لا يكاد أحد يجهل مدينة نيويورك ومعالمها، حتى أولئك الذين لم تطأها أقدامهم أبدا. من تمثال الحرية ذائع الصيت إلى الأبنية العالية التي تملأ شوارع مانهاتن، ومؤسسات المال والبورصات العالمية ومقرات الشركات الكبرى، وصولا إلى المؤسسات السياسية مثل المقر الدائم لمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة. وحتى المهتمين بالرياضة لا يفوتهم صيت نيويورك، فهي تضم فريقين لكرة القدم الأمريكية، وآخرين في دوري رابطة كرة السلة الوطنية، كما يرتبط اسمها بأحد أشهر فرق البيسبول في العالم، نيويورك يانكيز، الذي يظهر شعاره الشهير على ملايين القبعات المنتشرة حول العالم.
وربما يعرف البعض نيويورك من أفلام هوليوود الشهيرة، مثل ذئب وول ستريت والعراب أو أفلام سبايك لي وبعض رومانسيات ريتشارد غير، أو من مسلسلات كوميدية واجتماعية شهيرة مثل الأصدقاء وساينفيلد. محبو ساينفيلد تحديدا، لعلهم يرغبون في زيارة مطعم في شمال مانهاتن ارتبط بالمسلسل الذي تدور قصته حول مجموعة من الشباب ذوي الثقافة اليهودية من أبناء الطبقة المتوسطة في المجتمع النيويوركي. نعم، فنيويورك أيضاً المدينة التي تضم أكبر عدد من اليهود في العالم خارج إسرائيل.
"بين نيويورك حيث يشغل ممداني المسلم منصب العمدة، وواشنطن حيث يجلس ترمب والنخبة المسيحية في البيت الأبيض تتجلى المفارقة المتعلقة بالسياسة والدين في الولايات المتحدة"
وفي وقت ينقسم فيه الرأي العام في الولايات المتحدة بين دعم تاريخي لإسرائيل وتيار يتسع مناصر للقضية الفلسطينية على خلفية جرائم الإبادة الإسرائيلية في غزة خلال العامين الماضيين، اختارت مدينة نيويورك لنفسها عمدة مسلما من أصول مهاجرة، قادما من خلفية اجتماعية محافظة (رغم أفكاره ومواقفه "التقدمية")، ومرتبطاً بامرأة عربية، وله مواقف معلنة ناقدة للحكومة الإسرائيلية. ومع ذلك صوت له سكان المدينة ليصبح عمدة لها، بما في ذلك نسبة معتبرة من الناخبين اليهود إلى جانب قطاعات واسعة من المجتمعات النيويوركية المتنوعة.
ليس بعيدا عن نيويورك، على بعد مئات قليلة من الكيلومترات إلى الجنوب الغربي حيث العاصمة واشنطن، نجد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي عاد إلى كرسي البيت الأبيض قبل فوز زهران ممداني في نيويورك بأشهر قليلة محمولا على أكتاف تحالف يميني يؤازره ملايين من المسيحيين البيض المتدينين.
قبل صعوده السياسي، لم يعرف عن ترمب أنه كان متدينا أبدا، لكن السياسة لها أحكامها كما يُقال. لذلك نجد ترمب اليوم يستدعي القساوسة الإنجيليين بانتظام للصلاة معه في البيت الأبيض في ظل تصاعد التوتر مع إيران، بينما يستخدم وزير حربه بيت هيغسيث لغة دينية حادة عند الحديث عن المواجهة معها. وفي الوقت نفسه يشتكي مئات الجنود الأمريكيين إلى مؤسسة الحريات الدينية العسكرية من أن بعض قادتهم يصفون الحرب على إيران بأنها حرب إلهية أو جزء من معركة مرتبطة بنهاية الزمان.
"العلاقة بين الدين والسياسة في أمريكا، تنظم من خلال عقد اجتماعي وسياسي تأسس قبل نحو 240 عاماً"
ربما تخلق هذه المشاهد حالة من الالتباس لدى كثيرين في فهم دور الدين في السياسة الأمريكية. فالعلاقة بين التدين والسلطة في الولايات المتحدة ليست دائما واضحة. هذه العلاقة، تنظم من خلال عقد اجتماعي وسياسي تأسس قبل نحو 240 عاماً، حين وضع الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأسس الدستورية التي نظمت العلاقة بين الدين والدولة وحددت الحدود بين ما هو مقدس وما هو سياسي.
سنحاول في هذا المقال سرد قصة الدين في الدستور الأمريكي وكيف حاول النظام السياسي في الولايات المتحدة أن يحصن الدولة من هاجس هيمنة دينية من جهة، وأن يحمي في الوقت نفسه حضور الدين في المجتمع الأمريكي. فالدين في الولايات المتحدة بقي حاضرا بقوة في الحياة العامة والاجتماعية، على خلاف ما حدث في كثير من الدول الأوروبية التي اتجهت مجتمعاتها تدريجيا نحو قدر أكبر من "اللادينية".
تجدر الإشارة إلى أن المقال يعنى بتناول الدستور الأمريكي والإطار السياسي الذي أسسه، لا الأشخاص الذين يتولون السلطة. فالأشخاص والسياسات تتغير بين حين وآخر، وقد تكون محل خلاف أو نقد، أما النظام الدستوري بحد ذاته فقد أثبت قدراً كبيراً من الاستقرار والنجاح في إدارة هذا التوازن المعقد.
تقاس قيمة النصوص الدستورية بطول عمرها وقدرتها على التعامل مع التحديات السياسية والاجتماعية والأمنية مع تطاول الزمان، دون أن تخلّ بقيم المجتمع. كما تُقاس بقدرتها في الوقت ذاته على الحدّ من تغوّل الدولة دون أن تعيق قدرتها على التطور والبناء والتكيّف مع الأزمات. وتزداد قيمة الدستور بقدر ما ينجح في تقديم إجابات للأسئلة الجوهرية المرتبطة بالهوية والدين والسلطة. كذلك فإن آليات وضع الدستور نفسها -من النقاشات والمؤتمرات التي تصوغ أفكاره، إلى التصديق والتعديل والمشاركة الواسعة التي تعكس توازنات المجتمع- تعد جزءا أساسيا من قيمته ومصدر شرعيته.
"يبرز دستور الولايات المتحدة الأمريكية كأقدم وثيقة دستورية ما تزال نافذة في العالم"
يبرز دستور الولايات المتحدة الأمريكية كأقدم وثيقة دستورية ما تزال نافذة في العالم. فقد سمح لدولة اتحادية بأن تتوسع، وأن تتجاوز حربا أهلية وصراعات داخلية وحربين عالميتين، وأن تتكيف مع تحولات علمية واقتصادية كبرى خلقت ثقافات وأفكارا جديدة، فيما بقي النظام السياسي الذي أطرته وثيقة "نحن الشعب" قبل نحو 240 عاماً قويا وراسخا.
تبدأ قصة هذا الدستور الحقيقية في شتاء عام 1784، في فرجينيا، حيث كانت الولاية الأكبر نفوذاً والأكثر تأثيرا بين المستعمرات البريطانية، تعيش ارتدادات حدث غيّر وجهها بالكامل: الثورة الأمريكية. هذه الثورة، التي اندلعت عام 1775 وانتهت رسمياً عام 1783، كانت حرب استقلال ضد التاج البريطاني، حيث رفضت المستعمرات الثلاث عشرة سلطة الملك جورج الثالث والبرلمان البريطاني، وأعلنت نفسها جمهوريات مستقلة. وبسقوط الحكم الملكي، سقطت معه أيضاً البنية السياسية التي ربطت بين الدولة والكنيسة في بريطانيا.
كانت الكنيسة الأنغليكانية (الفرع الأمريكي من كنيسة إنجلترا) هي الكنيسة الرسمية قبل الاستقلال في فيرجينيا، وكانت تتلقى دعماً مالياً عبر الضرائب، ويتمتع رجالاتها بامتيازات قانونية. غير أن الثورة لم تكن مجرد انفصال سياسي عن بريطانيا، بل قطيعة مع نظام الامتيازات الملكية والدينية المرتبطة بها. ومع انهيار السلطة الملكية، لم تعد هناك كنيسة رسمية مفروضة بحكم القانون، لكن سؤالاً أعمق برز في الأفق: كيف تُحمى الفضيلة العامة في جمهورية بلا كنيسة رسمية؟ وهل تحتاج الأخلاق إلى سند قانوني جديد بعد زوال الإطار القديم؟
"الثورة لم تكن مجرد انفصال سياسي عن بريطانيا، بل قطيعة مع نظام الامتيازات الملكية والدينية المرتبطة بها، بما يشمل الكنيسة الرسمية"
في هذا السياق ظهر باتريك هنري، الخطيب الثوري صاحب عبارة "أعطني الحرية أو أعطني الموت"، والذي كان بروتستانتيا أنغليكانيا، يرى في المسيحية الإطار الأخلاقي الضروري للحياة العامة. كان هنري أيضا سياسيا صاحب تأثير شعبي واسع، آمن بأن الدولة إذا لم تدعم الدين فإنها تضعف نفسها. لذلك اقترح مشروع قانون يفرض ضريبة عامة لدعم "معلمي الدين المسيحي"، مع ترك الخيار لدافع الضريبة في تحديد الطائفة التي يذهب إليها نصيبه. لم يكن هدفه إعادة الكنيسة الأنغليكانية رسميا، بل إيجاد صيغة جديدة تضمن بقاء الفضيلة الدينية عنصرا مؤثرا في الحياة العامة.
لكن الإكراه، ولو كان مقنّعا، يقتل صدق الإيمان ويصنع نفاقا عاما، والفضيلة لا تُفرض بقرار تشريعي. من بين من آمنوا بذلك كان جيمس ماديسون، الذي درس في جامعة برينستون وتأثر بأفكار التنوير وتجارب الاضطهاد الديني في المستعمرات، ليبرز صوته في مواجهة مشروع هنري. لم يكن ماديسون خصماً للدين، بل كان يرى أن قوته تكمن في حريته، فجادل في وثيقته الشهيرة "الاحتجاج والتذكير" عام 1785، بأن الإيمان علاقة بين الإنسان وربه، وأن فرض مثل هذه الضريبة يجعل الدولة وصية على الضمير (وهو حق الإنسان في أن يكوّن معتقداته الدينية أو الأخلاقية بحرية، وأن يلتزم بها أو يرفض ما يخالفها، دون إكراه أو عقوبة من الدولة).
"رأى جيمس ماديسون وتوماس جيفرسون أن الحقوق المدنية لا يجوز أن تعتمد على المعتقد الديني، وأن الضرائب لا يجب أن تستخدم أداة لحماية الفضيلة"
على نفس الخط، برز توماس جيفرسون، القانوني البارز وكاتب إعلان الاستقلال (والذي سيصبح بعد نحو عقدين ثالث رئيس للولايات المتحدة)، والذي صاغ قبل سنوات مشروع "قانون فرجينيا للحرية الدينية". جيفرسون، الذي تأثر بفكر جون لوك عن التسامح وبـ"العقلانية الدينية" في عصر التنوير، كتب أن الحقوق المدنية لا يجوز أن تعتمد على المعتقد الديني، وأنه لا يُجبر أحد على دعم جهة أو وزارة دينية. كان جيفرسون وماديسون حليفين فكريين في هذه المسألة؛ الأول وضع الإطار النظري في مشروع القانون، والثاني تولّى الدفاع السياسي عنه داخل المجلس التشريعي في فرجينيا.
عام 1786 سقط مشروع هنري، وأُقر قانون جيفرسون للحرية الدينية. انتهى النقاش لمصلحة رؤية ماديسون وجيفرسون، وهو ما عنى عملياً أن فرجينيا اختارت ألا تعيد إنتاج صيغة الكنيسة الرسمية بشكل جديد، وألا تستخدم الضرائب كأداة لحماية الفضيلة العامة عبر دعم ديني رسمي. لم يكن ذلك إعلاناً بعدم أهمية الأخلاق أو الإيمان، بل انتقالاً إلى تصور مختلف لكيفية صون الفضيلة في مجتمع جمهوري حديث.
في صيف عام 1787، اجتمع مندوبو الولايات الثلاث عشرة (وهي جميع الولايات الأمريكية ساعة الاستقلال) في فيلادلفيا داخل قاعة الاستقلال، في لحظة استثنائية ربما لم يشهد العالم مثلها من قبل: ممثلون عن جمهوريات ناشئة يحاولون تأسيس دولة اتحادية بلا ملك، وبلا كنيسة وطنية، وبلا سابقة تاريخية واضحة يُحتذى بها. كان النقاش داخل "المؤتمر الدستوري" يدور حول شكل السلطة التنفيذية، وتوازن الصلاحيات، والتمثيل بين الولايات، ولم يتطرق بأي شكل من الأشكال إلى الحريات العامة بما في ذلك الدين. غير أن بنداً قصيراً سيُدرج في المادة السادسة سيحمل دلالة بعيدة المدى.
في إنجلترا سادت لقرون ما عُرف بـ"قوانين الاختبار"، وهي تشريعات اشترطت الانتماء إلى الكنيسة الأنغليكانية لتولي المناصب العامة. وقد كانت هذه القوانين تعني عملياً إقصاء أتباع الطوائف الدينية الأخرى من المشاركة في إدارة الدولة. لم تكن هذه التجربة معزولة؛ فقد عاشت أوروبا لقرون صراعات دينية حادة، وربطت دول كثيرة بين الشرعية السياسية والانتماء الكنسي، وهو ما جعل كثيراً من واضعي الدستور الأمريكي ينظرون بحذر إلى فكرة الدين الرسمي أو الاختبار الديني.
"عاشت أوروبا لقرون صراعات دينية وربطت بين الشرعية السياسية والانتماء الكنسي، وهو ما جعل واضعي الدستور الأمريكي ينظرون بحذر إلى فكرة الدين الرسمي"
اقترح تشارلز بينكني، وهو مندوب شاب من كارولاينا الجنوبية ينتمي إلى عائلة سياسية أرستقراطية، نصاً يمنع اشتراط أي اختبار ديني لتولي المناصب الفيدرالية. لم يكن بينكني منظّرا لاهوتيا، بل سياسيا عمليا شارك في عدة لجان داخل المؤتمر الدستوري، وكان حريصا على بناء اتحاد وطني لا تُقصى فيه فئات بسبب عقائدها. وفي 30 أغسطس/ آب صيغ النص النهائي في الدستور على الشكل التالي: "لا يُشترط أي اختبار ديني كشرط لتولي أي منصب أو وظيفة عامة تحت سلطة الولايات المتحدة". وكان هذا هو المرجع المباشر الوحيد للدين في الدستور الأصلي قبل إضافة وثيقة الحقوق بعد عدة سنوات.
تشارلز بينكني سياسي وقاضٍ شارك في كتابة دستور ولاية كارولينا الجنوبية (شترستوك)كان المناخ الأمريكي العام بعد الثورة أقل تعصبا مما كان عليه في أوروبا أو في فترات استعمارية سابقة، وكان المجتمع الأمريكي، المتنوع طائفياً بين بروتستانت من مذاهب متعددة، وكاثوليك، وأقليات يهودية، قد اعتاد قدراً من التعددية الدينية العملية. لذا رأى البعض، ومنهم روجر شيرمان، المندوب من كونيتيكت وأحد القلائل الذين وقعوا على كل من إعلان الاستقلال ومواد الاتحاد والدستور، بأن النص قد يكون "غير ضروري" نظراً لما وصفه بـ"الليبرالية السائدة". ومع ذلك، لم يعارض شيرمان إدراج البند، وأُقر بأغلبية واضحة ومن دون نقاش مطول داخل القاعة.
غير أن الهدوء الذي رافق إقرار البند في فيلادلفيا لم ينعكس على مناقشات التصديق في الولايات بين عامي 1787 و1788. فقد عبّر معارضون مثل ويليام لانكستر وديفيد كالدويل، في كارولاينا الشمالية، عن خشيتهم من أن يسمح غياب الاختبار الديني بوصول "يهود أو أتراك أو محمديين (مصطلح كان يستخدم للإشارة إلى المسلمين في الخطاب الإنجليزي آنذاك)" إلى أعلى المناصب. هذه العبارات لم تكن مجازية، بل عكست تصورا واسعا وقتها بأن الدولة الجمهورية ينبغي أن تبقى ذات هوية مسيحية واضحة.
"خلال مناقشات إقرار الدستور الأمريكي في الولايات، أعرب البعض عن خشيتهم من أن يسمح غياب الاختبار الديني بوصول يهود أو أتراك أو مسلمين إلى أعلى المناصب"
فيما ناقش مندوبون في ولاية ماساتشوستس، مثل دانيال شوت، ما إذا كان البند ابتعاداً عن الإرث "البيوريتاني" الذي ربط الحكم بالإيمان. كانت ماساتشوستس قد تأسست في القرن السابع عشر على يد البيوريتان، وهم بروتستانت إنجليز سعوا إلى "تطهير" كنيسة إنجلترا من بقايا الكاثوليكية، وأنشأوا مجتمعاً رأوا فيه تلازماً وثيقاً بين الإيمان والنظام السياسي.
كان هذه الجماعة السياسية تقوم على عهد ديني، وكان الانتماء العقدي عنصراً أساسياً في هوية المجتمع الحاكم للولاية. لذلك رأى بعض المتحفظين أن إلغاء الاختبار الديني على المستوى الفيدرالي قد يُفهم كتراجع عن تقليد طويل ربط الشرعية السياسية بالالتزام المسيحي الصريح. وفي ولايات أخرى ظهرت اقتراحات لتعديل النص، مثل اقتراح في كارولاينا الجنوبية لإضافة عبارة "لا اختبار ديني آخر"، في إشارة إلى ضرورة أن يحمل القسم على الدستور بعدا دينيا.
في مواجهة هذه المخاوف، قدم مؤيدو البند حججاً أعمق من مجرد الدعوة إلى التسامح. جيمس إيريدل، المحامي من كارولاينا الشمالية الذي سيصبح لاحقاً قاضياً في المحكمة العليا، قال إن الاختبارات الدينية لا تضمن الفضيلة، بل قد تشجع على النفاق. فمن يسعى إلى المنصب يمكنه أن يردد صيغة إيمانية لا يؤمن بها. وساعتها، بدلا أن يحمي "الاختبار" الدولة من غير الصالحين، قد يستبعد المؤمن الصادق الذي يرفض التصريح بما لا يعتقد، ويفتح الباب أمام من يجيد التظاهر. وأكد أوليفر إلسورث، الذي سيصبح لاحقا رئيسا للمحكمة العليا، أن القسم على الدستور كافٍ سياسيا، وأن الضمان الحقيقي ليس في فحص العقائد، بل في نظام انتخابي يتيح للناخبين اختيار من يرونه جديراً بالثقة.
بهذا المعنى، لم يكن بند "لا اختبار ديني" إعلاناً بأن الدين غير مهم، بل نقلاً لمعيار الشرعية السياسية من العقيدة إلى الدستور، ومن الفحص اللاهوتي إلى قرار الناخبين. فالمجتمع يستطيع أن ينتخب من يشاء، والدولة الاتحادية لن تضع نفسها في موقع الحكم على صدق الإيمان أو صحته. هذا التحول كان جديداً في عالم غربي اعتاد قروناً من ربط المنصب العام بالانتماء الديني.
رأى أوليفر إلسورث أن القسم على الدستور كافٍ سياسيا، وأن الضمان الحقيقي ليس في فحص العقائد (شترستوك)عندما أُقرّ الدستور عام 1788 من دون وثيقة حقوق، لم يكن ذلك عن إهمال، بل نتيجة جدل عميق حول طبيعة السلطة الجديدة. بعض الفيدراليين (وهو وصف لداعمي فكرة اتحاد الولايات الأمريكية) رأوا أن الدستور بصيغته الأصلية كافٍ، بينما خشي آخرون من أن غياب نصوص صريحة تحمي الحريات قد يفتح الباب لتجاوزات مستقبلية.
من أبرز المدافعين عن الدستور كما هو كان ألكسندر هاملتون، أحد العقول الفيدرالية اللامعة وأول وزير للخزانة في تاريخ الولايات المتحدة -والشخصية المرسومة اليوم على ورقة 10 دولارات. كتب هاملتون سلسلة مقالات بعنوان "الأوراق الفيدرالية (The Federalist Papers)"، وهي 85 مقالة نُشرت بين عامي 1787 و1788 في صحف نيويورك، وكتبها مع جيمس ماديسون وجون جاي، بهدف إقناع الرأي العام بالموافقة على الدستور الجديد. في المقالة رقم 84 تحديدًا، جادل هاملتون بأن إدراج وثيقة حقوق قد يكون غير ضروري، لأن الحكومة الفيدرالية لا تملك إلا الصلاحيات المحددة لها، وبالتالي لا تحتاج إلى نص يمنعها من ممارسة سلطات لم تُمنح لها أصلًا.
"جادل هاملتون بأن إدراج وثيقة حقوق غير ضروري، لأن الحكومة الفيدرالية لا تملك إلا الصلاحيات المحددة لها فقط ولا تستطيع تجاوزها"
أما جيمس ماديسون، فعلى الرغم من تحفظه الأولي على إضافة تعديلات، عاد لاحقاً ليتبنى الفكرة ويقود صياغتها في الكونغرس استجابة لمخاوف الولايات والرأي العام، ولا سيما بشأن حرية الضمير والدين، وهي مسألة بقيت حاضرة بقوة بعد تجربة فرجينيا.
في 8 يونيو/ حزيران 1789 قدم ماديسون مسودته الأولى، التي نصت على أن "الحقوق المدنية لأي إنسان لا يجوز أن تُنتقص بسبب معتقده الديني أو عبادته، ولا يجوز إقامة دين وطني، ولا يجوز المساس بحقوق الضمير الكاملة والمتساوية". لكن هذه الصياغة أثارت نقاشاً داخل مجلس النواب. فبعض الأعضاء تساءلوا: هل تعني عبارة "لا يجوز إقامة دين وطني" أن الكونغرس لا يستطيع حتى إظهار دعم رمزي للدين؟ وهل قد تُفهم الصياغة على أنها تهميش للدين، لا مجرد منع لإنشاء كنيسة رسمية؟
من هنا برزت فكرة التأكيد على حرية ممارسة الدين. وانطلاقاً من هذه الفكرة اقترح فيشر أميس، وهو محامٍ شاب من ماساتشوستس، صياغة أقصر تتضمن عبارة "حرية ممارسة الدين". كما شارك صمويل ليفرمور وآخرون في تنقيح اللغة لتكون أوضح وأقل إثارة للقلق. وجرت تبسيطات إضافية في مجلس الشيوخ، حيث طُرحت صيغة تتحدث عن "إقامة مواد إيمانية أو نمط عبادة"، قبل أن يُعاد تشكيل النص في لجنة مؤتمر مشتركة برئاسة جيمس ماديسون.
كما رأى بعض الأعضاء أن الصيغة المقترحة قد تترك الباب مفتوحاً لتفضيل طائفة دون إعلانها كنيسة رسمية. لذلك عُدلت الصياغة لاحقاً لتصبح أوسع: "لا يسنّ الكونغرس قانوناً فيما يتعلق بإقامة دين". وأخيراً استقرت الصيغة النهائية لافتتاحية التعديل الأول على عبارة موجزة لكنها مفتوحة على التفسير: "لا يسنّ الكونغرس قانوناً فيما يتعلق بإقامة دين، أو يمنع حرية ممارسته".
في كلمات قليلة فقط صاغ واضعو الدستور مبدأ بالغ الاتساع. جملة قصيرة في بنيتها، لكنها حملت تصوراً عميقاً لحرية الضمير والمعتقد. لم تحدد ديناً، ولم تفرض تصوراً للإيمان، بل تركت المجال مفتوحاً أمام المجتمع ليعيش تنوعه الديني خارج سلطة الدولة. كلمات محدودة، لكن معانيها اتسعت لتصبح أحد أركان الحرية الدينية في التجربة الدستورية الحديثة.
المحامي فيشر أميس اقترح صياغة أقصر تتضمن عبارة "حرية ممارسة الدين" (شترستوك)قيّد التعديل الأول في صيغته الأصلية الكونغرس فقط، ولم يكن موجّهاً مباشرة إلى حكومات الولايات، ولذلك فإن بعض الولايات احتفظت بترتيبات دينية خاصة لعقود بعد اعتماد وثيقة الحقوق. غير أن التحول الكبير جاء بعد الحرب الأهلية، مع إقرار التعديل الرابع عشر عام 1868، الذي نصّ على أن أي ولاية لا يجوز لها أن تحرم أي شخص من "الحرية" أو "الحماية المتساوية للقوانين (أي أن الدولة ملزمة بتطبيق القوانين على جميع الأشخاص على قدم المساواة، من دون تمييز غير مبرر بسبب الدين أو العرق أو الأصل أو أي صفة أخرى)".
وعبر تطور الاجتهاد القضائي في القرن العشرين، اعتبرت المحكمة العليا أن حرية الدين جزء من هذه "الحرية" المحمية، فأصبح بندا "عدم إقامة دين" و"حرية الممارسة الدينية" ملزمين للولايات تماما كما هما ملزمان للحكومة الفيدرالية.
"من خلال المحكمة العليا، أصبح ضمان حرية الممارسة الدينية ملزما للولايات تماما كما هو ملزم للحكومة الفيدرالية"
من هنا انتقل النقاش إلى ساحة القضاء الدستوري. في قضية إيفرسون ضد مجلس التعليم عام 1947، قررت المحكمة أن بند عدم إقامة دين ينطبق على الولايات عبر التعديل الرابع عشر، مع التأكيد على ضرورة بقاء الدولة على مسافة من تبني أي دين رسمي. وفي قضية إنجل ضد فيتال عام 1962، رأت المحكمة أن صلاة مدرسية رسمية، حتى إن كانت غير طائفية، تتعارض مع الدستور. هذه الأحكام لم تُنهِ الجدل، بل نقلته إلى مستوى أعمق حول حدود الحياد الدستوري.
في العقود التالية، استمرت القضايا المتعلقة بتمويل المدارس الدينية، والرموز في الفضاء العام، والإعفاءات الدينية من قوانين عامة. أحياناً مال التفسير نحو تشديد الفصل، وأحياناً نحو توسيع حماية حرية الممارسة. تغيرت الأغلبية داخل المحكمة، وتبدلت اتجاهات التفسير، بينما بقي النص نفسه ثابتا.
هذه المواد الدستورية لم تبقَ نصوصاً نظرية، بل شكّلت إطاراً عملياً للحياة السياسية الأمريكية عبر قرنين. فمنذ القرن التاسع عشر، دخل يهود إلى الكونغرس، ثم عُيّن قضاة يهود في المحكمة العليا، وانتُخب أول رئيس كاثوليكي عام 1960 هو جون ف. كينيدي رغم جدل واسع حول ولائه الديني. وفي العقود الأخيرة، انتُخب مسلمون في مجلس النواب، مثل كيث إليسون وإلهان عمر، ووصل زهران ممداني المسلم إلى رئاسة بلدية نيويورك، واحدة من أكثر المدن أهمية في العالم.
لم تكن هذه التطورات دائماً موضع ترحيب كامل، فقد ظهرت حملات سياسية وإعلامية قوية ضد بعض المسؤولين المنتمين إلى ديانات غير مسيحية، وخصوصاً ضد مسلمين في مواقع عامة، وارتفعت أصوات تشكك في انتمائهم أو في انسجامهم مع "هوية" الولايات المتحدة. كما شهدت البلاد وصول رؤساء ومسؤولين ذوي توجهات راديكالية أو خطاب ديني حاد، ما أعاد الجدل حول حدود العلاقة بين الإيمان والسياسة.
ومع ذلك، ظلّ الإطار الدستوري نفسه قائماً. لا يمكن فرض اختبار ديني، ولا يمكن إقصاء مرشح بسبب عقيدته، ولا يمكن اشتراط انتماء ديني معين لتولي منصب اتحادي. هذه الحماية لا تخدم الأقليات الدينية وحدها، بل تحمي أيضاً حق المواطنين (بمن فيهم المسيحيون البروتستانت الذين شكّلوا تاريخياً المكوّن الأكبر للولايات المتحدة) في اختيار من يثقون به على أساس الكفاءة أو الرؤية السياسية، لا على أساس الهوية الدينية المفروضة قانوناً.
"الجدل حول موقع الدين في الدولة لم يُغلق أبدا، بل أصبح جزءاً دائماً من الحياة الدستورية الأمريكية"
من ضريبة معلمي الدين في فرجينيا، إلى المادة السادسة، إلى التعديل الأول، ثم إلى التعديل الرابع عشر، لم يكن المسار خطاً مستقيما ينتهي بإجابة واحدة. النصوص وضعت إطاراً، والمحاكم فسّرته، والمجتمع ناقشه. الجدل حول موقع الدين في الدولة لم يُغلق، بل أصبح جزءاً دائماً من الحياة الدستورية الأمريكية. ومع كل موجة سياسية جديدة، يعود السؤال بصيغ مختلفة، فيما يبقى الدستور مرجعية يصعب تجاوزها أو تعديلها جذرياً، مهما تبدلت الحكومات أو ارتفعت حدة الخطاب العام.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن الدستور يضمن نزاهة المسؤولين أو حكمة السياسات. فالتاريخ الأمريكي مليء بالنماذج السيئة والسياسات القبيحة، من العبودية والعنصرية إلى الحروب الخارجية والفضائح التي طالت شخصيات في أعلى مواقع السلطة. لكن قيمة الدستور تكمن في أمر آخر: فهو إطار حكم مرن يمنح المجتمع أدوات للمراجعة والتصحيح ويحدّ من قدرة السلطة على التمادي. وقد واجه هذا الإطار في السنوات الأخيرة، خصوصاً خلال رئاسة دونالد ترمب، اختبارات صعبة يرى كثيرون أنها شهدت تجاوزاً لبعض أعرافه ونصوصه، ومع ذلك يبقى النظام الدستوري، حتى الآن، الضامن الأهم في مواجهة الانزلاق الأمريكي نحو الاستبداد، رغم المؤشرات المتزايدة على ذلك تحت عهد ترمب.
ليست هذه القصة عن الولايات المتحدة بقدر ما هي عن مسار تطور فكري في فهم العلاقة بين المقدّس والسياسي. فالتجربة التي مرّت بها لم تنطلق من التقليل من شأن الدين أو الرغبة في استبعاده كليا، بل من افتراض أن مكانته لا ينبغي أن تُربط بأداء الحكومات أو بتقلبات الأحزاب. فالدستور يمكن أن يتبدل تفسيره، والسياسيون يمكن أن ينجحوا أو يفشلوا، أما الإيمان الشخصي فيظل باقيا. لقد رأى المؤسسون الأمريكيون أنه حين تتحول القيم الجامعة إلى أدوات في التنافس السياسي، فإنها تدخل مجالاً لا يشبهها بطبيعته. أما حين تبقى خارج هذا المجال، فإنها تظل جزءاً من المجتمع لا من السلطة، ومن الضمير لا من القانون."
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة