في شقة متواضعة بحي الأشرفية في بيروت، تمضي السبعينية إلهام بيضون، المعروفة بـ"أم ماهر"، سنواتها الأخيرة بين ذكريات الفقد وأعباء الوحدة، بينما تتمسك بحلم وحيد تقول إنه يخفف عنها قسوة الأيام؛ أن تزور مكة المكرمة وتؤدي فريضة الحج قبل أن يداهمها الموت.
وفي قصة أعدّتها الصحفية أسماء وهبة للجزيرة، تبدو حياة أم ماهر (77 عاما) مرآة لمعاناة كثير من اللبنانيين الذين أنهكتهم الأزمات الاقتصادية والحروب المتعاقبة، إذ تعيش المرأة وحيدة منذ وفاة زوجها عام 2014، معتمدة على مساعدات متفرقة تؤمن بالكاد احتياجاتها اليومية.
لكن الوجع الأكبر، كما تروي أم ماهر، يعود إلى عام 2001 حين فقدت ابنها الوحيد ماهر في حادث سير، وهو الحدث الذي تقول إنه غيّر حياتها بالكامل وترك في جسدها رعشة مزمنة لم تفارقها منذ ذلك الحين، مضيفة أن "قلب الأم لا يشفى من فقدان ابنها".
وتقول أم ماهر إن سنوات الحرب اللبنانية وما رافقها من خوف ونزوح وفقر، دفعتها إلى العمل في ظروف قاسية من أجل تربية أولادها، مشيرة إلى أنها كانت تخرج أحيانا "تحت الضرب" لتأمين لقمة العيش، بينما كان زوجها يعمل أيضا في ظروف خطرة خلال فترات التصعيد.
ومع تصاعد الغارات الإسرائيلية على لبنان خلال الأشهر الأخيرة، باتت أم ماهر تقضي ساعات طويلة أمام باب منزلها كلما اشتد القصف، هربا من عزلة البيت وصمته الثقيل، في وقت تعجز فيه عن توفير احتياجات أساسية، وسط أزمة اقتصادية تعد من الأسوأ في تاريخ البلاد الحديث.
وتروي السيدة اللبنانية أن ابنها الراحل كان يتمنى أن يراها مرتدية الحجاب قبل وفاته، وهو ما دفعها إلى ارتدائه لاحقا وفاء لرغبته، قائلة إن تلك الخطوة كانت محاولة لتحقيق أمنية بقيت عالقة في ذاكرتها بعد رحيله المفاجئ.
أما أمنيتها اليوم، فتختصرها بكلمات بسيطة تقول فيها "قبل ما موت يا عالحج يا عالعمرة"، مؤكدة أن شوقها إلى زيارة الكعبة والمسجد النبوي يزداد كلما سمعت عن قوافل الحجاج والمعتمرين، لكنها تقف عاجزة أمام التكاليف المرتفعة.
وتوضح أم ماهر أن دخلها المحدود وظروف بناتها الصعبة يجعلان حلم الحج بعيد المنال، متسائلة بحرقة "من وين بدي جيب الـ7 آلاف دولار؟"، في إشارة إلى الانهيار الاقتصادي الذي دفع بكثير من اللبنانيين إلى التخلي عن أحلام أساسية، بينها أداء الشعائر الدينية.
ورغم سنوات التعب والفقد والوحدة، لا تزال أم ماهر تتمسك بأمل الوصول إلى مكة، مرددة دعاءها بأن يكتب الله لها زيارة الكعبة قبل رحيلها، مضيفة أنها تتمنى أن تكون خاتمة حياتها هناك "بين يدي الله"، في أمنية تختلط فيها مشاعر الإيمان بالحزن والحنين.
المصدر:
الجزيرة