تشهد العلاقات الدفاعية بين الولايات المتحدة وألمانيا توترا جديدا بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بإمكانية سحب قوات أمريكية من الأراضي الألمانية، في خطوة أثارت جدلا واسعا داخل الأوساط السياسية والعسكرية في واشنطن وأوروبا.
وتقول صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها إن هذا التهديد قد لا يحمل التأثير الذي كان يرافق مثل هذه التصريحات في السابق، بسبب التغيرات الكبيرة في ميزان العلاقة الأمنية بين البلدين.
وتوضح نيويورك تايمز أن ألمانيا لم تعد تعتمد على الولايات المتحدة بالشكل السابق في مجال الدفاع، إذ رفعت بشكل كبير إنفاقها العسكري خلال السنوات الأخيرة، في إطار خطة تهدف إلى بناء أكبر جيش تقليدي في أوروبا.
وتشير الصحيفة إلى أن برلين باتت تقدم دعما لوجستيا مهما للعمليات العسكرية الأمريكية، بما في ذلك استخدام قواعدها الجوية في عمليات مرتبطة بـ الشرق الأوسط، وهو ما منحها نفوذا إضافيا في العلاقة مع واشنطن.
وتنقل نيويورك تايمز عن مسؤولين أمريكيين أن ألمانيا سمحت خلال الحرب مع إيران باستخدام قواعدها العسكرية لدعم الهجمات الأمريكية، في وقت رفضت فيه دول أوروبية أخرى تقديم هذا النوع من الدعم. كما تشير إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية باتت تنظر إلى ألمانيا كنموذج لدولة أوروبية تتحمل قدرا أكبر من مسؤولية الدفاع عن القارة.
وتضيف الصحيفة أن ألمانيا تستضيف نحو 35 ألف جندي أمريكي منذ الحرب الباردة، وأن هذه القوات تخدم بشكل مباشر المصالح الأمريكية من خلال قواعد جوية ومستشفيات عسكرية تستخدم في عمليات خارجية.
وتشير نيويورك تايمز إلى أن المستشار الألماني فريدريش ميرتس قاد منذ توليه المنصب قبل عام سياسة لزيادة الإنفاق الدفاعي وتخفيف القيود على الاقتراض الحكومي، بهدف تعزيز قدرات الجيش الألماني وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة. كما لعبت ألمانيا دورا في دفع حلف شمال الأطلسي نحو رفع مستوى الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي خلال السنوات المقبلة.
وفي المقابل، تقول صحيفة بوليتيكو الأمريكية في تقرير أيضا إن إعلان ترمب المفاجئ أثار صدمة داخل وزارة الدفاع الأمريكية، حيث لم يكن هناك أي تخطيط مسبق لعملية سحب قوات من ألمانيا. وتنقل الصحيفة عن مسؤولين في البنتاغون قولهم إن المؤسسة العسكرية لم تتلق أي إشارات مسبقة بشأن هذا التوجه.
وتضيف بوليتيكو أن بعض المسؤولين يرون أن تصريحات ترمب تأتي في سياق ضغوط سياسية متزايدة على الحلفاء الأوروبيين، خصوصا بعد انتقادات ألمانية لسياسة واشنطن تجاه إيران.
وتشير إلى أن التهديد الجديد يأتي بعد سلسلة من التصريحات السابقة التي شملت التلويح بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي أو إعادة توزيع القوات الأمريكية في أوروبا.
وتنقل بوليتيكو عن مسؤولين ألمان قولهم إن العلاقات العسكرية مع واشنطن شهدت في الوقت ذاته تعاونا إيجابيا، بما في ذلك محادثات حول إستراتيجية الدفاع الأوروبية، ما يجعل التهديدات الأمريكية الأخيرة مفاجئة في توقيتها. كما تشير إلى أن وفودا عسكرية من الجانبين كانت قد عقدت اجتماعات بناءة قبل صدور تصريحات ترمب بساعات.
وتوضح بوليتيكو أن أي انسحاب سريع للقوات الأمريكية من ألمانيا سيكون معقدا من الناحية اللوجستية والمالية، نظرا لغياب بدائل جاهزة لاستيعاب هذه القوات في دول أوروبية أخرى. كما تنقل عن خبراء دفاع أن نقل القوات يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية وإعادة توزيع طويلة الأمد للقدرات العسكرية.
وتضيف الصحيفة أن الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا لا يقتصر على القوات الميدانية، بل يشمل مراكز قيادة رئيسية مثل القيادة الأوروبية والقيادة الأفريقية، إضافة إلى أكبر مستشفى عسكري أمريكي خارج الولايات المتحدة. وتشير إلى أن هذه المنشآت تلعب دورا محوريا في العمليات العسكرية الأمريكية حول العالم.
وتختم بوليتيكو بالإشارة إلى أن عددا من أعضاء الكونغرس الأمريكي، خصوصا من الحزب الجمهوري، أعربوا عن تحفظهم تجاه فكرة تقليص الوجود العسكري في ألمانيا دون إستراتيجية واضحة، مؤكدين أهمية القواعد الأمريكية هناك في الردع العسكري تجاه روسيا وفي دعم العمليات العالمية للولايات المتحدة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة