شكلت الأنفاق التي بناها حزب الله في الجنوب اللبناني وعدد من المناطق الأخرى وجهة أساسية للعمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان منذ أواخر العام 2023، وسط مساع حثيثة لاكتشافها وتدميرها.
منذ ذلك الحين، أعلن الجيش الإسرائيلي تباعاً عن اكتشاف وتدمير عدد من الأنفاق في مناطق مختلفة من الجنوب، بينها نفق في بلدة الخيام قال إنه يقع على عمق يقارب 25 متراً ويضم غرف عمليات ووسائل قتالية ومرافق تحت الأرض. كما أعلن في البلدة نفسها اكتشاف نفق في محيط كنيسة ، مشيراً إلى العثور على مداخل إضافية له خلال فترة وقف إطلاق النار.
وفي منطقة القنطرة، قال الجيش الإسرائيلي إنه دمّر نفقين باستخدام أكثر من 450 طناً من المتفجرات، بطول إجمالي يقارب كيلومترين، ويضمان عشرات الغرف والفتحات العملياتية، إضافة إلى بنية تسمح بالإقامة لفترات طويلة تحت الأرض.
وتسلّط هذه الوقائع الضوء على الأهمية الاستراتيجية التي اكتسبتها الأنفاق في المواجهة الحالية، باعتبارها بنية دفاعية ومراكز تخزين وتحرك لمقاتلي الحزب. كما أنها تفرض، في المقابل، تحدّيات كبيرة أمام أيّ عملية عسكرية برية، بسبب طبيعتها المخفية، وتشعّبها.
يقول عباس، وهو أحد أبناء بلدة عيترون في جنوب لبنان، إن فكرة وجود الأنفاق “كانت متداولة داخل البيئة الحاضنة لحزب الله”، مشيراً إلى أن بعض الشبان كانوا يتباهون بمشاركتهم في أعمال الحفر، من دون الكشف عن أيّ تفاصيل تتعلق بالمواقع أو المسارات.
ويضيف إن سكان القرى كانوا يلاحظون أحياناً اختفاء بعض الشبان، قبل أن يُقال لاحقاً إنهم يشاركون في أعمال حفر أو إنشاءات تحت الأرض.
وبحسب عباس، كانت الأحاديث داخل البلدات الحدودية تتضمن أحياناً إشارات إلى أن بعض الأنفاق يمتد باتجاه الداخل الإسرائيلي، علماً أن الجيش الإسرائيلي أعلن، في أكتوبر 2024، عثوره على نفق يمتد من منطقة مروحين في قضاء صور لمسافة تقارب 10 أمتار داخل الأراضي الإسرائيلية، قرب موشاف زرعيت في الجليل الغربي.
ورغم ذلك، يؤكد عباس أنه لم يكن يسمع أيّ أصوات حفر، لافتاً إلى أن العمل على أعماق كبيرة وبطرق مدروسة كان يجعل انتقال الأصوات إلى سطح الأرض أمراً بالغ الصعوبة.
ما بدأ يظهر تباعاً منذ عام 2023، يؤكد أن ما بُني تحت مناطق لبنانية عدة، ولاسيما في الجنوب، بنية عسكرية واسعة ومتعددة الوظائف.
الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد سعيد القزح يقول إن الحديث عن انتشار الأنفاق في الجنوب “ليس مبالغاً فيه، بل يعكس واقعاً قائماً منذ سنوات”، مشيراً إلى وجود ما يشبه “جنوباً تحت الجنوب، يضم شبكة واسعة من الأنفاق والمخازن والغرف المحصّنة الممتدة تحت الأرض”.
وبحسب ما يقوله القزح لموقع “الحرة”، استُخدمت هذه الشبكات “لتخزين الذخائر، وإطلاق الصواريخ، وتأمين مراكز القيادة والسيطرة، إضافة إلى نقل المقاتلين وإدارة العمليات بعيداً عن الرصد الجوي والاستهداف المباشر”.
ويؤكد أن عدد الأنفاق “كبير جداً، ويمتد لعشرات الكيلومترات، وإن لم تكن جميعها مترابطة بشكل مباشر”. ويشرح أن بعض هذه الأنفاق “ذو طابع دفاعي، يُستخدم للاختباء والانسحاب وتأمين الحماية من الغارات الجوية، فيما صُمم بعضها الآخر كنقاط انطلاق هجومية، تتضمن فتحات تتيح للمقاتلين الخروج لتنفيذ عمليات ميدانية أو التصدي لأيّ تقدم بري”.
وفي هذا السياق، يربط القزح بين بعض هذه البنى والمناورة العسكرية التي أجراها حزب الله في مايو 2023 والتي حاكت اقتحام أراض إسرائيلية.
وتتقاطع هذه التقديرات مع ما أورده معهد “ ألما ” الإسرائيلي بشأن وجود شبكة أنفاق تمتد لعشرات الكيلومترات داخل جنوب لبنان. وبحسب المعهد، جرى تطوير هذه البنية بمساعدة شركة كورية شمالية متخصصة في مثل هذه المشاريع، فيما تولّت مؤسسة “جهاد البناء” التابعة لحزب الله تنفيذ الأعمال الميدانية، بالاستعانة بشركات هندسية مدنية يملكها أفراد مرتبطون بالحزب. كما أشار المعهد إلى أن الإشراف العام على المشروع تولّاه إيرانيون.
في جنوب لبنان، تحوّلت الجغرافيا إلى جزء أساسي من بنيتها “فالجبال الوعرة، والوديان العميقة، وغياب الطرقات في مساحات واسعة، إضافة إلى الطبيعة الصخرية القاسية، كلّها عوامل وفّرت بيئة مثالية لبناء شبكات تحت الأرض” كما يقول المحلل السياسي الدكتور خالد الحاج، مضيفاً في حديث موقع “الحرة” إن “هذه الاستراتيجية بدأت تتبلور تدريجياً منذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982”.
وبحسب الحاج، فإن بعض المناطق الجبلية في الجنوب “يتيح عمقها الطبيعي حفر ممرات طويلة داخل الصخور، مع مستوى مرتفع من الحماية الطبيعية ضد الضربات الجوية والاستهداف المباشر”.
ولطالما شكلت عمليات الحفر والقدرة على إخفائها لغزاً بالنسبة للكثير من الخبراء العسكريين. ويشرح القزح أن عمليات الحفر “تُنفذ إما عبر تفتيت الصخور باستخدام متفجرات، أو بواسطة آلات حفر متخصصة تعمل بطريقة لولبية تدفع التربة والصخور تدريجياً إلى الخلف أثناء التقدّم داخل الأرض”.
ورغم أن هذه العمليات قد تتسبب باهتزازات أو أصوات خفيفة، فإن الجهات المنفذة، وفق القزح، “كانت تحرص على الحدّ منها لتفادي الرصد أو إثارة الانتباه داخل القرى المحيطة”.
لكن العامل الحاسم في بناء الأنفاق، وفق الحاج، لم يكن تقنياً أو جغرافياً فقط “فالدولة اللبنانية، قبل عام 2000 وبعده، وحتى بعد حرب 2006، تعاملت مع حزب الله باعتباره مقاومة، ما خلق هامشاً واسعاً من التساهل مع ملف السلاح والبنى العسكرية، في ظل غياب تطبيق القرار 1701”.
نفى حزب الله مراراً حفره أيّ أنفاق تحت المنازل والمباني السكنية في لبنان، لكن إسرائيل استهدفت بعض المنازل بعد وقت قصير من خروج الجيش اللبناني منها، بالرغم من أن عمليات التفتيش التي كان تُنفّذ بناءً على طلب “الميكانيزم” لم تكن تسفر عن العثور على شيء.
الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب يقول “قد يكون مدخل النفق داخل منزل عادي، فيما تمتد البنية الحقيقية بعيداً وعميقاً تحت الأرض، بما يجعل اكتشافه شبه مستحيل خلال عمليات تفتيش تقليدية”.
ويؤكد ملاعب لموقع “الحرة” أن اكتشاف هذه الشبكات داخل بيئة مدنية “يحتاج إما إلى معلومات استخبارية دقيقة، أو إلى وسائل تقنية متطورة يعتمد فيها الإسرائيلي على الطائرات الحربية لإحداث جدار صوت، ثم دراسة وتحليل الترددات والذبذبات لرصد الفراغات تحت الأرض”.
من جهته، يشير القزح إلى أن تمويه المداخل والمخارج يُعد جزءاً أساسياً من بنية الأنفاق، “إذ غالباً ما تُخفى داخل منازل أو منشآت مدنية أو مناطق حرجية، بحيث لا تعطي أيّ مؤشرات واضحة على وجود بنية عسكرية تحتها”.
شبكات الأنفاق لا تقتصر على جنوب لبنان كما يقول القزح “بل تمتد أيضاً إلى مناطق في السلسلة الشرقية، حيث تُستخدم لتخزين الأسلحة ومنصات إطلاق الصواريخ.
وفي تقرير نشره عام 2021، أشار معهد “ ألما ” إلى أن أنفاق حزب الله لا تمثل مجرّد ممرات محلية، بل “منظومة مترابطة” تصل بين بيروت والبقاع وجنوب لبنان، ضمن شبكة لوجستية وعسكرية أوسع.
كما يتحدث القزح عن أنفاق ومعابر بين لبنان وسوريا تسمح بمرور شاحنات ووسائل نقل ثقيلة، ويقول إنها استُخدمت لسنوات في نقل السلاح والمقاتلين بين حمص والقصير والهرمل.
ومن جهته، يرى الحاج أن إسرائيل تدرك أن “جزءاً أساسياً من قدرة حزب الله على الصمود يرتبط بهذه الشبكات تحت الأرض، سواء تلك المخصصة لإطلاق الصواريخ أو للاستخدامات اللوجستية والعسكرية”.
لكن تدمير هذه الأنفاق، وفق قوله، “ليس مهمة سهلة. فالضربات الجوية قد تدمر مدخلاً أو تعطل فتحة إطلاق أو تغلق ممراً، لكنها لا تقضي بالضرورة على الجسم الرئيس للنفق إذا كان محفوراً داخل طبقات صخرية عميقة”. يضيف إن بعض هذه المداخل “يمكن إعادة فتحه أو ترميمه لاحقاً باستخدام معدات متخصصة”.
وبذلك، تكشف التطورات الميدانية أن المعارك بين حزب الله وإسرائيل لم تعد تدور فوق سطح الأرض فقط، بل في شبكة خفية تحتها أيضاً، حيث تبدو الأنفاق أحد أكثر عناصر المواجهة تعقيداً.
المصدر:
الحرة