المفضل لديه “، وتشاور معه بشأن مبادرات كبرى جديدة في المنطقة.
كما وضع منير إسلام آباد على مسار يؤهلها للقيام بدور بارز في الهيكل الأمني للشرق الأوسط. واستناداً إلى اتفاق الدفاع المشترك بين الرياض وإسلام آباد، جرت مناقشات بين السعودية ومصر وتركيا لإنشاء “ منصة أمنية إقليمية جديدة تتمحور حول التعاون والاستقرار.”
وقد يصبح هذا التحالف السني الناشئ كتلة رئيسية في الشرق الأوسط، مع تداعيات طويلة الأمد على قوى إقليمية أخرى مثل إيران وإسرائيل. كما أن سعي باكستان لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط دفع الهند المنافسة إلى توطيد شراكتها مع الإمارات وإسرائيل.
ويحذر خبراء من أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر كبيرة. وقالت فرزانة شيخ، المتخصصة في الشأن الباكستاني في مركز تشاتام هاوس في لندن: “إنها مقامرة ضخمة. وقد تؤدي إلى جر باكستان إلى حرب إقليمية شاملة. إن أسلوب منير في العمل يقوم على التهور، تهور هائل.”
وأشارت شيخ إلى أن الحكومات الباكستانية السابقة قاومت الضغوط السعودية للانخراط في صراعاتها. ففي عام 2015، رفض البرلمان الباكستاني بأغلبية ساحقة اقتراحاً سعودياً للمشاركة في الحرب ضد الحوثيين في اليمن المجاور، الذين يعدون حلفاء لإيران.
وتعتمد إسلام آباد، التي تعاني ضائقة مالية، على نحو 20 مليار دولار سنوياً من تحويلات أكثر من أربعة ملايين باكستاني يعملون في الخليج، ولا سيما في السعودية. ويحذر خبراء من أن تدهور العلاقات مع الإمارات قد يكون كارثياً إذا فرضت قيوداً على فرص العمل والاستثمار للباكستانيين. وقالت شيخ: “قد يشل ذلك الاقتصاد الباكستاني.”
وتشكك صديقة حتى في الرواية القائلة إن إسلام آباد تستفيد من توسع حضورها في الشرق الأوسط بالشراكة مع السعودية. وقالت: “ما زلنا لا نعرف على وجه اليقين ما هي هذه الفوائد.”
لكن شجاع نواز، مؤلف كتاب عن الجيش الباكستاني، يرى أن منير والمؤسسة العسكرية التي يقودها يسعيان أساساً إلى تحقيق مصالح اقتصادية في إطار محاولتهما جعل باكستان قوة مؤثرة في الشرق الأوسط.
المشير عاصم منير يشير بيده خلال فعالية في إسلام آباد في أوائل أبريل.
وقال لشبكة MBN إن إسلام آباد تسعى إلى زيادة صادراتها الدفاعية، إذ ترى فرصة مربحة لتحقيق مليارات الدولارات من مبيعات الأسلحة في المنطقة. وقد أبدت السعودية اهتماماً بالحصول على مقاتلات JF-17 التي تجمّعها باكستان باستخدام مكونات صينية، وتبيعها بالفعل إلى نيجيريا وأذربيجان وميانمار.
وفي أبريل، علقت إسلام آباد صفقة أسلحة بقيمة 1.5 مليار دولار مع السودان بعد أن سحبت الرياض تمويلها. وفي مارس، سلمت باكستان خمس طائرات محملة بالأسلحة إلى الحكومة الليبية في شرق البلاد بقيادة الحاكم العسكري خليفة حفتر. وكان منير قد زار بنغازي في ديسمبر، حيث تشير تقارير إلى أنه أبرم صفقة بقيمة أربعة مليارات دولار مع حفتر. كما زار الرجل القوي الليبي إسلام آباد في فبراير. وستزود باكستان قوات حفتر بـ 16 مقاتلة من طراز JF-17، و12 طائرة تدريب عسكرية من طراز سوبر مشاق، إضافة إلى معدات للقوات الجوية والبرية والبحرية.
وقال نواز: “إن قدرة باكستان على توفير الأمن للدول الأخرى لا تنبع فقط من امتلاكها جيشاً كبيراً جداً، بل أيضاً من كونها قوة نووية. وتوفير مظلة دفاعية تشمل الردع النووي هو أمر لا يتوفر في تلك المنطقة إلا لدولة أخرى واحدة، وهي إسرائيل.”
لكن شيخ ترى أن طموحات إسلام آباد في الشرق الأوسط تطغى عليها نقاط ضعفها الداخلية. وهي ترى أن منير يواجه صعوبة في التعامل مع حركتي التمرد اللتين تزدادان عنفاً على الحدود الغربية مع أفغانستان.
ويخوض البلدان حرباً منخفضة الوتيرة منذ أكتوبر. ورغم الدور المركزي الذي لعبه الجيش الباكستاني في تمكين حركة طالبان الإسلامية من العودة إلى السلطة في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي النهائي عام 2021، فإن طالبان سرعان ما أعادت تعريف نفسها بوصفها خصماً لإسلام آباد.
وقالت شيخ: “إن باكستان دولة في حالة حرب، ليس داخلياً فحسب، بل أيضاً في محيطها المباشر”، في إشارة إلى حركتي التمرد العنيفتين اللتين أودتا هذا العام بحياة مئات الجنود والمتمردين والمدنيين في إقليمي خيبر بختونخوا وبلوشستان. وأضافت: “إن الادعاء بأنها تستطيع أن تكون مزوداً صافياً للأمن، بينما تعجز عن توفير الأمن داخل أراضيها، لا يخدع أحداً.”
ويرى خبراء أنه، على غرار الحكام العسكريين السابقين، يسعى منير إلى اكتساب الشرعية من خلال أداء دور دولي بارز. وقبل أن يتولى قيادة الجيش أواخر عام 2022، كان قادة المؤسسة العسكرية الباكستانية قد تعهدوا علناً بالابتعاد عن السياسة.
لكن منير، على النقيض، سارع إلى فرض دور سياسي بعد فترة وجيزة من إحكام قبضته على البيروقراطية العسكرية. وأقصى منافسه الرئيسي، رئيس الوزراء السابق عمران خان. وتحولت بعض الاحتجاجات على اعتقال خان الأول في مايو 2023 إلى أعمال شغب انتهت بإحراق المقر الرسمي لأحد كبار جنرالات الجيش ومنشآت حكومية أخرى.
ومنذ ذلك الحين، تعرض حزب حركة الإنصاف الباكستانية بقيادة خان لحملة قمع من جانب المؤسسة العسكرية. ويقبع خان في السجن منذ أغسطس 2023، فيما تعرض أنصاره لحملة اضطهاد واسعة النطاق. ويقول الحزب إنه حُرم من السلطة في انتخابات برلمانية مزورة عام 2024 أسفرت عن إدارة مدنية ضعيفة بقيادة حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية – جناح نواز. وكثيراً ما يشيد رئيس الوزراء شهباز شريف، وهو الرئيس التنفيذي الدستوري للحكومة، بمنير علناً، ويترك له زمام المبادرة في كثير من الملفات. وتحت قيادتهما، شهدت الحريات المدنية وحرية الصحافة والأحزاب السياسية والديمقراطية تراجعاً حاداً.
وتقول صديقة، مؤلفة كتاب حقق مبيعات واسعة عن الإمبراطورية الاقتصادية للجيش الباكستاني، إن باكستان اتجهت في عهد منير نحو “العسكرية الدستورية”. وأضافت: “هناك ديمقراطية برلمانية، لكن السيطرة الفعلية على السياسة والحكم والاقتصاد وصنع القرار بيد المؤسسة العسكرية.”
وترى صديقة أن الاستخدام المكثف للقوة، وهو سمة تميز الحكام العسكريين في التعامل مع التحديات الأمنية الداخلية والمعارضة، لم يكن مفيداً. وهي ترى أن منير يحتكر مزيداً من السلطة في الوقت الذي يقود فيه باكستان نحو دور أكثر بروزاً في الشرق الأوسط.
وحذرت قائلة: “سيقود مؤسسته والبلاد إلى زقاق مظلم، تماماً كما فعل الديكتاتوريون السابقون.”
هذا المقال منقول عن الإنجليزية.
المصدر:
الحرة