آخر الأخبار

ترمب وشي.. هل تنتقل العلاقة الأمريكية الصينية من المواجهة إلى المساومة؟

شارك

يتصاعد في واشنطن جدل متزايد حول مستقبل السياسة الأمريكية تجاه الصين، في وقت تسعى فيه إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى فتح صفحة جديدة مع بكين تحت عنوان "الاستقرار الإستراتيجي البنّاء".

من جانب آخر، يدعو عدد من أبرز منظري السياسة الخارجية الأمريكية إلى نهج مختلف يقوم على استغلال نقاط الضعف الصينية وتعزيز أوراق الضغط الأمريكية في مواجهة المنافس الإستراتيجي الأكبر للولايات المتحدة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 غزة.. حين يصبح البقاء تجارة والموت كلفة يومية
* list 2 of 2 الخطة الأمريكية السرية للعبور.. ما مهمة مروحيات أباتشي وماذا يحدث في هرمز؟ end of list

شروخ في جدار الصين

برز هذا الجدل إلى الواجهة بعد نشر مجلة فورين أفيرز المرموقة مقالا مطولا في عددها الأخير بعنوان "تصدعات في قوة الصين"، يؤكد أن واشنطن أخفقت خلال السنوات الماضية في استثمار مكامن الضعف الصينية، رغم أنها تعتبر الصين التحدي الإستراتيجي الأول الذي يواجه الولايات المتحدة.

وتكمن أهمية المقال في كون كاتبيه هما إيلي راتنر -الذي شغل منصب مساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الأمن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ إبان إدارة الرئيس جو بايدن– ونيك دانبي الخبير الإستراتيجي المتخصص في قضايا الأمن القومي.

ويأتي المقال في وقت تتجه فيه إدارة ترمب نحو تخفيف التوتر مع بكين بعد سلسلة من اللقاءات رفيعة المستوى مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، تُوجت بزيارة ترمب إلى بكين في مايو/أيار المنصرم.

وبحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز ، يرى مسؤولون أمريكيون وصينيون أن زيارة الرئيس الأمريكي تمخضت عن تبني البلدين إطارا جديدا للعلاقات يقوم على مفهوم "الاستقرار الإستراتيجي البنّاء".

وأوضحت أن هذا الإطار يهدف إلى الحد من التوترات وتعزيز التواصل بين البلدين وفتح المجال أمام التعاون في عدد من الملفات، بما في ذلك التجارة وقضايا الأمن الإقليمي.

لكن هذا التوجه أثار تساؤلات داخل الأوساط الإستراتيجية الأمريكية حول ما إذا كانت واشنطن تتجه نحو تسوية طويلة الأمد مع بكين على حساب قدرتها على ردعها أو التأثير في سلوكها.

بكين نجحت خلال السنوات الماضية في تحديد نقاط الضعف الأمريكية واستغلالها، سواء عبر سلاسل الإمداد أو التجارة أو التكنولوجيا أو النفوذ الاقتصادي، في حين امتنعت واشنطن إلى حد كبير عن استخدام أدوات مماثلة ضد الصين

عجز إستراتيجي أمريكي

ويستند مقال فورين أفيرز إلى فكرة محورية مفادها أن المنافسة بين القوى الكبرى لا تقتصر على تعزيز القدرات الذاتية أو بناء التحالفات، بل تتطلب أيضا امتلاك أدوات ضغط فعالة على الخصم.

إعلان

ويقتبس راتنر ودانبي في مقالهما المشترك من المفكر الإستراتيجي الأمريكي توماس شيلينغ قوله إن "القدرة على إلحاق الضرر هي قوة تفاوضية"، معتبرين أن الصين فهمت هذه القاعدة جيدا، في حين تجاهلتها الولايات المتحدة لفترة طويلة.

ويقول الكاتبان إن بكين نجحت خلال السنوات الماضية في تحديد نقاط الضعف الأمريكية واستغلالها، سواء عبر سلاسل الإمداد أو التجارة أو التكنولوجيا أو النفوذ الاقتصادي، في حين امتنعت واشنطن إلى حد كبير عن استخدام أدوات مماثلة ضد الصين.

ويستشهد المقال بالمواجهة التجارية التي اندلعت بين البلدين عام 2025 باعتبارها مثالا واضحا على هذا الخلل.

فبعد أن أعلنت إدارة ترمب فرض رسوم جمركية واسعة على الصين ضمن ما عُرف حينها بمبادرة "يوم التحرير"، ردت بكين بفرض قيود على صادرات المعادن الأرضية النادرة، وهي مواد أساسية تدخل في الصناعات المتقدمة والتكنولوجيا الدفاعية.

وبما أن الصين تهيمن على الجزء الأكبر من عمليات معالجة هذه المعادن عالميا، فقد كشفت الخطوة الصينية هشاشة سلاسل التوريد الأمريكية وأظهرت امتلاك بكين ورقة ضغط مؤثرة.

ويرى راتنر ودانبي أن هذه الأزمة لم تكن مجرد مشكلة تجارية أو صناعية، بل كانت دليلا على ما يصفانه بـ"العجز الإستراتيجي" الأمريكي، ويقولان إن نجاح الصين في استخدام هذه الورقة أجبر واشنطن على إعادة حساباتها، وأسهم في تعزيز الموقع التفاوضي لبكين خلال المباحثات اللاحقة.

ويأتي هذا التقييم في وقت أثارت فيه تصريحات ترمب بشأن الصين وتايوان قلق عدد من الخبراء، إذ وصف الرئيس الأمريكي الولايات المتحدة والصين بأنهما "دولتان عظيمتان" تقودان العالم، كما أشاد بالرئيس شي جين بينغ، وألمح إلى إمكانية تعليق بعض مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى تايوان في إطار مفاوضات أوسع مع بكين.

وأثارت هذه التصريحات مخاوف لدى بعض المحللين من احتمال تراجع واشنطن عن السياسات التي اعتمدتها خلال السنوات الأخيرة لتعزيز الردع في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وفي هذا السياق، نقلت نيويورك تايمز عن بوني غلاسر، مديرة برنامج المحيطين الهندي والهادئ في صندوق مارشال الألماني ، قولها إن كثيرين يشعرون بالقلق من أن ترمب بات يتبنى بعض الرؤى الصينية المتعلقة بتايوان.

مصدر الصورة

مكامن الضعف الصيني

لكن جوهر مقال فورين أفيرز لا يقتصر على تايوان أو العلاقات الثنائية المباشرة، بل يركز على سؤال أوسع يتعلق بطبيعة القوة الصينية وحدودها.

فالكاتبان يجادلان بأن الصورة الشائعة التي تقدم الصين باعتبارها قوة صاعدة لا يمكن إيقافها تتجاهل مجموعة من نقاط الضعف البنيوية التي لا تزال تواجهها البلاد.

فالصين -حسب المقال- تعاني من تباطؤ اقتصادي وتراجع في الطلب المحلي وأزمة مستمرة في القطاع العقاري، إضافة إلى ارتفاع معدلات بطالة الشباب، وتفاقم مشكلة الشيخوخة السكانية والانخفاض التدريجي في عدد السكان.

كما يشير الكاتبان إلى أن الجيش الصيني، رغم التوسع الكبير في قدراته، لا يزال يفتقر إلى الخبرة القتالية المباشرة، في حين يواجه الحزب الشيوعي الصيني تحديات داخلية تدفعه إلى الاعتماد بصورة متزايدة على الرقابة والتشدد الأمني للحفاظ على الاستقرار.

إعلان

وعلى الصعيد الخارجي، يؤكد المقال أن الصين لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الأسواق العالمية والتكنولوجيا الأجنبية والطاقة المستوردة والنظام المالي الدولي الذي يهيمن عليه الدولار الأمريكي.

ومن وجهة نظر الكاتبين، فإن هذه العوامل لا تعني أن الصين على وشك الانهيار، لكنها تشير إلى أن بكين أكثر عرضة للضغوط الإستراتيجية مما يعتقده كثير من المراقبين.

مصدر الصورة شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (TSMC) في قلب الحرب التجارية المستعرة بين أمريكا والصين(غيتي إيميجز)

فن الضغط

ويخصص مقال فورين أفيرز مساحة واسعة لمناقشة ملف التكنولوجيا المتقدمة، وخاصة أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، إذ دافع الكاتبان عن سياسة القيود التكنولوجية التي بدأت خلال إدارة بايدن، والتي هدفت إلى الحد من وصول الصين إلى الرقائق الإلكترونية المتقدمة ومعدات تصنيعها.

ورغم إقرار الكاتبين بأن هذه القيود قد تدفع الصين إلى تسريع جهودها لتحقيق الاكتفاء الذاتي، فإنهما يعتبران أن ذلك يصب في النهاية في مصلحة الولايات المتحدة لأنه يفرض على بكين تحمل تكاليف أكبر واستهلاك مزيد من الموارد لتحقيق أهدافها التكنولوجية.

وفي المقابل، أعرب الكاتبان عن قلقهما من تقارير تحدثت عن سماح إدارة ترمب بتصدير رقائق متقدمة للذكاء الاصطناعي إلى شركات صينية، معتبرين أن هذه الخطوات قد تقوض الجهود الأمريكية للحفاظ على التفوق التكنولوجي.

كما يرى راتنر ودانبي أن اعتماد الصين على الأسواق الخارجية يوفر بدوره مجالا مهما للضغط.

فالنموذج الاقتصادي الصيني يعتمد بدرجة كبيرة على التصنيع والتصدير، وقد سجلت البلاد فائضا تجاريا قياسيا خلال العام الماضي، مما يجعل استمرار الوصول إلى الأسواق العالمية عنصرا حيويا لاستقرار الاقتصاد الصيني.

ولهذا يدعو الكاتبان الولايات المتحدة إلى العمل مع حلفائها وشركائها التجاريين لمواجهة ما يعتبرانه ممارسات تجارية غير عادلة وسياسات صناعية مدعومة من الدولة الصينية.

مصدر الصورة عملة الدولار تمنح الولايات المتحدة نفوذا كبيرا على الصين (غيتي إيميجز)

الردع بالدولار

ولا يتوقف الأمر عند التجارة والتكنولوجيا، بل يشير المقال أيضا إلى استمرار اعتماد الصين على الدولار والمؤسسات المالية العالمية المرتبطة به، رغم سنوات من الحديث عن تقليص هيمنة العملة الأمريكية.

ويرى الكاتبان أن هذه الحقيقة تمنح واشنطن نفوذا كبيرا يمكن أن يتحول إلى أداة ردع فعالة إذا اندلعت أزمات كبرى أو مواجهات خطيرة بين البلدين.

كما يلفت الكاتبان الانتباه إلى اعتماد الصين على واردات الطاقة، وخاصة النفط الذي يمر جزء كبير منه عبر ممرات بحرية إستراتيجية، وهو ما يمثل مصدر قلق دائم لصناع القرار في بكين.

وفي جانب آخر، يشدد المقال على ما يعتبره نقطة ضعف أقل وضوحا لكنها لا تقل أهمية، وهي صورة الصين الدولية.

فبحسب الكاتبين، تعتمد كثير من أنشطة النفوذ الصينية حول العالم على العمل بعيدًا عن الأضواء، مما يعني أن كشف حملات التأثير والعمليات الإلكترونية وممارسات الإكراه الاقتصادي قد يحول بعض أدوات القوة الصينية إلى نقاط ضعف سياسية ودبلوماسية.

لم يعد الخلاف في الولايات المتحدة يدور حول ما إذا كانت الصين تمثل التحدي الأكبر، بل حول الكيفية التي ينبغي لواشنطن أن تتعامل بها مع هذا التحدي

الصين القوية تتحدى المصالح الأمريكية

وفي ختام مقالهما، حذر راتنر ودانبي من أن الصين أصبحت خلال العقد الماضي أكثر قوة وثقة وقدرة على تحدي المصالح الأمريكية وحلفائها، لكنهما أكدا أن واشنطن لا تزال تمتلك أدوات مهمة للتأثير إذا أحسنت استخدامها.

ويخلص الكاتبان إلى أن المطلوب ليس مواجهة شاملة مع الصين، بل إستراتيجية طويلة الأمد تقوم على بناء النفوذ واستخدامه بصورة مدروسة لردع السلوكيات التي تهدد المصالح الأمريكية وحلفاءها.

إعلان

ويعكس هذا الطرح اتجاها متناميا داخل دوائر السياسة الخارجية الأمريكية يرى أن المنافسة مع الصين لا ينبغي أن تقتصر على الدفاع عن المصالح القائمة، بل يجب أن تشمل أيضا استغلال نقاط الضعف لدى الخصم وفرض تكاليف عليه عند الضرورة.

وفي المقابل، تواصل إدارة ترمب اختبار مسار مختلف يقوم على تخفيف التوترات والسعي إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في العلاقات مع بكين.

وبين هذين التوجهين، يبدو أن الجدل المحتدم داخل الولايات المتحدة قد يتمخض عن إعادة رسم ملامح سياستها تجاه الصين لسنوات طويلة قادمة، في وقت لم يعد فيه الخلاف يدور حول ما إذا كانت بكين تمثل التحدي الأكبر لواشنطن، بل حول الكيفية التي ينبغي للولايات المتحدة أن تتعامل بها مع هذا التحدي.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا