آخر الأخبار

هل تنسحب إسرائيل من جنوب لبنان بعد "أوامر ترمب"؟

شارك

في غضون 24 ساعة فقط، انقلبت الصورة في إسرائيل رأسا على عقب؛ فبينما كانت آلتها الدعائية تحتفي برفع علمها فوق قلعة الشقيف التاريخية في الجنوب اللبناني وعبور قواتها نهر الليطاني للمرة الأولى منذ عقدين، ضمن موجة توغّل واسعة؛ خرج الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبر منصة "تروث سوشيال" ليصوغ معادلة مفاجئة، عنوانها العريض: "إسرائيل لن تهاجم حزب الله، والحزب لن يهاجم إسرائيل"، مؤكدا أن "أي قوات كانت في طريقها إلى بيروت أُعيدت بالفعل".

تصريح ترمب لم يكن في فراغ؛ فقد جاء على وقع تسريبات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية عن "اتصال عاصف" صرخ فيه ترمب في رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: "أنت مجنون تماما، لولاي لكنت في السجن.. ماذا تفعل بحق الجحيم؟". والأهم أنه جاء بعد أيام من تصعيد إسرائيلي غير مسبوق منذ تفاهم نوفمبر/تشرين الثاني 2024، شمل عشرات الغارات على الجنوب اللبناني والبقاع، وتلويحا علنيا من وزير الأمن يسرائيل كاتس بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت.

غير أن قراءة "فيتو ترمب" بمعزل عن المشهد الإقليمي تظلّ ناقصة؛ فمنشور ترمب جاء متزامنا مع إعلانه أن "المحادثات تتقدّم بوتيرة متسارعة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، في إطار صفقة أوسع تشمل ملفات مفتوحة من مضيق هرمز إلى باب المندب، بعد أن رفعت طهران سقف تحذيراتها إلى حدّ التلويح بقصف شمال فلسطين المحتلة، وأوقفت تبادل الرسائل مع واشنطن احتجاجا على الخروق الإسرائيلية في لبنان.

وهكذا تحوّلت الأراضي اللبنانية المحتلة فجأة من ساحة معركة محلية إلى بند في مفاوضات إقليمية أكبر، يتقاطع فيها مصير الجنوب اللبناني مع مسار التهدئة بين واشنطن وطهران.

لكن الصورة في الميدان كانت مختلفة عما دار في الأروقة السياسية، إذ لم تتوقف ماكينة الاحتلال خلال الساعات التي تلت تصريح ترمب مباشرة، فقد واصل الطيران الإسرائيلي غاراته على الجنوب، وكثّف توزيع قواته داخل " الخط الأصفر" بدلا من التراجع عنه، في حين تتصاعد عمليات هدم منهجي للقرى الحدودية المحتلة.

إعلان

فهل نحن أمام تحول حقيقي في الإستراتيجية الإسرائيلية يُمهّد لانسحاب من الأراضي المحتلة حديثا، أم مجرد هدنة تكتيكية تُبقي الاحتلال جاثما وتمنحه غطاء جديدا لمواصلة "حرية الحركة"؟

المحللون الذين تحدثوا للجزيرة نت يتقاطعون عند خلاصة واحدة: "الميدان مفتوح، والانسحاب ليس واردا قريبا". لكنهم يختلفون في قراءة حدود "الفيتو الأميركي"، وفي تقدير ما إذا كانت إسرائيل قد دخلت فعلا مرحلة الاستنزاف، أم أنها تُمسك بأوراق تفاوض ستقايضها لاحقا " بنزع سلاح حزب الله" وترتيبات أمنية طويلة الأمد.

مصدر الصورة

التمدد نحو الشقيف "إنجاز" بلا حسم

الجملة الأكثر دلالة في منشور ترمب لم تكن وقف الهجوم على بيروت، بل ما سبقها: اعتراف ضمني بأن الجيش الإسرائيلي بلغ سقفا جغرافيا لا يمكن تجاوزه سياسيا. وعند هذا السقف، تصبح قلعة الشقيف رمزا للانتصار الإسرائيلي البديل؛ فحين يُحرم الجيش من بيروت، يصبح رفع العلم فوق تلة أثرية بديلا تعبويا يُسوَّق داخليا على أنه "ثمن الحرب".

غير أن منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية ( يونيفيل) العميد منير شحادة يُفرّغ صورة هذا "الانتصار الإسرائيلي" من مضمونها، مذكرا بأن الموقع كان خاليا عمدا من أي وجود للمقاومة "منعا لإعطاء إسرائيل ذريعة لقصف معلم أثري".

وأضاف شحادة -في تصريحات للجزيرة نت- أن السيطرة عليه لم تكن نزهة؛ إذ تعرضت آلياتها لمسيّرات أوقعت قتيلا و7 جرحى في صفوف جنودها، وفُتح بشأن ذلك تحقيق إسرائيلي عن كيفية اختراق الدفاعات ليلا. مبينا أن الدرس التاريخي للمنطقة يكمن في أن قلعة الشقيف لم تكن يوما موقعا يسهل التمسك به حتى في زمن الاحتلال السابق.

وهذا "الإنجاز التعويضي"، كما يراه الإعلام الإسرائيلي، يتقاطع مع قراءة الخبير العسكري والإستراتيجي العميد حسن جوني، الذي يضعه في إطار أوسع: التموضع في الشقيف امتداد متعمَّد "للخط الأصفر" الذي ينحرف عند هذه النقطة شمالا ليبتلع القلعة ومحيطها، في تصميم مدروس يُراد منه تحويل الموقع إلى ركيزة لمنطقة عازلة دائمة، يُساوم عليها الاحتلال مستقبلا مقابل نزع سلاح حزب الله. ولذلك يصبح ما منعه ترمب على محور بيروت تعويضا يُسجَّل على محور الليطاني.

مصدر الصورة توغل الجيش الإسرائيلي في الجنوب اللبناني حتى نهر الليطاني (الجزيرة)

خريطة توزيع الاحتلال

وقد يوحي تصريح ترمب عن "إعادة القوات التي كانت في طريقها إلى بيروت" لوهلة بأن جيش الاحتلال يتراجع، لكن قراءة الخريطة الميدانية تكشف غير ذلك؛ فالقوات التي مُنعت من الاتجاه شمالا نحو العاصمة اللبنانية أُعيد توزيعها أفقيا على محاور التوغل القائمة، لتُكثف وجودها داخل الشريط المحتل بدلا من أن تنسحب منه.

ويرسم الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم حيدر هذه الخريطة بدقة: توغّل على 3 محاور متوازية:


* أولا- شرقا، نحو النبطية بعد عبور الليطاني.
* ثانيا- في الوسط نحو التلال الحاكمة في الغندورية.
* ثالثا- غربا نحو سهل القليلة في صور.

وأضاف حيدر -في تصريح للجزيرة نت- أن كل هذه التحركات جاءت ضمن خطة معلنة للوصول إلى عمق 30 كيلومترا لتشمل الزهراني وإقليم التفاح والبقاع الغربي. مؤكدا أن "فيتو ترمب" يمنح إسرائيل غطاء سياسيا لتعميق هذا التوغل ما دامت تحترم "الخط الأحمر الأميركي" على العاصمة.

إعلان

ويُكمل مسؤول الملف اللبناني في مجموعة الأزمات الدولية ديفيد وود الصورة من خلال إضفاء بُعد أخطر؛ فإسرائيل التي قبلت بسقف ترمب على بيروت، تستثمر الوقت داخل المنطقة المحتلة في تدمير ممنهج لقرى ومجتمعات بأكملها، بما يجعل عودة السكان شبه مستحيلة.

وعلى هذا الأساس، تكون تصريحات ترمب لم توقف الحرب على لبنان، بل نقلتها من حرب توسّع إلى حرب تثبيت، ومن معركة الوصول إلى معركة البقاء، حسب رأي المحلل في مجموعة الأزمات الدولية.

مصدر الصورة عملية السيطرة الإسرائيلية على قلعة الشقيف في جنوب لبنان (حساب أفيخاي أدرعي على إكس)

متى ينسحب الجيش الإسرائيلي؟

النقطة التي تجاهلها منشور ترمب كليا هي الأهم في القاموس اللبناني: متى ينسحب الجيش الإسرائيلي؟ فغياب أي إشارة إلى جدول زمني للانسحاب من الأراضي المحتلة حديثا ليس سهوا، بل سياسة مقصودة تكشفها قراءات المحللين الأربعة التي تتقاطع جميعها عند تأجيل غير محدد.

فديفيد وود يضع المسألة في صياغتها الأكثر صراحة: "من غير المرجح على الإطلاق أن تنسحب إسرائيل في أي وقت قريب"، لأن التفاهم الذي بنى عليه ترمب إعلانه يحصر نطاق المعركة دون أن يفكّك وقائعها.

وحسن جوني يضيف اللمسة الفنية: الصيغة المتداولة "تفاهم شفهي" يقايض تجنيب الضاحية بتجنيب الشمال الإسرائيلي، وأي اتفاق مكتوب لاحقا سيكون وقفا متبادلا لإطلاق النار فقط، دون أي بند يلزم إسرائيل بالانسحاب من داخل "الخط الأصفر".

أما إبراهيم حيدر فيستحضر شبح اجتياح 1982، حين بدأت العملية الإسرائيلية محدودة الأهداف ضد منظمة التحرير، لتنتهي باحتلال بيروت وبقاء "الشريط الحدودي" 18 عاما، ويصبح تصريح ترمب أمس عن بيروت ليس مانعا لتكرار الجزء الأخطر من سيناريو الثمانينيات: منطقة عازلة موسّعة تمتد لتتصل بالجنوب السوري، وتتحول تدريجيا إلى أمر واقع.

ويختم منير شحادة بالسيناريو الأكثر ترجيحا وأقله كلفة على إسرائيل: ليس الضم ولا الاحتلال التقليدي، بل تجميد الأراضي المحتلة كأوراق ابتزاز تساوم عليها لاحقا لانتزاع تنازلات أعمق، مستفيدة من دروس عامي 2000 و2006 بأن الإمساك الطويل بمساحات واسعة يفرض كلفة بشرية وعسكرية باهظة إذا تحولت إلى ساحة استنزاف.

إسرائيل متمسكة بحرية الحركة في الجنوب

البند الأكثر التباسا في تصريحات ترمب هو ما لم يقُله؛ فبينما حدد ما هو ممنوع "قصف بيروت"، ترك ما هو مسموح به "العمليات داخل الجنوب"، بما يمثل تفويضا ضمنيا لاستمرار "حرية الحركة" الإسرائيلية.

وعلى هذا الأساس جاءت النتيجة سريعة: ففي 24 ساعة التالية للإعلان نفّذ جيش الاحتلال عشرات الغارات الجوية في جنوب لبنان، وفق ما يرصده مسؤول الملف اللبناني في مجموعة الأزمات.

ويُكثّف وود هذه القراءة بتوقّع لافت: إسرائيل ستتمسك "بتعريف واسع لما يشكل تهديدا أمنيا"، ولا يستبعد أن تنفذ اغتيالات داخل الضاحية الجنوبية لبيروت ذاتها إذا تحدد هدف بارز، وهو ما يكشف هشاشة "أوامر ترمب" حين يتعلق الأمر بتفسيره العملياتي.

وحيدر يُكمل الصورة بأن واشنطن "تبنّت وجهة النظر الإسرائيلية" التي تفصل بين العاصمة والجنوب، وأن الضمانات الممنوحة لإسرائيل في اتفاق نوفمبر/تشرين الثاني 2024 لا تزال سارية فعليا رغم منشور ترمب.

شحادة بدوره يضع الإصبع على العقدة الأصعب في أي اتفاق مقبل: إسرائيل تريد ترسيم "حق التدخل عند وجود تهديد" نصا، في حين يطالب لبنان بانسحاب كامل واحترام للسيادة، وأي تكريس لهذا المفهوم سيعني عمليا تشريع الغارات والتوغلات حتى بعد وقف العمليات الواسعة.

أما جوني فيرى في تصريحاته للجزيرة أن "حرية الحركة" خط أحمر بالنسبة لحزب الله؛ لأنها تعني العودة إلى ما قبل الثاني من مارس/آذار الماضي (قبل بداية التصعيد الحالي)، حين كان جيش الاحتلال "يغتال ويقتل يوميا"، ولذلك يستبعد أن يتضمن أي اتفاق مكتوب بندا يمنح ذلك لإسرائيل، ولو ظل السلوك الميداني مغايرا.

مصدر الصورة ترمب وإيران.. حرب الحشود والتصريحات والضغوط قبل المفاوضات (الجزيرة-مولدة بالذكاء الصناعي)

ما علاقة إيران بتصريحات ترمب؟

السؤال الذي يطرحه المحللون: لماذا تراجع ترمب بهذه الحدّة عن دعم التصعيد نحو بيروت بعد أشهر من تفويض مفتوح لنتنياهو؟ الإجابة لا تكمن في تل أبيب ولا في واشنطن، بل في طهران، فالتصعيد نحو الضاحية الجنوبية كان كفيلا بتفجير منظومة كاملة من الترتيبات الإقليمية التي تحاول إدارة ترمب تثبيتها مع الإيرانيين، حسب ما ذهب إليه المحللون.

إعلان

شحادة يضع هذه الزاوية في صلب التحول، مذكرا بأن إيران أعلنت بوضوح أن خروق إسرائيل في لبنان مرتبطة بمسار التهدئة الإقليمي، ورفعت سقف تحذيراتها إلى حدّ التلويح بقصف شمال فلسطين المحتلة، والتلميح إلى ورقة إغلاق باب المندب، فضلا عن وقف تبادل الرسائل مع واشنطن. وهذه التهديدات رفعت كلفة قرار قصف الضاحية إلى حد دفع ترمب لاستخدام لغة فظة مع نتنياهو.

والقرينة الأقوى يقدّمها ترمب ذاته؛ فمنشوره عن وقف الهجمات في لبنان جاء بالتزامن مع إعلانه أن "المحادثات تتقدم بوتيرة متسارعة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، في إطار صفقة أوسع تشمل فتح مضيق هرمز وتمديد وقف إطلاق النار. وهكذا، فإن الأراضي اللبنانية المحتلة لم تعد ورقة لبنانية-إسرائيلية فحسب، بل بندا في مفاوضات إقليمية كبرى، ينتظر مصيرها ما ستُسفر عنه طاولة المفاوضات الجالس عليها كل واشنطن وطهران.

موقف حزب الله

في الزاوية المقابلة من المشهد، يقف حزب الله أمام معادلة جديدة فرضتها تصريحات ترمب؛ فهو خرج من جولة التصعيد الأخيرة بعدما أوقف الهجوم على بيئته السياسية والجغرافية، لكنه دفع ثمنا ميدانيا ثقيلا يلقي بظلاله على خياراته المقبلة.

الدكتور حسن جوني يلتقط هذا التحول ويشير إلى أن الحزب لم يعلن موقفا نهائيا بشأن استمرارية العمل المسلح في مواجهة الوجود الإسرائيلي، وقد يميل إلى صيغة "إعطاء الدبلوماسية مزيدا من الوقت لتحرير الأرض"، خاصة أنه سيخرج منهكا وأمام إشكاليات داخلية كبيرة، وبيئة حاضنة أصابتها "نكبة" نتيجة الحرب.

ويكمل الباحث السياسي إبراهيم حيدر الصورة بأن الحزب يراهن على الضغط الإيراني لانتزاع وقف نار شامل، مدركا أن ذلك لن يُخرج الاحتلال من الجنوب، لكنه يمنع إسرائيل من توظيف الحرب لإضعاف الدولة اللبنانية ذاتها.

ويختصر منسق لبنان السابق مع اليونيفيل منير شحادة المعادلة بأن "المقاومة أظهرت قدرة على مواصلة القتال وإيقاع خسائر بالقوات المتقدمة، رغم التفوق الجوي والناري للخصم"، وهو ما يمنع تحول المكاسب الإسرائيلية إلى حسم نهائي، ويبقي كلفة البقاء في الأراضي المحتلة مرتفعة بما يكفي لجعلها ورقة قابلة للتفاوض لاحقا.

والخلاصة.. تكشف الصورة الكاملة عن أن تصريحات ترمب رسمت سقفا للحرب دون أن تُنهيها؛ إذ منعت قصف بيروت لكنها شرّعت ضمنا استمرار الاحتلال وتعميقه شمال نهر الليطاني، وحولت الأراضي اللبنانية المحتلة من ساحة معركة إلى ورقة تفاوض إقليمية.

ويبقى الميدان -كما يتقاطع المحللون الأربعة- هو الحكَم الأخير؛ فإما أن تتحول المواقع المحتلة إلى أوراق تفاوض تتآكل تحت وطأة الاستنزاف، أو تتكرس "منطقة أمنية" جديدة تُعيد إنتاج عقود من النزاع المفتوح على حافتي الليطاني.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا اسرائيل أمريكا لبنان

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا