لم يُضِع بيتر ماغيار وحزبه المنتصر "تيسا" أيّ وقت في الاستعداد لانتقال السلطة في المجر، بعد فوزهم الكاسح والمثير على فيكتور أوربان يوم الأحد الماضي.
لقد حصلوا على 52 في المئة من الأصوات، ما وضع حداً لـ 16 عاما من الحكم المتواصل لحزبه - وهو ما يُترجم إلى 140 مقعداً من أصل 199 في الجمعية الوطنية.
في المقابل، تراجع حزب "فيدس" بزعامة أوربان من 135 إلى 53 مقعداً.
وتم إعلان النتائج النهائية يوم السبت، بما في ذلك إعادة الفرز في الدوائر المتقاربة، والأصوات المُدلى بها في الخارج.
وحصل ماغيار على تعهُّد من الرئيس تاماس سوليوك بتقديم موعد تشكيل البرلمان الجديد إلى الأسبوع الذي يبدأ في 4 مايو/آيار المقبل، حيث يمكن للبرلمان بعد ذلك انتخاب الحكومة الجديدة.
كما أجرى مقابلات حادة مع التلفزيون والإذاعة العموميَين، اللذين تجاهلاه إلى حد كبير أو هاجماه خلال العامين الماضيين.
ووعد ماغيار بتمرير قوانين لتعليق برامجهم الإخبارية إلى حين تعيين محررين محايدين، لكن كل هذا سيستغرق وقتاً.
وبحيازته على ما يسمّى بـالأغلبية الفائقة، التي تزيد على ثلثي مقاعد البرلمان، فإنه يخطط أيضاً - بأثر رجعي - للحدّ من عدد الفترات التي يمكن أن يشغلها رئيس الوزراء إلى فترتين.
وقد شغل فيكتور أوربان المنصب بالفعل لخمس فترات؛ وإذا تم إقرار ذلك، فقد يُغلق ماغيار الباب أمام عودة أوربان.
ولم يكسر أوربان صمته إلا في وقت متأخر من يوم الخميس بعد هزيمة الأحد، وذلك في مقابلة على قناة باتريوتا عبر منصّة يوتيوب.
وقال الزعيم المجري المهزوم: "هذه نهاية حقبة، يجب أن نتحمّل هذه الهزيمة بكرامة".
تحدث أوربان عن شعوره بـ"الألم والفراغ" بسبب الهزيمة، متحمّلاً المسؤولية الشخصية الكاملة عما حدث، لكنه لم يقدّم أي تحليل للأخطاء الرئيسية في حملته، باستثناء الفشل في استكمال محطة "باكس 2" النووية المصمّمة روسياً، والتي تأخرت سِت سنوات عن الجدول الزمني.
ومن المقرّر عقد اجتماع للقيادة العليا لحزب فيدس في 28 أبريل/نيسان الجاري، قبل مؤتمر الحزب في يونيو/حزيران المقبل.
وفي المقابلة، قال أوربان إنه سيواصل قيادة الحزب إذا أُعيد انتخابه، لكنه أضاف أن الحزب بحاجة إلى "تجديد كامل".
ومن بين المقاعد الـ 53 التي سيشغلها فيدس في البرلمان الجديد، هناك 10 فقط جاءت من دوائر فردية، بينما البقية من قوائم الحزب.
وقال إن العديد من النواب الجدد على قوائم الحزب ينبغي استبدالهم، لأنهم غير مناسبين للعمل في صفوف المعارضة، وقد صدرت بالفعل بعض الدعوات للتغيير، في حزب نادراً ما يُعبّر فيه عن المعارضة علناً.
وقال أندراش تشير-بالكوفيتش، عمدة مدينة سيكيشفهيرفار الغربية المنتمي إلى فيدس: "أعتقد أنه ليس من الضروري أن يستقيل (أوربان) في الوقت الحالي؛ يجب أن ينتظر اجتماع الكتلة البرلمانية ثم يبدأ في تقييم النتيجة، وبعد ذلك ينبغي إجراء انتخابات للقيادة".
ولا يوجد خليفة بشكل واضح لأوربان داخل الحزب؛ ولا أحد يمتلك مهارته أو جاذبيته في التوفيق بين الآراء والطموحات المختلفة.
وقد انتقد مستشارون أمريكيون وبريطانيون الشعار الرئيسي لحملة فيدس وهو "الخيار الآمن"، لأنه قد ينفّر الناخبين الشباب.
لكن كان من الصعب على حزب ظل في السلطة لفترة طويلة أن يقدّم نفسه للناخبين كحزب للتغيير، بحسب قول أحد المصادر لبي بي سي.
ورداً على ذلك، كان وزير الخارجية بيتر سيارتو (47 عاماً)، ووزير النقل يانوش لازار (51 عاماً)، يظهران باستمرار في تجمعات أوربان، لكن بدلاً من أن يُنعشا الحزب، جعلت حيويتهما زعيمه يبدو متقدماً في السن ومرهقاً.
وسيبلغ أوربان من العمر 63 عاماً الشهر المقبل، لكن آثار 38 عاماً من العمل السياسي في الصفوف الأمامية بدت واضحة على مُحيّاه حتى لمؤيديه المتشددين.
وتسود أجواء من الخوف وتبادل الاتهامات داخل الحزب الحاكم.
وتنتشر شائعات في بودابست عن اعتقالات وشيكة بتُهم فساد، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، يُظهر أنصار حزب "تيسا" نفاد صبرهم تجاه محاسبة من أثروا بشكل غير قانوني خلال الحكومة السابقة.
ويقود بيتر ماغيار هذا الخطاب؛ فقال في منشور عبر فيسبوك: "رسالتي إلى قادة فيدس وأتباعهم: لا فائدة من لعب دور الفتاة البريئة الآن والتظاهر وكأن شيئاً لم يحدث، نحن نعرف ما فعلتموه بوطننا الحبيب وبالشعب المجري، ولا تشكوا لحظة واحدة في أن كل إنسان يحصد ما يزرع".
وفي وسط بودابست، تم تشويه كل ملصقات حزب فيدس تقريباً، وعلى العديد منها، كُتبت كلمة "Vége" أي "النهاية" بالرش، كما تم تمزيق مصلقات أخرى وإعادة تزيينها بعبارات بذيئة.
وقد جاء سقوط الحزب المفاجئ في نظر الجمهور، حتى لدى بعض مؤيديه السابقين، لافتاً بشكل كبير.
ويبدو أن النبرة الحادة لزعامات حزب تيسا، القادة الجدد في البلاد، تحمل بُعداً عاطفياً وتكتيكياً في آن واحد.
فهم يسعون إلى الانتقام من حملة التشويه التي دأبت عليها مؤسسة الصحافة والإعلام لأوروبا الوسطى (كيسما) الخاضعة لسيطرة الحكومة، والتي استهدفتهم واستهدفت ماغيار شخصياً؛ وتضم هذه المؤسسة 476 عنواناً، منها نحو 50 منصة إخبارية.
ومن أوائل المشكلات التي يواجهها حزب تيسا: وقف تحويل الأموال إلى خارج البلاد من قبل رجال أعمال مقربين من الحزب الحاكم، حيث تُعد دبي وجهة مفضلة للأوليغاركيين المجريين.
كما يتمثل تحدٍ آخر في منع إتلاف الأدلة المتعلقة بالفساد، خاصة داخل الوزارات الحكومية.
وفي حين يتم تمزيق الوثائق الورقية في بعض المكاتب، أفاد مصدران من داخل حزب تيسا لبي بي سي بأن بعض المسؤولين يعرضون تسليم الحزب أقراصاً إلكترونية تحتوي على نُسخ رقمية من الملفات، في مقابل الاحتفاظ بوظائفهم أو الحصول على حصانة من الملاحقة القضائية.
وفي الأسبوع الذي سبق الانتخابات، ومع استمرار استطلاعات الرأي في توقّع فوز كبير للمعارضة، تمّ توقيع عشرات العقود مع شركات مفضلة، تُلزم الدولة بمشاريع مستقبلية في مجالات تكنولوجيا المعلومات والبحث والبناء وغيرها - بحسب حزب تيسا.
وبفضل أغلبيتهم الجديدة التي تتجاوز ثلثي المقاعد، سيكون بإمكانهم تمرير قوانين لإعادة التوازن والضوابط المؤسسية التي أضعفها أو دمّرها حزب فيدس خلال السنوات الـ 16 الماضية.
وخلال حملته الانتخابية، وعد ماغيار بإنشاء مكتب لاسترداد أصول الدولة المنهوبة.
وفي هذا الأسبوع، جدّد وعده بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي في لوكسمبورغ (إي بيه بيه أو)، وقد يساعد ذلك في إظهار جديّته للاتحاد الأوروبي في مكافحة الفساد، لكن صلاحياته تقتصر على التحقيق في إساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي فقط.
كما أجرى محادثات مع زولت هيرنادي، الرئيس التنفيذي لشركة إم أو إل، عملاق الطاقة المجري، التي تدير مصفاتين في المجر وسلوفاكيا وتعتمد عليهما الدولتان بشكل كبير.
ويُعدّ الاستئناف العاجل لإمدادات النفط عبر خط أنابيب "دروجبا" (الصداقة) من روسيا عبر أوكرانيا أحد الموضوعات القليلة التي يتفق فيها ماغيار مع فيكتور أوربان، وكان الخط قد توقف منذ أواخر يناير/كانون الثاني الماضي، لكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قال هذا الأسبوع إن النفط قد يبدأ بالتدفق مجدداً بحلول نهاية الشهر الجاري.
ويقول رئيس الوزراء المجري القادم إنه يريد تنويع مصادر النفط لبلاده، خصوصاً من خلال الاستفادة بشكل أفضل من خط أنابيب بديل يصل إلى جزيرة كرك الكرواتية.
تشير تقديرات إلى أن ما يقرب من ثلاثة أرباع الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً قد دعموا حزب تيسا؛ وقالت ريكا سيميركيني سفيرة المجر السابقة لدى الولايات المتحدة في عهد أوربان، لبي بي سي إنها انبهرت بالرسائل التي نقلها الجيل الشاب في المجر إلى قادتهم الجدد.
وأضافت سيميركيني، التي تعمل حالياً في معهد إكويليبريوم في بودابست، بأن أحد الهتافات كان: "ريّا، ريّا هنغاريا"، أي "نحب المجر"، وأضافت أن هتاف "أوروبا" كان حاضراً أيضاً، وكذلك هتاف "أيها الروس اذهبوا إلى دياركم" الذي تكرر كثيراً، وقالت إن هذه الهتافات الثلاثة مجتمعة تشبه برنامجاً للسياسة الخارجية.
وفي يوم الجمعة، وصلت إلى بودابست بعثة رفيعة المستوى من مكتب رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لإجراء محادثات غير رسمية مع مسؤولي حزب تيسا، بقيادة بيتر ماغيار.
وللحصول على 17 مليار يورو من أموال الاتحاد الأوروبي التي تم تعليقها عن حكومة أوربان، ستحتاج الحكومة الجديدة إلى استيفاء 27 معياراً، تتعلق باستقلال القضاء، ومكافحة الفساد وتحرير الإعلام من سيطرة الحكومة.
ويعاني الاقتصاد المجري ركوداً عميقاً؛ ويعلم ماغيار وفريقه أنهم سيحتاجون إلى الانطلاق بسرعة من لحظة البداية.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة