آخر الأخبار

الخروج مكلف والبقاء مزعج.. معضلة أمريكا في الأمم المتحدة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

ظلت العلاقة بين الولايات المتحدة ومنظمة الأمم المتحدة تتأرجح، منذ عقود، بين الإقرار بأهمية المنظمة بوصفها منصة لإدارة النظام الدولي، والتذمر المستمر من كلفتها والقيود التي تفرضها على حرية الحركة الأمريكية.

وفي السنوات الأخيرة، ازدادت هذه المفارقة حدة مع توالي القرارات الأمريكية بالانسحاب من عشرات المنظمات والهيئات الدولية، بما فيها كيانات تابعة للأمم المتحدة، من دون أن تُقدم واشنطن على خطوة الانسحاب الكامل من المنظمة الأم نفسها.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 ضربات قصيرة لحرب طويلة.. هل تفجّر واشنطن جمود هرمز؟
* list 2 of 3 هل تصبح قناة بنما الخيار الوحيد لنقل النفط والغاز إلى آسيا؟
* list 3 of 3 من يدفع فاتورة مليار دولار يوميا في أمريكا بسبب الحرب؟ end of list

ويرصد الإعلام الصيني هذه المعضلة من زاوية خاصة، إذ يقدم الولايات المتحدة بوصفها قوة مأزومة تتجاذبها نزعة أحادية متصاعدة من جهة، وحاجة عملية إلى الاحتفاظ بموقع متقدم داخل المنظومة متعددة الأطراف من جهة أخرى.

وفي المقابل، يحرص الخطاب الرسمي في بكين على إبراز التزام الصين بالتعددية ودعم الدور المحوري للأمم المتحدة في إدارة الشؤون الدولية، في محاولة لرسم تمايز واضح بين النهجين الأمريكي والصيني في التعامل مع القواعد والمؤسسات العالمية.

قلق القوة وصعود المنافس

في تقرير لصحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست عن جلسة استماع في لجنة بمجلس النواب الأمريكي، نُقلت شهادات مشرعين وخبراء وصفت الأمم المتحدة بأنها "متضخمة وباهظة الكلفة وتحتاج إلى إصلاح عميق"، مع انتقادات لطريقة إنفاقها للموارد واتساع أدوارها البيروقراطية.

وبيّن التقرير أن مشاركين تحدثوا عن جهاز دولي لم يعد ينسجم دائما مع أولويات السياسة الأمريكية، وأشار بعضهم إلى قرارات أممية منحازة أو مقيّدة لحرية الحركة الأمريكية في ملفات حساسة، بما يغذي خطابا سياسيا يدعو إلى تقليص الالتزامات المالية المترتبة على الانخراط في هذه المنظومة متعددة الأطراف.

لكن الشهادات نفسها أظهرت إدراكا واضحا لكلفة الانسحاب. فقد حذّر عدد من المشرعين من أن خروج الولايات المتحدة من الأمم المتحدة، أو من بنيتها الأساسية، سيضع واشنطن في موقع غير مناسب، ويفتح الباب أمام الصين لتوسيع نفوذها داخل المنظمة، مستفيدة من علاقاتها المتنامية مع دول الجنوب ومن تمويلها لمشروعات في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

البقاء في المنطقة الرمادية

ونقلت الصحيفة عن أحد المشرعين قوله إن ترك المنظمة الأممية سيمنح بكين فرصة لتعزيز حضورها في أجهزتها المختلفة، بحكم ثقلها الاقتصادي وعلاقاتها السياسية مع الدول النامية، بما يجعل استمرار الوجود الأمريكي، رغم التحفظات، ضرورة إستراتيجية أكثر منه خيارا مريحا.

إعلان

واتفقت الشهادات، في ظاهرها، بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي على ضرورة إصلاح منظومة الأمم المتحدة التي توسعت باطراد منذ عام 1945، فيما شددت الأغلبية الجمهورية على سلسلة من الشكاوى تضمنت اتهام المنظمة بدعم معاداة السامية والإرهاب وحقوق المثليين والإجهاض، وبالمساس بالسيادة الأمريكية.

لكن وسائل الإعلام لم تغفل حقيقة أن واشنطن، رغم كل هذه الضغوط، لم تغلق باب التعاون مع الأمم المتحدة بالكامل، وأنها ما تزال تعتمد على المنصة الأممية في ملفات حيوية تمتد من العقوبات الدولية إلى إدارة الأزمات النووية، ومكافحة الإرهاب، وتوفير غطاء شرعي لعدد من العمليات العسكرية والسياسية.

وهذه الحاجة المتبادلة تجعل خيار الانسحاب الكامل أقل واقعية حتى لدى أشد الأصوات تشددا داخل الولايات المتحدة، وتبقيها عالقة في منطقة رمادية بين انخراط متردد وتلويح دائم بالانسحاب.

مصدر الصورة تقول القراءة الصينية إن واشنطن ما تزال تحتاج إليها في العقوبات والأزمات النووية ومكافحة الإرهاب (الفرنسية)

التعددية في مواجهة الأحادية

على الجانب الآخر، يعكس الخطاب الصيني الراهن رؤية مغايرة جذريا لدور الأمم المتحدة. ففي حديث لوزير الخارجية الصيني وانغ يي، نقلته صحيفة المعلومات المرجعية ومصادر رسمية أخرى، أكد أن "إحياء الأمم المتحدة والحفاظ عليها وتعزيزها مهمة ملحة في المرحلة الحالية"، في ظل عالم تتزايد فيه الأزمات والنزاعات، وتتعمق فيه فجوة الحوكمة، وتتعرض فيه التعددية لضغوط قوية مع صعود نزعات الأحادية وسياسة فرض القوة والأمر الواقع.

وتنقل الصحيفة عن وانغ يي تشديده على أن مبادرة الحوكمة العالمية التي طرحها الرئيس شي جين بينغ جاءت في توقيت مناسب، وحظيت، بحسب الرواية الصينية، بتأييد أكثر من 150 دولة ومنظمة دولية، وأن جوهر هذه المبادرة ينسجم مع القيم التي تتمسك بها الأمم المتحدة ومبادئ ميثاقها.

وبرغم أن الأمم المتحدة لا تمثل، في نظر وانغ، إطارا مثاليا مكتملا، فإنها تبقى أفضل إطار متاح لإدارة القضايا العالمية، وأن غيابها لن يجعل العالم أفضل حالا، الأمر الذي يفرض صيانة مكانتها القيادية وتعزيز دورها المحوري بدل تقويضه.

ومن هذا المنطلق، لا تتجاهل الرؤية الصينية الحاجة إلى إصلاح المنظمة، لكنها تجعل الإصلاح مرادفا لتعزيز دورها لا لتجاوزها. إذ يدعو وزير الخارجية إلى أن تواكب منظومة الحوكمة الدولية تحولات القرن الحادي والعشرين، وأن تعكس تغير موازين القوى، ولا سيما عبر توسيع تمثيل دول الجنوب والدول النامية داخل المؤسسات الأممية.

كما يربط وانغ يي، وفق ما تنقله المصادر الصينية، بين عضوية بلاده في الأمم المتحدة بوصفها "دولة مؤسسة" وبين التزامها بالميثاق، مؤكدا أن مبادرات مثل منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس تستند أولا إلى مبادئ الأمم المتحدة، وتشكل إضافة إلى جهود الإصلاح لا بديلا عن المنظمة.

مصدر الصورة الخلاف بين واشنطن وبكين لا يدور حول أداء الأمم المتحدة فقط، بل حول من يملك تعريف النظام الدولي نفسه (رويترز)

تحولات موازين القوى

بهذا يتضح أن الخلاف بين واشنطن وبكين لا يدور حول تقييم أداء الأمم المتحدة فحسب، بل يتصل أيضا برؤيتين متباينتين لطبيعة النظام الدولي.

إعلان

فالنخبة الأمريكية تتحدث عن الأمم المتحدة باعتبارها كيانا يقيد حرية القرار ويثقل كاهل الميزانية، لكنها تعترف، في الوقت نفسه، بأنها منصة لا يمكن الاستغناء عنها في إدارة التحالفات ومنافسة الصين.

في المقابل، تقدم الصين نفسها قوة تدفع باتجاه تعزيز الأمم المتحدة في هذا التوقيت، لمواجهة الأحادية وسياسة المحاور، ولمنح الدول النامية موقعا أوسع في صياغة قواعد اللعبة العالمية.

وفي المحصلة، لا تبدو معضلة أمريكا في الأمم المتحدة مجرد توتر عابر بين منظمة دولية ودولة عضو، بل تعبيرا عن تحول أعمق في موازين القوى ورؤى إدارة النظام العالمي.

فالولايات المتحدة ترى أن الخروج مكلف، لأنه يضعف نفوذها وشرعيتها ويفسح مجالا أوسع لخصومها، لكنها تجد في الوقت نفسه أن البقاء مزعج، لأنه يفرض عليها التزامات مالية وقانونية وسياسية لا تنسجم دائما مع نزعتها الأحادية.

وبين هذين الحدين، تراقب الصين المشهد وتعرض نفسها قوة تسعى إلى بناء رصيد دولي عبر الدعوة إلى الإصلاح، والدفاع عن التعددية، والتمسك بعدالة التمثيل، بدل التلويح الدائم بالانسحاب.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا