آخر الأخبار

رجل اعتقل 190 مرة ومدينة يحظر البناء فيها.. قصص من أكناف بيت المقدس

شارك

القدس- 59 عاماً مرّت على آخر إذنِ بناءٍ مُنِح هنا. وبينما خضع رجلٌ واحدٌ للاعتقال 190 مرة، يروي آخرون تجارب وقصصاً حيّة لأشخاصٍ يُريد منهم خصومهم الرحيل، ولكنهم يزدادون حباً للأرض والتصاقاً بها.

ففي القدس يمتد عنف الاحتلال إلى تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين الذين يخضعون بشكل قهري لمنظومة متشابكة من الإجراءات الأمنية والقانونية والإدارية الاستعمارية، التي تصب في خانة الضغط عليهم.

فمنذ بدء حرب الإبادة في غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهدت القدس تصعيداً ملحوظاً في سياسات الاحتلال، شمل حملات اعتقال واستدعاء، وقرارات إبعاد عن المسجد الأقصى والبلدة القديمة، إلى جانب تسارع عمليات هدم المنازل ومصادرة الأراضي والتضييق على السكان.

ويرى المقدسيون أن هذه الإجراءات ما هي إلا حلقة تندرج ضمن سياسة واسعة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والجغرافي في المدينة، ومحو الوجود الفلسطيني فيها على الأصعدة السياسية والاجتماعية والدينية.

وتشير إحصائيات نشرتها مؤخراً مؤسسة الدراسات الفلسطينية إلى أن عدد الفلسطينيين في القدس يصل إلى 362 ألف نسمة، منهم 121 ألفاً يعيشون خلف الجدار، منهم 59 ألفاً و400 نسمة في منطقة كفر عقب وسميرا ميس شمال القدس، و61 ألفاً و500 في منطقة مخيم شعفاط ورأس خميس ورأس شحادة شمال شرق المدينة.

مصدر الصورة المقدسي جهاد قوس خاض 73 تجربة اعتقال حتى الآن ويتعرض باستمرار لعقوبة الإبعاد عن المسجد الأقصى (الجزيرة)

73 تجربة اعتقال

يقول الشاب المقدسي جهاد قوس (32 عاماً) إن الاحتلال يتبع سياسات تضييق ممنهجة بحق الشباب المقدسي، أبرزها الإبعاد عن المسجد الأقصى والبلدة القديمة، فضلاً عن الاعتقالات التعسفية التي تطال الجميع، بغض النظر عن انخراطهم أو عدمه في أي نشاط سياسي أو اجتماعي.

"يحاولون بث الرعب وترسيخ سياسات الردع بين أوساط الشباب عبر التهديد المستمر بإعادة الاعتقال، فلا يُترك لهم مجال لالتقاط أنفاسهم، سواء كانوا فاعلين في الميدان أم لا؛ فمن يتصدر المشهد يُعتقل، ومن يبتعد يظل عرضة للتهديد"، يضيف الشاب الملاحق إسرائيلياً بالإبعادات عن المسجد الأقصى منذ عام 2014.

إعلان

ووفقاً لمعطيات محافظة القدس لعام 2025، فقد سجلت 804 حالات اعتقال في المحافظة، بينهم 81 قاصراً و53 امرأة، وبينما حُكم على 317 مقدسياً بالسجن الفعلي، تم تحويل 183 أسيراً لعقوبة الاعتقال الإداري أو تجديد هذه العقوبة بحقهم، وهو احتجاز الشخص بموجب "ملف سري" دون توجيه تهم محددة أو تحديد سقف زمني.

كما رصدت المحافظة خلال العام المنصرم إصدار مئتي قرار إبعاد بينها 149 إبعاداً عن المسجد الأقصى، في الوقت الذي اقتحمه على مدار العام 73 ألفاً و871 مستوطناً إسرائيلياً.

تطرق قوس إلى الآثار النفسية والاجتماعية لهذه العقوبة بالتحديد، قائلاً: "أسكن في البلدة القديمة، وأعجز عن زيارة أقاربي القاطنين في باب المجلس القريب من منزلي خلال الأعياد والمناسبات، وكأنني قاطعٌ لصلة الرحم".

تعرّض قوس للاعتقال 73 مرة، أمضى خلالها ما مجموعه 5 سنوات في السجن، وكان آخر الاعتقالات في فبراير/شباط 2025، ويشير في هذا السياق إلى أنه خلال 28 يوماً قضاها في مركز توقيف المسكوبية غربي القدس، مُنِع من لقاء محاميه أو مندوب من الصليب الأحمر كما تعرّض للتنكيل والسحل على يد السجانين الذين يتعمّدون كسر عزيمة الأسير أمام رفاقه.

ظروف غير إنسانية

لا يتوقف استهداف الأسرى المحررين عند الإفراج عنهم، بل تواصل إسرائيل ملاحقتهم، ويروي الأسير المحرر جهاد قوس أن مخابرات الاحتلال استدعته برفقة 40 شاباً إلى حاجز مخيم شعفاط العسكري شمال شرق القدس، وأجبرتهم على الجلوس في الشارع، ليقوم ضابط كل منطقة بمقابلة الشبان وفقاً لمناطق سكنهم.

ويرجح هذا الشاب أن الغاية من الاستدعاءات والملاحقات المستمرة، هي إبقاء الشباب المقدسي في حالة دائمة من الخوف والقلق من إمكانية إعادة اعتقالهم وحرمانهم الاستقرار.

لم يكن الحال أفضل بالنسبة للناشط محمد أبو الحمص، فقد تعرض للاعتقال أكثر من 190 مرة، ويرى في حديثه للجزيرة أن "مشهد إفراغ القدس يكتمل عبر سياسات الاعتقال، وأوامر الاعتقال الإداري، والأحكام القاسية الصادرة بحق الأسرى المقدسيين، بما في ذلك تلك المتعلقة بتهم التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي".

ويضيف أن الشباب عاجزون عن التعبير عن آرائهم السياسية في ظل الأحداث التي واكبت حرب الإبادة والسياسات التي فرضها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في القدس.

ووفق محافظة القدس في تقرير شهري، اعتقلت سلطات الاحتلال 138 مقدسياً، بينهم 9 نساء وطفل واحد، خلال أبريل/نيسان المنصرم.

مصدر الصورة أبو الحمص: مشهد تفريغ القدس من أهلها يتم عبر الاعتقالات وأحكام السجن القاسية (الجزيرة)

الهدم كأداة ترحيل

المقدسي محمد مشاهرة، من بلدة صور باهر جنوبي القدس، واحد من 40 مقدسياً أجبرتهم بلدية الاحتلال على هدم منازلهم بأنفسهم منذ مطلع العام، فهدموا منازلهم بأيديهم تجنباً لدفع غرامات باهظة في حال نفذت الهدم جرافات البلدية.

وشكّل هذا المنزل المأوى الوحيد لأطفال مشاهرة الأربعة وزوجته منذ تشييده عام 2018، لكنه اضطر لتدمير 120 متراً مربعاً بناها بعرق جبينه وبتكاليف باهظة.

يقول للجزيرة نت: "تلقينا قبل نحو شهرين أمراً بالهدم، وتقدمت باستئناف للمحكمة (الإسرائيلية) في محاولة لتجميد القرار واستكمال إجراءات الترخيص، وبالفعل تم تجميده، قبل صدور قرار نهائي بالهدم بحجة البناء غير المرخص".

إعلان

وخلال عام 2020، فرضت البلدية على هذا الشاب غرامة مالية قدرها 24 ألف دولار (نحو 26 ألف دولار)، مع تهديده بفرض غرامة إضافية تصل إلى 34 ألف دولار في حال عدم تنفيذ قرار الهدم، وذلك بذريعة مخالفة قوانين البناء. ويؤكد: "حاولنا مراراً استصدار التراخيص اللازمة وتنظيم البناء إلا أن سلطات الاحتلال تواصل رفض منح التراخيص في منطقة صور باهر".

وتُلزم سلطات الاحتلال أصحاب العقارات والبيوت بإزالة البناء بالكامل وإعادة الأرض إلى وضعها السابق، ووثقت محافظة القدس خلال عام 2025 المنصرم 397 جريمة هدم نفذت آليات الاحتلال 259 منها، فيما هدمت 104 منشآت بأيدي أصحابها قسراً، في وقت تحجب فيه سلطات الاحتلال تراخيص البناء عن المقدسيين.

مصدر الصورة أبو ذياب هدمت جرافات الاحتلال منزله وتسعى لهدم كرفان أنشأه في أرضه ومصادرة الطيور التي يربيها منذ عقود (الجزيرة)

أمر مصادرة 12 طير إوز

كان منزل الباحث المقدسي فخري أبو ذياب، -على غرار منازل أخرى في أحياء بلدة سلوان المجاورة للأقصى- فريسة لعمليات الهدم، وفرضت عليه غرامة مالية قدرها 14 ألف دولار لرفضه الامتثال لقرار هدم منزله ذاتياً، وتلا ذلك قرارٌ تعسفيّ بمصادرة 12 طير إوز كان يربيها داخل أرضه، كل ذلك في محاولة لإخراجه من الحي الذي تعلّق به.

يقول أبو ذياب، للجزيرة نت: "بالرغم من قدرتي على بناء منزل في الضفة الغربية، إلا أنني رفضت مغادرة أرضي واكتفيت بتجهيز كرفان لي ولزوجتي، واضطر أبنائي لاستئجار منازل في بلدة بيت حنينا.. أدرك تماماً أن هدفهم (الاحتلال) هو تهجيرنا، وبالرغم من عجزنا عن إيقاف مشاريعهم، إلا أننا قادرون على عرقلتها من خلال الصمود والثبات في أرضنا".

عن مصادرة 12 إوزة، يقول الناشط المقدسي إن القرار "ما هو إلا استهداف لكل رابط يربط المقدسي بأرضه، وتربية هذه الطيور إرثٌ ورثته عن أجدادي، وسأحافظ عليها كما الأرض"، مؤكداً أن حاله كحال 60 ألف مقدسي يعيشون في بلدة سلوان، "ولا نريد فقدان القدس في هذه المرحلة، وأداة الصمود الوحيدة هي إعلاء الأصوات وفضح الجرائم لإيصال الرسالة".

استهداف الخاصرة الجنوبية للأقصى

وكونه يعيش في البلدة المجاورة لحدود الأقصى الجنوبية، يؤكد أبو ذياب، وهو عضو في لجنة الدفاع عن أراضي سلوان، أن مدينة القدس وتحديداً بلدة سلوان وأهلها يقبعون تحت استهداف الاحتلال لأسباب أيديولوجية وسياسية، موضحاً أن البلدة التي تتربع على مساحة 560 دونماً (الدونم يساوي ألف متر مربع)، ويقطنها 60 ألف مقدسي يتوزعون على 12 حياً، تعد خط الدفاع الأول عن المسجد الأقصى والبلدة القديمة.

ويضيف أن البلدة تواجه أعمال حفريات لأنفاق منذ عام 2012 لتغيير معالم مواقعها الأثرية واستبدالها برموز تحاكي الروايات الاستعمارية، وصولاً إلى تزييف القبور، حيث تم زرع 9 آلاف و870 قبراً وهمياً فارغاً حتى نهاية عام 2025، بهدف إثبات وجود حضارة يهودية في المنطقة بشكل مصطنع.

ويوضح أن الاحتلال يواصل تهويد البلدة كونها تقع داخل حدود ما يسميه مخطط "الحوض المقدس" الاستيطاني الذي تبلغ مساحته 27.5 دونماً، ويمتد من حي الشيخ جراح وصولاً إلى سلوان "والهدف تغيير المشهد والهوية في المنطقة لتطابق الوصف التوراتي، وسط مزاعم للاحتلال أنها مهد الدولة اليهودية الأولى قبل 3 آلاف عام".

مصدر الصورة أبو ذياب: منذ عام 1967 بلغ عدد رخص البناء الممنوحة لأهالي سلوان "صفراً" (الجزيرة)

إبادة حضرية

تستهدف قرارات الهدم الإسرائيلية القضائية والإدارية 7 آلاف و862 منشأة في القدس، وتواجه 40% من مباني سلوان خطر الهدم، بما في ذلك منازل ومتاجر ومنشآت غير سكنية، وذلك في إطار خطة لتصفية الوجود الفلسطيني، فيما تستحدث سلطات الاحتلال عبر أجهزتها وأدواتها مسارات قانونية وسياسية للسيطرة على المنازل، وفقاً لأبو ذياب.

إعلان

ويضيف أنه منذ عام 1967 بلغ عدد رخص البناء التي مُنحت للأهالي -رغم استيفائهم شروط البلدية- صفراً؛ حيث تتذرع اللجنة اللوائية للبناء والتنظيم بأنها مناطق تاريخية لا يجوز تغيير طابعها، بينما تسمح في الوقت ذاته ببناء وحدات استيطانية فيها.

وأوضح أن سلطات الاحتلال صادرت نحو 1270 متراً مربعاً من الأراضي المجاورة لحي البستان، بعد أن صنّفت منازلها بأنها "غير مرخصة"، ليقوم لاحقاً بترخيصها لصالح المستوطنين، أما الأراضي التي يتعذر مصادرتها وسرقتها بشكل مباشر، فيدعي تبعيتها لليهود قبل عام 1948، كما حدث في حي بطن الهوى، حيث استولت سلطات الاحتلال على 5 آلاف ومئتي متر مربع بالاستناد إلى قانون أملاك الغائبين.

ويُعد هذا القانون -الذي سنّه الاحتلال الإسرائيلي عام 1950- أداة لتشريع الاستيلاء على ممتلكات الفلسطينيين الذين هُجّروا قسراً منها إبان النكبة عام 1948، وتُنقل بموجبه ملكية الأراضي والمنازل الخاصة إلى ما يُسمى بـ "وصي أملاك الغائبين" التابع لدولة الاحتلال.

مصدر الصورة حي كفر عقب عزله الاحتلال عن القدس ويستقطب المقدسيين كونه يقع داخل الحدود الإدارية لبلدية القدس (الجزيرة)

حسم الديمغرافيا

وتحاول الخطط الاستيطانية إحلال 30 ألف مستوطن بحلول عام 2050 في بلدة سلوان. ويوضح أبو ذياب أن المشروع يتطلب توفير مساحات واسعة من الأراضي، ويتم تنفيذه عبر آليات الطرد والهدم وما يرافقه من خنق لبلدات مدينة القدس.

وتهدف سياسات الاحتلال عموماً إلى دفع الفلسطينيين في القدس نحو الهجرة باتجاه الأحياء الواقعة خلف الجدار العازل، حيث يعيش هناك نحو 120 ألف مقدسي في مناطق مخيم شعفاط وكفر عقب وسميرا ميس وغيرها.

ويؤكد أبو ذياب: "الاحتلال الإسرائيلي دفع المقدسيين للخروج إلى الأحياء الواقعة داخل حدود البلدية لكنها خلف الجدار، وأغراهم بالحياة هناك لضمان عدم عودتهم، تمهيداً ليوم يصدر فيه قراراً بإخراج هذه المناطق من حدود البلدية وتجريد كافة السكان من حق الإقامة، مما سيحسم الديمغرافيا في المدينة لصالح اليهود".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا