القدس- وفق تقدير لجنة إعمار الخليل، وهي لجنة حكومية، ينشر الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 110 حواجز داخل البلدة القديمة من المدينة، بما فيها الحواجز العسكرية والبوابات والإغلاقات بصفائح الحديد والمكعبات الإسمنتية.
هذه الحواجز حرمت الفلسطينيين من الوصول إلى جزء من البلدة يقدر بنحو كيلومتر مربع، يقطنه نحو 800 مستوطن في مجموعة بؤر متناثرة دون أي قيود.
أما في القدس فوضع مستوطنون يوم 13 أبريل/نيسان بوابة حديدية في البلدة القديمة، لتضاف إلى 8 حواجز منتشرة لقوات الاحتلال، وسط مخاوف من الإسقاط التدريجي لما جرى في الخليل على مدينة القدس، بينما يمنع فلسطينيو البلدة من أي ترميم لمساكنهم وممتلكاتهم.
وضعت البوابة بين سوق القطانين وباب الحديد، قرب جمعية شباب البلدة القديمة بمحاذاة حوش الزوربا، وليست إلا واحدة من عدة عوائق أقامها الاحتلال الإسرائيلي في القدس في الأسابيع القليلة الماضية.
وتؤدي البوابة إلى خمس بؤر استيطانية مقامة قرب حوش دودو، وتتحكم في طريق يسلكه المصلون المتوجهون إلى المسجد، ما يضطرهم للتوجه إلى بدائل أطول مسافة عند إغلاقها.
وأكثر ما يثير مخاوف المقدسيين اليوم هو خلق واقع في القدس يشبه ما يعيشه سكان البلدة القديمة و الحرم الإبراهيمي في الخليل، من تضييق على الحركة والفصل بين الأحياء وإفراغها وتهجير السكان، وبالتالي إحكام السيطرة الإسرائيلية على الحرم.
يقول المواطن المقدسي محمد موسى للجزيرة نت: "البلدة القديمة بالقدس تحولت إلى ثكنة عسكرية بفعل 9 حواجز ونقاط تفتيش متعددة، يتعرض عندها شباب ونساء وأطفال البلدة للتنكيل دون أي رادع قانوني".
وتفرض هذه الحواجز تصنيفا على أهالي البلدة بحسب الأحياء التي يقطنونها. ويضيف محمد: "تمنع شرطة الاحتلال دخول غير القاطنين إلى الأحياء، ويشترط إبراز ملحق الهوية الشخصية الذي يحمل اسم الحي".
ليس هذا فحسب، بل يقيد الاحتلال حركة المقدسيين في الزمان والمكان، ويحكم حصاره على أحيائهم، في حين ترفع هذه القيود تماما عند اقتحام المستوطنين لها بحماية من الشرطة والجيش الإسرائيلي.
ويشير الشاب المقدسي إلى أن "المستوطنين يتمتعون بحرية كاملة في التنقل بين الأحياء، حيث يقيمون صلوات تلمودية ويعتدون على الشبان تحت حماية إسرائيلية كاملة".
استحدثت هذه الإجراءات عقب إعلان حكومة الاحتلال حالة الطوارئ في 28 فبراير/شباط 2026، تزامنا مع الحرب على إيران، مما حول البلدة القديمة إلى ثكنة عسكرية.
وشمل ذلك إغلاق الأماكن الدينية، ومنها كنيسة القيامة والمسجد الأقصى الذي أغلق 40 يوما، مما حال دون تمكن الفلسطينيين من أداء الصلاة والاعتكاف فيه، لا سيما خلال العشر الأواخر من رمضان.
ويرى محمد – كغيره من المقدسيين – أن "إغلاق المسجد الأقصى والأماكن المقدسة ليس سوى خطوة سياسية تستفز مشاعر العرب والمسلمين والمسيحيين، وتمنعهم من أداء شعائرهم الدينية والاجتماعية".
كما يحارب الاحتلال – بحسب المواطن المقدسي – "كل ما هو غير صهيوني في المدينة، إذ لم يسمح خلال فترة الإغلاق إلا لـ20 شخصا من موظفي الأوقاف والعاملين في العيادة والإطفائية بالدخول، في حين سمحت حكومة الاحتلال للمستوطنين بالصلاة والوجود عند حائط البراق".
من جهته، يقول الباحث والخبير في شؤون الاستيطان خليل التفكجي إن السياسات المتبعة في مدينة القدس، ومنها نصب الحواجز وممارسات المستوطنين والتضييقات الاقتصادية التي تطوق المدينة، تهدف جميعها إلى إفراغ البلدة القديمة ودفع السكان إلى مغادرتها نحو الشمال، وتحديدا إلى بلدة بيت حنينا.
ويوضح للجزيرة نت أن "الصراع ليس اقتصاديا وإنما ديمغرافيا يقوم على محاولات رفع أعداد الأقلية اليهودية على حساب الأغلبية العربية، في مخطط بدأ عام 2017، وهو ما عرف بخطة "إنقاذ القدس"، وما تلاها من فرض للبوابات الإلكترونية والجسور الحديدية والتشديدات الأمنية الإسرائيلية التي نجحت "هبة البوابات الإلكترونية" في إبطال جزء منها".
وفي سياق متصل، يعزو التفكجي أسباب إفشال مخطط البوابات الحديدية في حينه إلى أنها أزيلت بعد ضغط وتحرك القيادة الإسلامية والوطنية المنبثقة عن المجتمع المقدسي، مدعومة بالضغط الدولي، مضيفا: "التراجع الإسرائيلي لا يلغي مساعي السيطرة على المكان المقدس عبر استغلال الظروف الأمنية وعدم وجود تحرك على أرض الواقع".
يتحدث الباحث التفكجي عن استمرار العمل على سياسة الدمج والمحو بين شطري المدينة (الغربي المحتل عام 1948 والشرقي المحتل عام 1967)، وربط البنية التحتية، وشق الطرق الالتفافية، وتكثيف البؤر الاستيطانية داخل الأحياء الفلسطينية، ما يجعل إقامة دولة فلسطينية أمرا مستحيلا.
وتابع: "فرضت إسرائيل أيضا مؤسساتها السيادية في القدس الشرقية، كوزارة الداخلية والشؤون الاجتماعية ومؤسسة التأمين الوطني، وقطعت أوصال المدينة كما حدث في كرم المفتي ورأس العامود وبلدة سلوان وباب الهوى".
ورجح إمكانية تطبيق الاحتلال نموذج الخليل في مدينة القدس استغلالا لحالة الحرب والمخططات الإسرائيلية؛ غير أن الفرق يكمن في وجود اتفاقية الخليل الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية عام 1997.
وبموجب هذه الاتفاقية، قُسمت مدينة الخليل إلى منطقتين هما "إتش 1″ (H1) و"إتش 2" (H2)، حيث تشكل الأخيرة 20% من مساحة المدينة، وتخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية كاملة تشمل الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة.
وبعد مرور 27 عاما على توقيع الاتفاقية، صادق الكابينت الإسرائيلي مؤخرا على نقل صلاحيات بلدية الخليل من البناء والتخطيط في البلدة القديمة إلى "الإدارة المدنية الإسرائيلية".
من جهته، قال الأكاديمي المختص بشؤون القدس جمال عمرو: "مدينتا القدس والخليل تمثلان توأمة روحية من الناحيتين الدينية والتاريخية، فضلا عن التشابه في طابعهما المعماري والهندسي وانعكاس ذلك على التفاعلات الاجتماعية في كلتا المدينتين".
وهذا التشابه – أضاف عمرو للجزيرة نت – لا يقتصر على الشكل الهندسي وتاريخ الحضارات التي مرت على مدينتي القدس والخليل، وإنما السياسات نفسها التي تُمارس في القدس قد مارسها الاحتلال سابقا في الخليل.
وأشار إلى أن المعطيات تدل على حصار سكان البلدة القديمة ومنع التنقل وتقطيع العلاقات الاجتماعية وتدمير النشاط الاقتصادي، ثم يأتي قرار إغلاق المسجد الأقصى لـ40 يوما، ويُمنع المصلون من أداء الشعائر الدينية والعادات الاجتماعية.
ويواجه الفلسطينيون في البلدة القديمة في القدس امتحانا صعبا – حسب الباحث عمرو – بسبب السياسات الهادفة إلى إقصاء الوجه العربي الفلسطيني عن المدينة، وفرض التهويد عبر جملة من السياسات والأدوات التي تشرف على بلورتها وتنفيذها مجموعة من الأجهزة الإسرائيلية.
ومنذ سنوات تنفذ سلطات الاحتلال حفريات تحت البلدة القديمة والمسجد الأقصى، تزامنا مع عملية تزوير عبر استبدال المسميات العربية الأصلية بأخرى عبرية، وفق عمرو، الذي أضاف أن "حكومة الاحتلال مكنت الجماعات الاستيطانية من سرقة 80 عقارا في البلدة القديمة، باستخدام قوانين وسياسات طردت الفلسطينيين من بيوتهم وعقاراتهم وحولتها إلى بؤر استيطانية ما زالت تتسع بهدف السيطرة التامة على الأحياء لتحويلها إلى أحياء إسرائيلية كاملة".
وتتعزز مسارات المستوطنين في البلدة القديمة مع اقتحامات الأقصى وعمليات التزوير التاريخية، وهي -وفق عمرو- تشكل فسيفساء متكاملة من السياسات الاستعمارية التي هدفها النهائي تزوير وسرقة المكان من الفلسطيني وإقامة مدينة يهودية قلبها هو " الهيكل المزعوم" الذي تطمح الجماعات الاستيطانية لإقامته مكان المسجد الأقصى.
وهو ما يؤكد -يختم عمرو- أن الاحتلال عبر هذه السياسات، التي طرأ عليها مؤخرا التحول الجديد وهو نصب البوابات داخل الأحياء، والتي تضاف إلى الانتشار العسكري المكثف بدوره حول الأحياء المقدسية إلى ما يشبه "الثكنة"، وبناء الأبراج العسكرية التي تفسد الوجه الحضاري العريق للمكان، يسعى إلى استنساخ جديد لحصار البلدة القديمة في الخليل التي يسيطر فيها على المسجد الإبراهيمي، ويغلق الأحياء، وينكل بالأهالي على مدار الساعة، ويسرق العقارات، ويطلق ميليشيات المستوطنين لتعتدي عليهم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة