تصاعد التوتر بين أوكرانيا و إسرائيل على خلفية استقبال سفينة محمّلة بالحبوب تقول كييف إنها قادمة من أراضٍ أوكرانية خاضعة للسيطرة الروسية، في وقت تنفي فيه تل أبيب صحة هذه الاتهامات لعدم توفر أدلة، ما يشير إلى مرحلة أكثر حساسية في مسار العلاقات بين البلدين.
وأعلنت أوكرانيا، مساء الاثنين، استدعاء السفير الإسرائيلي لديها ميخائيل برودسكي إلى جلسة توبيخ صباح الثلاثاء، احتجاجًا على سماح إسرائيل باستقبال شحنات حبوب تعتبرها كييف "مسروقة".
وقال وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيا، في منشور عبر منصة "إكس"، إن بلاده ستقدّم مذكرة احتجاج رسمية، محذرًا من أن هذه الخطوة قد تقوّض العلاقات الثنائية بين البلدين.
وأضاف سيبيها أن ما وصفه بـ"التجارة غير القانونية في الحبوب الأوكرانية المسروقة" أمر غير مقبول، مشيرًا إلى أن إسرائيل تجاهلت في السابق طلبات أوكرانية بعدم استقبال سفن مماثلة.
كما أعرب عن استغرابه من عدم استجابة تل أبيب لما اعتبره "طلبًا مشروعًا" يتعلق بسفينة سابقة نقلت بضائع إلى ميناء حيفا.
وفي وقت سابق، نقلت وكالة "رويترز" عن مصدر دبلوماسي أوكراني قوله إن كييف قد تتخذ إجراءات دبلوماسية وقانونية دولية في حال السماح للسفينة بالرسو، محذرًا من تداعيات ذلك على العلاقات بين الجانبين.
وقال المصدر الأوكراني، طالبا عدم ذكر اسمه: "إذا لم يتم رفض هذه السفينة وحمولتها، فإننا نحتفظ بالحق في اتخاذ مجموعة كاملة من الإجراءات الدبلوماسية والقضائية الدولية".
وقال المصدر: "ممارسة غسل البضائع المسروقة أمر غير مقبول، وتجاهلت إسرائيل بصورة أساسية مطالبنا بشأن السفينة السابقة".
وأضاف المصدر أن كييف تتعقب السفينة، محذرة من أن السماح لها بالرسو ستكون له عواقب على العلاقات الثنائية بين أوكرانيا وإسرائيل.
في المقابل، قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن أوكرانيا "لم تقدّم أي أدلة" تثبت مزاعمها بشأن مصدر الحبوب، مضيفًا أنها لم تطلب مساعدة قانونية من إسرائيل في هذا الملف. واتهم ساعر نظيره الأوكراني باللجوء إلى "الدبلوماسية عبر وسائل الإعلام"، بدل القنوات الرسمية.
وكانت صحيفة هآرتس قد أفادت بوصول سفينة روسية تُدعى "بانورميتيس" إلى قبالة ميناء حيفا الأحد الماضي، حيث تنتظر الحصول على إذن للرسو وتفريغ حمولتها.
وكشف تحقيق للصحيفة، استند إلى بيانات حركة الملاحة وصور الأقمار الصناعية، أن إسرائيل استقبلت منذ بداية العام الجاري ما لا يقل عن أربع سفن تحمل حبوبًا من مناطق أوكرانية محتلة.
وتُعد أوكرانيا من أبرز منتجي الحبوب في العالم، وتعتبر أن نقل هذه الشحنات من مناطق خاضعة لسيطرة روسيا يندرج ضمن عمليات استحواذ غير قانونية على مواردها، في حين تواصل إسرائيل التشكيك في هذه الرواية في ظل غياب ما تصفه بأدلة ملموسة.
وخلال أكثر من ثلاثة أسابيع، رست سفينة روسية تحمل 43 ألفًا و700 طن من القمح الأوكراني قبالة ميناء حيفا في إسرائيل، في انتظار الحصول على إذن للدخول إلى الأرصفة.
وقد كانت السلطات الأوكرانية وخبراء في تتبع التحايل على العقوبات الدولية المفروضة على روسيا يراقبون مسار سفينة الشحن "أبينسك".
وفي 12 أبريل الجاري، سُمح لها بالرسو في حيفا، حيث يُرجّح أنها فرّغت حمولة تُقدَّر قيمتها بنحو ثمانية ملايين وخمسمائة ألف يورو وفق الأسعار الحالية للقمح.
وغادرت السفينة "أبينسك" في اليوم نفسه ميناء حيفا متجهة نحو مضيق الدردنيل، مع إعلان أن محطتها التالية ستكون ميناء تشاناكالي التركي، بحسب موقع "مارين ترافيك" المتخصص في تتبع حركة الملاحة التجارية.
ويُعتقد أن سفينة الشحن الروسية حمّلت حمولتها في ميناء كافكاز، الواقع على مضيق كيرتش الذي يفصل بين بحر آزوف والبحر الأسود، ويربط روسيا بشبه جزيرة القرم التي ضمّها الكرملين عام 2014، وفقًا للصحفية الاستقصائية الأوكرانية كاترينا ياريسكو، التي تعمل ضمن مشروع "سي كرايم" التابع لمنصة "ميروتفوريتس" الإلكترونية التي تُحصي ما تصفه بـ"أعداء أوكرانيا".
وأكدت الصحفية ياريسكو أن القمح تم تحميله من سفن شحن أخرى جاءت من محطات حبوب في موانئ أوكرانية واقعة تحت السيطرة الروسية.
وأزمة "الحبوب المسروقة" هي أحد تصعيد في العلاقات بين أوكرانيا وإسرائيل منذ بدء الغزو الروسي، حيث يتواصل التوتر بين كييف وتل أبيب على خلفية ما تصفه كييف باستقبال شحنات حبوب قادمة من أراضٍ أوكرانية خاضعة للسيطرة الروسية، في وقت تتمسك فيه تل أبيب بموقفها القائم على غياب الأدلة الملموسة.
في المقابل، جاء رد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بصيغة قانونية حذرة، ركّز فيها على أن أوكرانيا لم تقدم ما يثبت مزاعمها بشأن مصدر الحبوب، كما لم تتقدم بطلب رسمي للحصول على مساعدة قانونية.
ويعكس هذا الطرح محاولة إبقاء الخلاف ضمن إطاره الإجرائي، وتفادي تحوله إلى مواجهة سياسية مفتوحة، في وقت تحذّر فيه كييف من أن تكرار هذه الحوادث قد يضر بالعلاقات الثنائية.
ويأتي هذا التوتر في سياق علاقة أوسع تتسم أصلًا بالتعقيد والحذر منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022. فقد تبنّت إسرائيل سياسة متوازنة، امتنعت بموجبها عن تزويد كييف بأسلحة هجومية أو أنظمة دفاع جوي متطورة، مبررة ذلك بالحفاظ على قنوات التنسيق مع موسكو، خاصة في الساحة السورية، مقابل تقديم مساعدات إنسانية وأنظمة إنذار مبكر مدنية.
في المقابل، عبّر الرئيس فولوديمير زيلينسكي مرارًا عن خيبة أمله من هذا الموقف، معتبرًا أنه لا يرقى إلى مستوى التحديات التي تواجهها بلاده.
ومع تطور الأحداث، أضافت "أزمة الحبوب" بُعدًا اقتصاديًا وسياسيًا جديدًا إلى هذا التباين، إلى جانب اختلافات أخرى تظهر في مواقف البلدين داخل المحافل الدولية، حيث تحاول إسرائيل تجنب الصدام المباشر مع روسيا، بينما تواصل أوكرانيا تبني مواقف ناقدة للسياسات الإسرائيلية في ملفات أخرى.
ورغم هذا التباعد التدريجي، لا تزال هناك قواسم مشتركة تفرض استمرار التواصل بين الطرفين، من بينها القلق المشترك إزاء تنامي التعاون العسكري بين روسيا وإيران، إضافة إلى اهتمام إسرائيل بسلامة الجالية اليهودية في أوكرانيا.
لكن تراكم الملفات الخلافية بين الجانبين، إلى جانب تلويح أوكرانيا باللجوء إلى إجراءات قانونية دولية في قضية الحبوب، يضع العلاقات الثنائية أمام مرحلة أكثر حساسية، وينذر بتصاعد مستوى التوتر الدبلوماسي بين كييف وتل أبيب إذا لم يتم احتواء هذا الملف.
وفي ظل استمرار الجدل حول شحنات الحبوب ومصادرها، قد يتحول هذا الملف إلى أحد أبرز نقاط الاحتكاك في المرحلة المقبلة، ما لم يتم التوصل إلى تفاهمات تقلل من حدة الخلاف وتمنع انعكاسه على مجمل العلاقات بين البلدين.
المصدر:
يورو نيوز