آخر الأخبار

من فيروز ووديع الصافي إلى جوليا: حكاية الجنوب في الأغنية اللبنانية

شارك
مصدر الصورة

منذ اللحظات الأولى لسريان وقف إطلاق النار في لبنان، عند منتصف ليل الخميس، بدأ لبنانيون من الجنوب بالعودة من مناطق نزوحهم إلى قراهم وبيوتهم، على الرغم من تدمير الجسور التي تربط منطقتهم بسائر المناطق.

ويتكرّر هذا المشهد مع كلّ وقف لإطلاق النار في الحروب التي شهدها لبنان مع إسرائيل. وعلى مدى العقود الماضية، ألهمت علاقة الجنوبيين بأرضهم عشرات القصائد والأغاني التي قدّمها مغنّون لبنانيون بارزون، ولاقت انتشاراً واسعاً في العالم العربي.

كما وثّقت هذه الأعمال الغنائية، بشكل غير مباشر وضمن تسلسل زمني، تاريخ المنطقة وتحولات الحياة فيها منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، وتنوّعت بين أغانٍ شعبية وأخرى ذات مضمون سياسي ملتزم.

ويستعرض هذا التقرير أبرز تلك الأعمال وأكثرها تداولاً، وقد كتبها ولحنها وأداها فنانون من مختلف المناطق اللبنانية، نظراً لمكانة الجنوب في الوجدان اللبناني عامةً.

"الله معك يا بيت صامد بالجنوب"

مصدر الصورة

قدّم وديع الصافي، أحد أبرز المطربين اللبنانيين وأكثرهم حضوراً في المشهد الفني، أغنية "الله معك يا بيت صامد بالجنوب" عام 1967، وهي من ألحانه، وكتب كلماتها أسعد سابا.

وتقول الأغنية: "الله معك يا بيت صامد بالجنوب، يا التحت سقفك عالوفا ربيتنا. مش كثير عليك ترخصلك قلوب، بنوب ما بندشرك يا بيتنا".

هذه الأغنية من أوائل الأعمال الغنائية التي تناولت الجنوب اللبناني بشكل مباشر، وتغنّت بفكرة الصمود والتعلّق بالأرض.

كما جاء في كلماتها: "بيتي ما برضى يسيب (يصبح خالياً)، بيتي أنا سلاحه، ما بتركه للذيب (الذئب) ولا بعير مفتاحه".

وبثّت الأغنية على شاشة تلفزيون لبنان الحكومي عام 1967، وهو العام الذي شهد اندلاع حرب استمرت ستة أيام بين إسرائيل وعدد من الدول العربية المجاورة، في الفترة الممتدة من الخامس إلى العاشر من يونيو/حزيران، وكانت ثالث الحروب العربية‑الإسرائيلية.

وعلى الرغم من اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، ظلّ جنوب لبنان يشهد توترات وخروقاً متقطعة، ما أبقى المنطقة في حالة هشاشة أمنية، قبل أن تعيد حرب عام 1967 وضعها مجدداً في قلب تداعيات الصراع الإقليمي.

الأغاني الملتزمة

بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، برز نمط جديد في الأغنية اللبنانية عرف بـ"الأغنية الملتزمة"، اتّخذ طابعاً سياسياً واجتماعياً واضحاً، وبات يعكس مواقف كتّابها ومغنّيها من القضايا المطروحة آنذاك. وارتبط عدد من الفنانين الذين تناولوا جنوب لبنان في أعمالهم بتوجّهات يسارية، وتقاطعت أعمالهم مع عدّة قضايا، أبرزها القضية الفلسطينية.

في هذا السياق، وجّه أحمد قعبور تحية إلى جنوب لبنان في ألبومه "أناديكم"، الصادر عام 1976، من خلال أغنية "جنوبيون"، وجاء في كلماتها للشاعر حسن ضاهر: "الشمس تأكل لحمهم، لكنهم يعاندون الشمس. من بطون الأرض يطلعون، من عيون الشمس يطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون".

وفي السياق نفسه، أطلق الفنان مارسيل خليفة عام 1979 أغنية مهداة إلى أهل الجنوب بعنوان "أنا يا رفاق من الجنوب"، من شعر حسن عبد الله، جاء فيها: "أنا يا رفاق من الجنوب، أنا من جنوبيّ الجنوب، واجهت حواجز في الدروب، وأبرزت تذكرتي وفتّش في يديّ وفي جيوبي، أحسست إحساس الغريب يدبّ في بلدٍ غريب". وظهرت الأغنية ضمن فيلم "كلّنا للوطن"، الوثائقي الذي أنجزه المخرج اللبناني مارون بغدادي (1956–1993) عن جنوب لبنان وأهله.

وفي العام نفسه، غنّى خليفة قصيدة الشاعر عباس بيضون "يا علي"، المهداة إلى علي توفيق شعيب، أحد المشاركين في عملية "بنك أوف أمريكا" التي وقعت في وسط بيروت عام 1973، عقب حرب أكتوبر/تشرين الأول بين مصر وسوريا من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى. وكان أربعة شبّان مسلحين قد اقتحموا المصرف واحتجزوا من فيه رهائن، مطالبين بمبلغ مالي دعماً لما وصفوه بالمجهود الحربي العربي، إضافة إلى الإفراج عن معتقلين لأسباب سياسية.

وبعد مفاوضات استمرت نحو 26 ساعة، اقتحمت القوى الأمنية اللبنانية المصرف، ما أسفر عن مقتل شعيب وأحد رفاقه، واعتقال الآخرين. وجاء في كلمات الأغنية: "يا علي، نحن أهل الجنوب، حفاة المدن نروي سيرتك، على أصفى البرك والأودية"، لتختتم بالقول: "يا علي، قلبي طينة جنوبية وطبل جنوبي، وأنا مثلك يوماً ما، على أرض أقل مجداً، سيقتلني حبي، سيقتلني حزني".

وعاد أحمد قعبور عام 1985 بأغنية جديدة تذكر جنوب لبنان ومناطقه بشكل مباشر بعنوان "يا رايح صوب بلادي"، كتب كلماتها بنفسه.

وتقول كلمات الأغنية: "يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهالي النبطية وطل شوية ع الخيام".

وتحمل الإشارة إلى مدينتَي النبطية والخيام دلالات خاصة في سياق الصراع في جنوب لبنان، إذ ارتبطتا عبر العقود بمواجهات مسلّحة مع إسرائيل، ونشاط فصائل لبنانية وفلسطينية منذ سبعينيات القرن الماضي.

مصدر الصورة

"غالي والله يا جنوب"

عام 1982، أصدر الفنان نصري شمس الدين أغنية "غالي والله يا جنوب"، من كلمات وألحان عماد شمس الدين، والتي برزت كإحدى أشهر الأغاني الوطنية اللبنانية في تلك المرحلة.

وتزامن صدور الأغنية مع الاجتياح العسكري الذي أطلقته إسرائيل في يونيو/حزيران 1982، بعد إصابة سفيرها في لندن برصاص فصيل فلسطيني.

وقالت إسرائيل إن هدف العملية كان إبعاد مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية عن حدودها الشمالية، فيما اعتبرت الفصائل الفلسطينية عملياتها ضد إسرائيل من لبنان جزءاً من الصراع القائم.

وكان اجتياح عام 1982، الذي بلغ العاصمة بيروت، امتداداً لعملية الليطاني البرية عام 1978، التي شنتها إسرائيل بهدف إبعاد مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية، وانتهت باحتلال المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني.

وأمضى نصري شمس الدين القسم الأكبر من مسيرته الفنية في مسرح الرحابنة، وشارك في عدد من الأعمال ذات الطابع الوطني معهم، وكانت "غالي والله يا جنوب" من أشهر أعماله المنفردة.

وصدرت الأغنية ضمن ألبوم "الطربوش"، الذي كان آخر ألبومات نصري شمس الدين، قبل وفاته عام 1983.

"بتضلك حبيبي يا تراب الجنوب"

مصدر الصورة

تعدّ أغنية "إسوارة العروس"، التي غنتها فيروز عام 1982 من كلمات جوزيف حرب وألحان فيلمون وهبي، من أبرز الأغاني الوطنية اللبنانية التي ذكرت الجنوب بشكل مباشر في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي. وجاء في كلماتها: "إسوارة العروس مشغولة بالذهب، وانت مشغول بقلوب يا تراب الجنوب".

وتستحضر الأغنية عناصر من المشهد الجنوبي، كزراعة الزيتون والسنابل، وقلعة بحر صور، وصخرة جبل عامل. ويبرز في النص مقطعان يعبّران عن ديمومة الارتباط بالأرض، رغم تعاقب الحروب والتحولات، إذ تقول: "وبتولع حروب وبتنطفي حروب، وبتضلك حبيبي يا تراب الجنوب"، و"وشو ما إجى شعوب وشو ما راح شعوب، كلن راح بيفلوا وبيبقى الجنوب".

وسبق ذلك أن غنّت فيروز عام 1977، أغنية "يا زهرة الجنوب" ضمن مسرحية "بترا". وجاء في كلماتها: "يا زهرة الجنوب، يا عصفورة البكي، يا صغيرة أغفريلي"، قبل أن تختتم بقولها: "شوفك ساعة، بتسوى الدني كلها، يا زهرة الجنوب".

غير أنّ بعض الآراء تشير إلى أنّ الأغنية قد تكون مرتبطة بأحداث المسرحية نفسها، التي تدور في مدينة البتراء جنوب الأردن، وليس بالضرورة بالجنوب اللبناني.

غنّت فيروز أيضاً أغنية بعنوان "المقاومة الوطنية اللبنانية" في تسجيل حي عام 2000، خلال مهرجانات بيت الدين، وهي من الأعمال التي كتبها ابنها الراحل زياد الرحباني.

وجاءت الأغنية بأسلوب زياد الرحباني المعروف، القائم على لغة لاذعة وتناول نقدي مباشر. وكتب زياد في نصّها: "خلّصوا الأغاني هنّي ويغنوا عالجنوب. خلّصوا القصايد هني ويصفّوا عالجنوب. ولا الشهدا قلّوا ولا الشهدا زادوا، وإذا واقف جنوب، واقف بولاده".

ويتابع في مقطع آخر: "كسّروا المنابر هني ويعدّوا عالجنوب. اللي عم يحكوا اليوم، هاو غير اللي ماتوا. اللي معتر بكل الأرض، دايماً هو ذاته. هيدي مش غنية هيدي بس تحية".

"غابت شمس الحق" و"أحبائي"

مصدر الصورة

برزت جوليا بطرس على الساحة الغنائية اللبنانية عام 1985 بأغنية سرعان ما اكتسبت مكانة رمزية، وبات كثير من اللبنانيين يردّدونها في فترات الأزمات.

وكانت بطرس في السابعة عشرة من عمرها حين أدّت أغنية "غابت شمس الحق"، التي كتب كلماتها الشاعر نبيل أبو عبدو، ولحّنها شقيقها زياد بطرس، رغم صغر سنّه.

وجاء في كلمات الأغنية: "غابت شمس الحق وصار الفجر غروب، وصدر الشرق انشق، تسكرت الدروب. منرفض نحنا نموت، قولولن رح نبقى، أرضك والبيوت والشعب اللي عم يشقى. هاو إلنا يا جنوب، يا حبيبي يا جنوب".

وقالت جوليا بطرس في إحدى حفلاتها إنّ الأغنية كتبت بعد عملية نفّذها الجيش الإسرائيلي في مارس/آذار 1985 على بلدة الزرارية في جنوب لبنان، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، وفق مصادر لبنانية ودولية.

وبعد حرب تموز/يوليو عام 2006، التي استمرت 34 يوماً بين إسرائيل وحزب الله، عادت بطرس بأغنية جديدة مستوحاة من رسالة كان أمين عام حزب الله حينها، حسن نصرالله، قد كتبها بخط يده إلى مقاتلي الحزب خلال الحرب.

صاغ الشاعر غسان مطر الرسالة شعرياً، ولحّنها زياد بطرس، وحملت عنوان "أحبائي". وجاء في كلماتها: "استمعت إلى رسالتكم وفيها العز والإيمان، فأنتم مثلما قلتم، رجال الله في الميدان. ووعدٌ صادق أنتم، وأنتم نصرنا الآتي، وأنتم من جبال الشمسِ، عاتية على العاتي.. أحبائي".

وخلال السنوات العشرين الماضية، شهد لبنان تحوّلات سياسية واجتماعية واسعة، وانقسم الرأي العام بين مؤيّد ومعارض لجدوى أي حروب جديدة، وكذلك حيال دور حزب الله، الذي تأسس مطلع ثمانينيات القرن العشرين بدعم إيراني، وكان ينظر إليه من قبل مؤيّديه بوصفه حركة مقاومة خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982.

في المقابل، تصنّف الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة المتحدة واليابان، إلى جانب عدد من الدول الغربية الأخرى ودول خليجية، حزب الله منظمة إرهابية. ولا تزال مسألة سلاحه ودوره كمقاومة موضع نقاش داخلي واسع في لبنان، في ظل مشاركته في الحياة السياسية وتمتّعه بتمثيل برلماني.

بي بي سي المصدر: بي بي سي
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا لبنان روسيا إيران أمريكا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا