كشف تقرير للصحفية لوسيندا جوردان نشره الاتحاد العالمي للصحف وناشري الأخبار وان-إيفرا (WAN-IFRA)، عن جانب أقل ظهورا في تغطية الحروب والصراعات، يتمثل في الأعباء النفسية التي يتحملها رؤساء التحرير ومديرو غرف الأخبار، وليس المراسلون الميدانيون فقط.
وأوضح التقرير أن الدراسات الصحفية والنفسية ركزت لعقود على آثار الحروب والصدمات على المراسلين الذين يعملون في مناطق النزاع، بينما تأخر الاهتمام بمن يديرون هؤلاء الصحفيين ويتخذون القرارات المتعلقة بسلامتهم ويواجهون تبعاتها الأخلاقية والنفسية.
وجاء هذا النقاش في صدارة أعمال المؤتمر العالمي لوسائل الإعلام الإخبارية الذي عقد بمدينة مرسيليا الفرنسية في الفترة من الأول وحتى الثالث من الشهر الحالي، حيث خصصت جلسة كاملة للإجابة عن سؤال بدا بسيطا لكنه يحمل أبعادا عميقة: من يعتني بالمحررين ورؤساء التحرير؟
وسلط التقرير الضوء على تجربة الصحفية الأوكرانية آنا بابينيتس، رئيسة تحرير منصة سليدستفو (Slidstvo.Info) وأحد مسؤولي مشروع كشف الجريمة المنظمة والفساد أو سي سي آر بي (OCCRP)، التي كانت تستعد للمشاركة في المؤتمر بينما كانت الغارات الروسية تستهدف مناطق داخل أوكرانيا.
وأضافت الكاتبة أن بابينيتس استيقظت صباح يوم الجلسة على خبر تدمير الشقة التي يستخدمها فريقها الصحفي، لتجد نفسها مضطرة إلى إدارة الأزمة والتواصل مع الموظفين وترتيب بدائل سكنية، قبل أن تتجه للمشاركة في النقاش الدولي حول الضغوط النفسية التي يعيشها قادة غرف الأخبار.
وأكدت بابينيتس أن الصحفيين العاملين في تغطية الفساد والجريمة المنظمة والحروب يتعلمون التعامل مع المحتوى الصعب، لكن ما لم تكن مستعدة له هو العبء المختلف الذي يقع على عاتق من يقود غرفة الأخبار ويتحمل مسؤولية سلامة الآخرين.
ويشير التقرير إلى أن هذه الظاهرة باتت تعرف في الأوساط البحثية بمصطلحات مثل "الإصابة الأخلاقية" أو "الجرح الأخلاقي"، وهو مفهوم قدمه الطبيب النفسي الكندي أنتوني فاينشتاين، الذي أمضى ما يقرب من ثلاثة عقود في دراسة التأثيرات النفسية للحروب على الصحفيين.
وكشف فاينشتاين خلال الجلسة أن الدراسات الحديثة التي أجريت في دول متعددة، من بينها أفغانستان وإيران وكينيا والمكسيك، توصلت إلى نتائج متشابهة تؤكد أن معدلات اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق بين الصحفيين أعلى بكثير من مثيلاتها لدى عامة السكان.
لكن التقرير يلفت إلى أن مسؤولي التحرير يواجهون طبقة إضافية من الضغوط. فهم لا يتعاملون فقط مع المحتوى العنيف أو الأخبار الصادمة، بل يتحملون أيضا مسؤولية اتخاذ قرارات قد تعرض الصحفيين للخطر أو تنقذ حياتهم.
ومن هذا المنطلق، استعرضت المحامية المتخصصة في قضايا حقوق الإنسان كاولفين غالاغر أربعة مخاطر رئيسية تواجه القيادات التحريرية.
أول هذه المخاطر يتمثل في "العبء المزدوج"، حيث يتعرض بعض مسؤولي التحرير أنفسهم للاستهداف أو التهديد، بينما يتحملون في الوقت ذاته الضغوط النفسية الناتجة عن حماية فرقهم الصحفية.
أما الخطر الثاني فهو "الصدمة غير المباشرة"، التي تنشأ عندما يتعامل مسؤول التحرير مع حالات اعتقال أو تعذيب أو مقتل صحفيين يعملون تحت إدارته.
وأضاف التقرير أن المحررين يواجهون كذلك ضغوطا مرتبطة باتخاذ قرارات مصيرية في ظروف زمنية ضيقة، فضلا عن تزايد ظاهرة استهداف رؤساء التحرير والناشرين بشكل مباشر في عدد من الدول، بهدف إضعاف المؤسسات الإعلامية وترهيب العاملين فيها.
وفي الجانب العملي، استعرض فيل شيتويند المدير العالمي للأخبار في وكالة الصحافة الفرنسية، تجربة المؤسسة في التعامل مع هذه التحديات. وأكد أن الخطوة الأولى كانت الاعتراف بوجود المشكلة وتخصيص ميزانيات وبرامج دعم نفسي للعاملين.
وأشار إلى أن تغيير الثقافة المؤسسية لا يتحقق بمجرد توفير الخدمات، بل يتطلب أن يتحدث القادة أنفسهم عن الضغوط التي يواجهونها، وأن يكسروا الصورة التقليدية التي تربط القيادة بعدم إظهار الضعف أو الحاجة إلى الدعم.
ويخلص التقرير إلى أن المؤسسات الإعلامية باتت مطالبة بإعادة النظر في مفهوم السلامة المهنية، بحيث لا يقتصر على الحماية الجسدية للمراسلين، بل يشمل أيضا الدعم النفسي للمحررين ومديري غرف الأخبار.
كما أوصى المشاركون بإنشاء مجموعات دعم بين القيادات التحريرية، وتوفير خدمات علاج نفسي سرية، وتشجيع التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، إلى جانب بناء ثقافة مؤسسية تعترف بالضغوط النفسية باعتبارها جزءا من المخاطر المهنية التي تواجه الصحافة الحديثة.
وتؤكد الكاتبة أن التحولات التي فرضتها الحروب الحديثة والمراقبة الرقمية والاستهداف المتزايد للصحفيين جعلت الصراع لا يقتصر على ساحات القتال، بل يمتد إلى غرف الأخبار نفسها، وهو ما يفرض على المؤسسات الإعلامية الاستثمار في حماية من يتخذون القرارات بقدر اهتمامها بحماية من ينفذونها على الأرض.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة