لا تعني التطورات اللافتة التي شهدناها في نهاية الأسبوع الماضي بالضرورة نهاية الصراع من جانب الولايات المتحدة، وإسرائيل، مع إيران، لكنها تبدو كنقطة تحول؛ فلا تزال النقاط الخلافية الرئيسية دون حل، كما أن القوات العسكرية الأمريكية في المنطقة مستعدة لاستئناف العمليات القتالية، ولا تزال المنطقة تستوعب صدمة الحرب التي استمرت 40 يوما.
والآن، يبدو أن الديناميكيات الإستراتيجية قد تغيرت بشكل ملموس، وأن احتمال حدوث تصعيد كبير آخر قد انخفض بشكل كبير.
والسؤال هو: لماذا؟ وماذا قد يحدث بعد ذلك؟
بعد فترة وجيزة من اندلاع الصراع؛ اعتقدت إيران أنها اكتشفت شكلا جديدا من أشكال النفوذ: التهديد بإغلاق مضيق هرمز أمام جميع السفن باستثناء السفن "الصديقة".
ولطالما أدركت طهران أن المضيق هو أحد أهم الممرات البحرية الحيوية في العالم؛ حيث يمر ما يقرب من خُمس إمدادات النفط العالمية عبر مياهه الضيقة.
وقد كانت مجرد الإشارة إلى احتمال قيام إيران بتقييد المرور كافيا تاريخيا لإثارة القلق في الأسواق، ودفع الدبلوماسيين إلى التحرك بسرعة.
هذه المرة، بدا أن القادة الإيرانيين يعتقدون أن بإمكانهم استخدام هذا التهديد بشكل عدواني، ليس مجرد تلويح رمزي باستخدامه، بل أداة قسرية لزيادة تكلفة استمرار الضغط الأمريكي والإسرائيلي.
غير أن الولايات المتحدة ردت في النهاية بخطوة مضادة غيرت الحسابات بشكل جذري، فقد خلقت واشنطن نقطة نفوذ جديدة ذات أهمية إستراتيجية لم تستطع طهران تجاهلها من خلال فرض حصار على الشحن المتجه إلى إيران، وكذلك صادراتها.
إن اعتماد إيران الاقتصادي المطلق على صادرات الطاقة يعني أن أي حظر جزئي لشحناتها سيهدد بخسائر كارثية في الإيرادات.
في الواقع، اصطدمت محاولة إيران استخدام مضيق هرمز كسلاح بشكل أقوى من الإكراه.
لم تكن الولايات المتحدة بحاجة إلى إغلاق المضيق؛ بل كانت بحاجة فقط إلى منع وصول إيران إليه. وقد أثبت هذا التباين أنه عامل حاسم. لم يكن إعلان طهران قبل أيام أن المضيق "مفتوح" مرة أخرى عملا من أعمال السماحة؛ بل كان تنازلا ناجما عن الخوف الاقتصادي.
والخطوة التالية لا تقل أهمية؛ فقد اختارت الإدارة الأمريكية الإبقاء على الحصار حتى يتم التوصل إلى اتفاق واضح وقابل للتحقق بشأن المواد النووية الإيرانية، والقيود طويلة الأمد على طموحاتها النووية.
وهذا ليس مطلبا جديدا، لكن النفوذ الأمريكي الذي يقف وراءه هو الجديد. فلأول مرة منذ سنوات، تواجه إيران شكلا من أشكال الضغط يهدد اقتصادها بشكل مباشر.
وإذا أدى ذلك إلى حل مستدام للملف النووي- إذا تخلت إيران عن المواد الرئيسية، وقبلت قيودا ذات مغزى وقابلة للتحقق بشأن الأنشطة المستقبلية المتعلقة بالأسلحة- فسيكون ذلك أهم نتيجة إستراتيجية للصراع، وقد تؤدي إلى إعادة تشكيل المشهد الإقليمي، والحد من أحد أكثر مصادر عدم الاستقرار استمرارا في الشرق الأوسط.
هذه هي النتيجة الإستراتيجية الرئيسية المحتملة، وهناك أيضا نتيجة محايدة، وهي تتعلق بمستقبل النفوذ على الممرات الإستراتيجية؛ حيث تثير محاولة إيران الفاشلة استخدام مضيق هرمز أداة قسرية دائمة أسئلة أوسع نطاقا:
هل أظهرت هذه الحادثة أن التهديدات المتعلقة بالممرات الإستراتيجية أقل فاعلية مما افترضه الكثيرون؟ أم إن الدول الأخرى، التي تراقب عن كثب، ستستنتج أن الدرس الحقيقي هو السيطرة على الممرات الإستراتيجية بشكل أكثر حسما من إيران، والاستعداد لتنفيذ تلك التهديدات، وإغلاق الممرات الدولية بقدرات عسكرية أكبر؟
إن النظام العالمي مليء بالممرات الضيقة مثل باب المندب، وقناة السويس، ومضيق ملقا، ومضيق تايوان، وقد يتردد صدى السابقة التي أرسيت هنا في هرمز إلى ما هو أبعد من الخليج في هذه الحقبة الجديدة من التنافس بين القوى العظمى.
ثم هناك النتيجة الأكثر إثارة للقلق: لقد بقي النظام في طهران دون تغيير؛ فالقيادة الثيوقراطية نفسها التي تحكم منذ ثورة 1979 لا تزال في مكانها بشكل أساسي، بل ربما تكون الحرب قد عززت موقف المتشددين، مجتبى خامنئي هو المرشد الأعلى الجديد على الورق؛ وقد يكون التغيير الأكثر أهمية هو تعزيز نفوذ الحرس الثوري.
وليس من الصعب تخيل خروج الحرس الثوري الإيراني من هذه الحرب أكثر راديكالية، وتصميما على إعادة البناء، وأكثر التزاما بتطوير قدرات غير متكافئة قادرة على الصمود والتكيف مع الضغط الأمريكي.
وهذا يثير سلسلة أخرى من الأسئلة المقلقة: هل ستعيد إيران بناء قدراتها العسكرية بسرعة نسبية؟ هذا شبه مؤكد.
وهل ستعيد بناءها بشكل أكثر فاعلية، مستفيدة من الدروس المستخلصة من الإخفاقات التي انكشفت خلال الصراع؟ هذا احتمال حقيقي.
وهل سيُفسر الحرس الثوري الإيراني الحصار كإهانة يجب الرد عليها على المدى المتوسط إلى الطويل وليس كنجاح رادع؟ لا يمكن استبعاد ذلك.
لهذا السبب، لا ينبغي أن نخطئ في اعتبار تطورات نهاية الأسبوع الماضي نقطة نهاية إستراتيجية رغم أهميتها. لقد اكتسبت الولايات المتحدة نفوذا جديدا هائلا، لكن هذا النفوذ لا يعني تلقائيا الوصول إلى حل نهائي.
قد يكون هناك تقدم حقيقي يمكن تحقيقه في الملف النووي أكثر من أي وقت مضى في الذاكرة الحديثة، لكن مثل هذا التقدم عادة ما يتلاشى تحت الضغط في هذه المنطقة.
ومع ذلك، فإن نقاط التحول مهمة؛ فهي تشكل المرحلة التالية من الصراع ومجموعة الخيارات التالية المتاحة لصانعي السياسات.
ويعكس التحول الذي حدث اليوم حقيقة بسيطة لكنها قوية: النفوذ القسري ينجح عندما يكون ذا مصداقية وموجها وذا تأثير اقتصادي؛ فلقد اعتقدت إيران أنها وجدت مصدرا جديدا للنفوذ في مضيق هرمز، لكنها اكتشفت بدلا من ذلك أن الولايات المتحدة تمتلك نفوذا أقوى.
وستحدد الأسابيع المقبلة ما إذا كانت هذه اللحظة ستصبح نقطة تحول أم مجرد توقف مؤقت. ولكن في الوقت الحالي، أصبحت الصورة الإستراتيجية أوضح مما كانت عليه منذ شهور؛ لم ينته الصراع بعد، لكن مساره قد تغير.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة