في كتابه "من جمر إلى جمر"، يروي الباحث والمناضل الفلسطيني منير شفيق أنه في زيارة مع وفد شيوعي عربي إلى شمال فيتنام في خضم الحرب الباردة، وجَّه الزعيم الفيتنامي الشيوعي المعروف "هو تشي منه" سؤالًا إلى أمين عام الحزب الشيوعي المغربي عن ثورة عبد الكريم الخطابي وتشكيلاته العسكرية. وحين لم يتلقَّ "هو تشي منه" جوابًا شافيًا أبدى استغرابه ودهشته قائلا: كيف لشيوعيين ألّا يحيطوا علمًا بمثل هذه القضايا، وهي من "ألف باء" فهم المجتمع؟ أو هكذا رآها من وجهة نظره.
"الحرب تختزل كل ما يحدث في المجتمع"
"تختصر العرب كل ما يعتمل في المجتمع". يمكننا اعتبار هذه القاعدة إحدى المسلمات الاساسية في العلوم الاجتماعية. في إسرائيل، كان مارتن فان كريفيلد، أستاذ الدراسات العسكرية بكلية التاريخ في الجامعة العبرية، وهو باحث إسرائيلي من أصول هولندية، قد أسهم بدراساته في وضع لبنة مركزية في حقل دراسات الحرب في المجتمع الأكاديمي الإسرائيلي. وتعد ثلاثية كريفيلد "التقانة والحرب" (1988)، و"تحول الحرب" (1991)، و"قيام الدول وانهيارها" (1999)، من أهم المراجع في الدراسات الحربية حتى اليوم.
"كل تقنية عسكرية تولد تسلسلا قياديا معينا، وشكلا مختلفا من الانضباط، كما أن كل مجتمع ينتقي نمطا معينا من التقانة، ويفرز تشكيلات محددة من الجيوش وأساليب القتال"
من هذه الزاوية قدم كريفيلد قراءته لتكتيكات الحرب الخاطفة الألمانية باعتبارها تجليا لحقيقة العلاقات وقوى الإنتاج داخل المجتمع الألماني، ومن ثم صار بالإمكان قراءة أساليب القتال الفرنسية في معركة فردان على الجبهة الغربية خلال الحرب العالمية الأولى، أو حرب عاصفة الصحراء الأمريكية على العراق، على أنهما تجسيد للعلاقات الاجتماعية داخل كل من فرنسا أو الولايات المتحدة آنذاك.
ويجادل ويسترمان بأن الجيش الإسرائيلي مندمج بعمق في بنية المجتمع المدني، إذ تعتمد العلاقة بين الطرفين على قواعد غير مكتوبة وتفاهمات متبادلة متجذرة في الطبيعة العرقية للمجتمع الصهيوني، وهو نموذج غير قابل للتصور في القطاعات الأمنية الغربية التقليدية. وهكذا، يظهر الجيش الإسرائيلي على الدوام بوصفه تجليا لما يعتمل داخل المجتمع الإسرائيلي، فيخبرك الجيش عن المجتمع بقدر ما يخبرك المجتمع عن الجيش.
"الهاغاناه مثلت منذ عام 1920 رأس حربة المشروع الصهيوني. وقبلها، كانت منظمة هشومير القوة الرئيسة المنوطة بحماية الحركة الاستيطانية"
بإمكاننا ملاحظة هذه العلاقة منذ اللحظات الأولى لتشكل نواة الجيش قبل قيام إسرائيل ذاتها. فرغم تنوع التشكلات العسكرية الصهيونية منذ الهجرات اليهودية الأولى إلى فلسطين، فإن الهاغاناه شكلت منذ عام 1920 رأس حربة المشروع الصهيوني. وقبل الهاغاناه، كانت منظمة هشومير القوة الرئيسة الموكل لها حماية الحركة الاستيطانية حتى أواخر الحرب العالمية الأولى.
ولا يبدو أن التحول من هشومير إلى الهاغاناه كان مجرد انتقال تنظيمي على مستوى التشكيلات القتالية، إذ إن هشومير كانت تشكيلا عسكريا يعبر في عمقه عن رؤية المجتمع الاستيطاني "نصف زراعي نصف رعوي" الذي ساد بين اليهود آنذاك. ولذا كان أعضاء هشومير أقرب ليهود الجبال (مصطلح يطلق في إسرائيل على يهود القوقاز)، أولئك الذين قدموا إلى أرض فلسطين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، دون أن يتمكنوا من تأسيس اقتصاد حديث. ولذا فإن أعضاء هشومير هم أبناء القبيلة فحسب، ولا يعرفون حدود القوة ولا موازين استخدامها، وهم أبعد ما يكونون عن التفكير في المجتمع والسياسة، لا سيما بمعناهما الحديث.
أما أبناء الهاغاناه، فكانوا التعبير الأحق عن رؤية المجتمع الاستيطاني الأشكنازي وتطلعاته الهوياتية. فقد كانت الهاغاناه جزءا من تطور نظام تقسيم العمل الاستيطاني، وكان مقاتلوها أول من عمل على تقسيم العمل في الكيبوتسات (الحراسة، اللوجستيات، قوات الصاعقة). وبينما أبقت هشومير على العناصر العربية في تشكيلاتها وواجهت انقسامات حادة في داخلها، فإن الهاغاناه كانت صريحة وجذرية في القطيعة مع العرب.
وقد مثلت الهاغاناه رؤى جوزيف ترومبلدور (ملهم حركة بيتار اليمينية) وفلاديمير جابوتينسكي (مؤسس الصهيونية التصحيحية)، والأهم أنها جسدت رؤية أورد وينغيت (قائد القوات الخاصة البريطانية في بورما خلال الحرب العالمية الثانية، وقائد الوحدات البريطانية في إثيوبيا التي أعادت هيلا سيلاسي إلى أديس أبابا)، الذي أسس عقيدة أن الوسيلة الأفضل للدفاع هي الهجوم.
وللهاغاناه أغان وقصص وبطولات كتبها حاييم حيفر، واستكملها أوري أفنيري وشالوم كوهين، وهي قصص وأغان تلعب قيم الكيبوتس الاشتراكية فيها دورا كبيرا. وتعرف الهاغاناه بعلمانيتها، وتقديسها للقوة الجسدية، وهم يكرهون الطقوس والمظاهر خلافا لهشومير. وللهاجاناه سلاحهم أيضا واسمه "العوزي" (نسبة إلى مصممه في الخمسينيات عوزيل غال)، وهو رشاش بسيط وسهل الاستخدام لكل شرائح المجتمع، بغض النظر عن مستوى تعليمهم.
"يعتبر العوزي رمزا لبوتقة الصهر، تلك الفكرة التي حكمت التصورات الأشكنازية عن الجيش، وكان يعبر عن قيم حربية يتحول معها السلاح إلى أسلوب حياة"
ويعبر العوزي عن رؤية اشتراكية للدولة والمجتمع، ويعتبر رمزا لبوتقة الصهر، تلك الفكرة التي حكمت التصورات الأشكنازية عن الجيش، وقد كان يعبر عن قيم حربية يتحول معها السلاح إلى أسلوب حياة. أما دبابة سنتوريون المعدلة (وهي دبابة بريطانية في الأساس استقدمها الإسرائيليون أواخر الخمسينيات) فقد أفصحت التعديلات على برجها المتحرك ومدفعها، مع الحاجة إلى نيران أشد وأدق، عن صورة مرهبة للخصم بفضل تدريعها وحجمها الكبير.
وهكذا، جاءت الصناعات العسكرية الأولى تعبيرا عن نظام تقسيم العمل وسياسات الصهر القومي، فيما عبرت قيم المجتمع عما يتجاوز السلوك الفردي للمقاتلين الصهاينة، إذ كانت في عمقها تجسيدا للصورة الذهنية والبنية الاجتماعية التي أرادت الحركة الصهيونية تأسيسها في إسرائيل، والمفارقة أنها كانت متماهية مع النموذج النازي في الكثير من الأوجه سواء تعمدت ذلك أم لا.
استقى بن غوريون مرتكزات الأمن القومي الإسرائيلي، المتمثلة في "الحرب الخاطفة" و"القتال على أرض العدو" و"الحسم" و"الردع"، من تصورات هاينز غوديريان، الضابط النازي الذي يعود له الفضل في تأسيس مبدأ الحرب الخاطفة عبر سلاح المدرعات، فقد أحدث بكتابه نقلة نوعية في الفهم العسكري لمنطق الحرب ومرتكزات النصر. وفي نظر غوديريان، تكمن خطيئة الجيوش الكلاسيكية في سعيها لتدمير كامل القوات المعادية باعتبار ذلك شرطا للنصر. أما البديل فهو تركيز الجهود على شل منظومة القيادة وتعطيل شبكتي الاتصالات والإمداد، بما يجعل العدو غير قادر على الفهم أو الرد. وهنا فقط يمكن الحديث عن النصر بأقل التكاليف.
"لم تكن سرعة الحركة لدى الوحدات المقاتلة في الجيش الإسرائيلي على مدار تاريخه مسألة تكتيكية فحسب، بل هي سلاح نفسي وتنظيمي كفيل بحسم الحرب"
وعليه، لم تكن سرعة الحركة لدى الوحدات المقاتلة في الجيش الإسرائيلي على مدار تاريخه مسألة تكتيكية فحسب، بل هي سلاح نفسي وتنظيمي كفيل بحسم الحرب وفق تصورات بن غوريون وملهمه غوديريان. وهي سياسة ظلت تل أبيب تعتمدها في كل حروبها، بدءا من الغارات الأولى للهاجاناه على قرى المعين في قضاء بئر السبع سنة 1948، وصولا إلى اجتياح بيروت عام 1982.
بن غوريون استقى مرتكزات الأمن القومي الإسرائيلي المتمثلة في "الحرب الخاطفة" و"الحسم" و"الردع"، من تصورات هاينز غوديريان (أسوشيتد برس)بعيد نهاية الحرب الباردة، كانت تصورات جون آشلي واردن، العقيد المتقاعد والمفكر الإستراتيجي البارز بالقوات الجوية الأمريكية، ودان كويل، نائب الرئيس الأمريكي في حرب الخليج الثانية، حول "العمليات القائمة على الفعالية"، قد باتت مهيمنة على منظور الجيش الإسرائيلي. ويمكن تلخيص تصورات واردن في ضرورة توظيف القوة الجوية، ليس في مجال إسناد القوات البرية على الأرض فحسب، بل وبغرض توجيه ضربات محددة لمفاصل القيادة والتحكم لدى العدو باستخدام نيران عالية الدقة.
وقد ظهرت تلك التصورات في حرب الخليج الثانية، وبنحو أكبر في أداء الجيش الإسرائيلي في حرب لبنان الثانية عام 2006، كما ظلت تلك التصورات مؤثرة بقوة في خطط تطوير الجيش الإسرائيلي الاستراتيجية، التي عرفت باسمي "جدعون" و"تانوفا" في العقد الثاني من الألفية، لكن الغريب أن أداء الجيش الإسرائيلي في غزة ولبنان بعد طوفان الأقصى أظهر تحولا نحو خطط جديدة.
في الحقيقة، لم يطبق الجيش الإسرائيلي خططه القتالية التي تدرب عليها منذ عام 2018، التي كانت ترجمة لنظريات واردن، لا في غزة ولا في لبنان، بقدر ما طبق مزيجا من الحرب الخاطفة والشبكية في آن واحد. فمن جهة، لجأ سلاح المدرعات إلى أفكار غوديريان فيما يخص المناورة السريعة، عن طريق قوة نيرانية هائلة، يرافقها تقدم سهمي لاختراق نقاط ضعف الخصم، مع إبقاء المدرعات بحالة مناورة دائمة. ومن هذا الجانب لم تخرج الرؤية الإسرائيلية للحرب في غزة ولبنان طيلة العامين الماضيين عن مبادئ غوديريان في سعيه إلى الحسم السريع.
"أداء الجيش الإسرائيلي كشف عن تجنبه المعارك التي يحسن فيها الخصم القتال القريب والالتحام"
غير أن أداء الجيش الإسرائيلي كشف في الوقت نفسه عن تجنبه المعارك التي يحسن فيها الخصم القتال القريب والالتحام، مثلما حدث في عملية "سهام الشمال" (سبتمبر/ أيلول 2014 – ضد حزب الله في لبنان)، إذ فضل جيش الاحتلال عدم التوغل في مدينتي الخيام والناقورة في جنوب لبنان، والأخيرة تكاد تكون قرية متوسطة الحجم لم يستطع جيش الاحتلال دخولها حتى اليوم الأخير من العملية العسكرية عندما أعلن سلاح الجو نيته تدميرها بالكامل.
ويرجع سر تجنب الجيش الإسرائيلي للمدينتين إلى رغبته في عدم منح الخصم فرصة تقليص مسافة التماس، فتقليص التماس بين الجيش ومقاتلي حزب الله يمكن أن يؤدي إلى الحد من قدرة سلاح الجو على التدخل في المعركة، ومن ثم يؤثر على كفاءة باقي الأذرع العسكرية، مما يسبب إرباكا تكتيكيا على الأرض في التعامل مع المناطق الحضرية.
وحول أساليب قتال الجيش الإسرائيلي بعد السيطرة على المناطق الحضرية في غزة أواخر عام 2025، فثمة نقاشات دارت على صفحات مجلة "معراخوت"، المجلة الرسمية التي يصدرها الجيش الإسرائيلي، تنبئنا عن هذا الارتباك بوضوح. ففي مقال للرائد تمير (قائد سرية سابق وضابط في عمليات الكتيبة 8108)، يقترح شكلا قتاليا جديدا لما يعرف بـ"تطهير المنطقة". وبرأيه كانت هناك فجوة واسعة بين النظرية التي تدرج التطهير ضمن العمليات الهجومية، والواقع العملي الذي تتعامل فيه القوات مع هذه المرحلة على أنه جهد دفاعي طويل ومربك.
ومن هنا يقترح تمير شكلا جديدا للقتال الدفاعي لا يحتاج إلى أوامر مطولة، بل يكفي تحديد حد القطاع وأوامر الدفاع لتوضيح مهمة المرؤوسين بمنع سقوط مناطق حيوية ضمن القطاع الواقع تحت مسؤولية الكتيبة، ومنع وصول العدو إلى العمق الخلفي للمجموعات المقاتلة، وتهيئة الظروف لهجوم معاكس.
"هناك فجوة واسعة بين النظرية التي تدرج التطهير ضمن العمليات الهجومية، والواقع العملي لهذه المرحلة كجهد دفاعي طويل ومربك"
بواسطة مجلة "معراخوت" - المجلة الرسمية للجيش الإسرائيلي
وتفترض جميع هذه الأوامر أن المدافع يحمي أرضه من قوة قد تخترقها، تماما كما حدث في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكن تمير يسأل: "إلى أي مدى تنطبق هذه الأوامر على واقع شهور طويلة من القتال من أجل تطهير منطقة وتعميق السيطرة العملياتية في القتال فيها؟ بغض النظر عن الردود التي جاءت على مقاله، تظهر المشكلة العسكرية التي يتحدث عنها الرائد بوصفها مشكلة عملياتية وسياسية، بل ومجتمعية في جوهرها. لقد تعاطت قيادة الأركان الإسرائيلية في حربها على غزة ولبنان بنفس منطق غوديريان، وبكثير من المعلومات، وقليل من الفهم الاجتماعي.
الجيش الإسرائيلي تجنب المعارك التي يحسن فيها الخصم القتال القريب والالتحام، مثلما حدث في عملية "سهام الشمال" (الصحافة الإسرائيلية)يرجع العميد احتياط مئير فينكل، رئيس قسم الأبحاث في مركز دادو (مؤسسة بحثية تابعة لهيئة الأركان العامة في الجيش الإسرائيلي)، معتمدا على أدبيات دانيال كانمان في كتابه "التفكير السريع والبطيء"، سبب المشكلة إلى التفكير البطيء (البيروقراطي) في إسرائيل قبل عملية طوفان الأقصى. ويقول فينكل في مقال له في مايو/أيار 2022 إن جيش الاحتلال وصلته معلومة استخبارية حول خطة تسمى "جدار أريحا"، تناولت تفاصيل شن هجوم مباغت واسع النطاق على غلاف قطاع غزة ومدن النقب الغربي.
كان المسؤول عن تحليل هذه المعلومة، المقدم المشار إليه بالمركز "ي"، ضابط استخبارات بلواء غزة، وقد بحث عن معلومات سابقة مشابهة لجدار أريحا منذ نهاية عملية "حارس الأسوار" (الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2021)، ولم يجد شيئا مشابها لها. (وقد اتضح لاحقا أن المخابرات كانت قد حصلت بالفعل عام 2018 على معلومة مشابهة، لكنها لم تدرس بعمق عند توزيعها ثم أهملت).
ولذا افترض الضابط المسؤول أن جدار أريحا مجرد خطة أولية مستقبلية. وفي مايو/أيار 2022، وبناء على تقديرات ضباط الاستخبارات، تقرر التعامل مع الخطة باعتبارها "نقطة مرجعية لبناء القوة" (أي مجرد خطة نظرية) بالاستناد إلى فرضية أنها ليست خطة ناضجة قابلة للتنفيذ.
"تأسست وحدة إيخا مستابرا بعد إخفاق المخابرات الإسرائيلية في التنبؤ بحرب أكتوبر 1973 بسبب افتراض مسبق مفاده أن مصر لن تهاجم"
لم يكن انعدام القدرة التنبؤ هنا مجرد خطأ استخباري، بل انعكاس لرؤية مجتمعية كاملة. ويقول إيال نداف إن غياب القدرة على التنبؤ له سبب بيروقراطي ونفسي في آن واحد، فقد أدى إعطاء الشاباك أولوية للمنظومات التقنية إلى إهمال قسمي 504 (وحدة تجنيد المصادر البشرية)، و"إيخا مستابرا". هذا القسم الأخير تأسس بعد إخفاق المخابرات الإسرائيلية في التنبؤ بحرب أكتوبر 1973 بسبب ما عرف حينها بـ"المفهوم" الذي افترض أن مصر لن تهاجم، ومن ثم أُنشئت دائرة داخل شعبة الاستخبارات العسكرية باسم "إيخا مستابرا"، وتعني حرفيا "العكس هو الصحيح"، وتُعنى بالتشكيك في أي تقرير استخباري.
في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، لم يكن "مفهوم" بعينه هو الذي خدع الاستخبارات الإسرائيلية، بل الاعتماد المتزايد على التقانة. فقد أعطى الشاباك أولوية للمصادر الرقمية وأهمل المصادر البشرية التي رفعت تقارير تؤكد نية حماس بدء هجومها يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، وكان ثمة تجاهل متبادل بين قسم التحليل و"إيخا مستابرا" نتيجة غياب الصوت المعارض في بيروقراطية الاستخبارات نفسها.
في كتابه "أرض جوفاء: الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي" يتناول الباحث الإسرائيلي إيال وايزمان إشكالية الاحتلال كـ"منظومة إعماء متكاملة". ويقول وايزمان إن جدار الفصل في الضفة لم يكن حاجزا إسمنتيا فحسب، بل ومنظومة خطابية واقتصادية واجتماعية قامت على "وجوب إعماء الجمهور عن رؤية الفلسطيني".
في الحقيقة، تبدو سياسات الإعماء التي هندستها الحكومات الإسرائيلية المتتالية منذ أواخر الستينيات إلى اليوم، وكأنها تسير حذو النعل بالنعل مع صعود اليمين الإسرائيلي. فاليمين بطبيعته لا يحب أن يرى الواقع بتركيبه وتعقيده، وهو متمحور حول أفكاره الدينية عن الخلاص ليس إلا، وملازم لليبرالية، التي هيمنت على النظام الاقتصادي العالمي منذ السبعينيات وشكلت السياسات الداخلية الإسرائيلية منذ حكومة بيغن عام 1977.
"اليمين بطبيعته لا يحب أن يرى الواقع بتركيبه وتعقيده، وهو متمحور حول أفكاره الدينية عن الخلاص ليس إلا"
ويكفينا النظر في التغيرات الهيكلية التي طرأت على نظام التعليم الإسرائيلي كي نفهم بصمة اليمين الجديد على المجتمع والجيش في الوقت نفسه. فمنذ أوائل السبعينيات راحت العلوم الإنسانية في إسرائيل تتراجع لصالح العلوم التكنولوجية والتطبيقية. فقد تراجعت الجامعة العبرية في القدس (رائدة العلوم الإنسانية) لصالح جامعة تل أبيب (رائدة العلوم التطبيقية). أما الكيبوتس (القرية الزراعية الاشتراكية) فتراجعت لصالح الموشاف (المستوطنة التعاونية)، في حين تراجع "ميرتس"، الحزب اليساري المؤيد لحل الدولتين، لصالح جماعة "غوش إيمونيم"، الحركة الاستيطانية المتطرفة التي تأسست عام 1973، وتسعى للسيطرة على كامل فلسطين التاريخية.
هذا بالتحديد ما تنبه له المفكر الإسرائيلي يشعياهو ليبوفيتش، حين قال إن المجتمع الإسرائيلي يتجه نحو سؤال "الكيفية" بدلا من "السببية" (من لماذا إلى كيف). ففي مثل هذا المجتمع تذوب الأسئلة الكلية، وتولد بدلا منها الأسئلة الكيفية الجزئية، ويصير العنف قيمة عليا.
وايزمان: جدار الفصل في الضفة لم يكن حاجزا إسمنتيا فحسب بل منظومة كاملة قامت على "وجوب إعماء الجمهور عن رؤية الفلسطيني" (الفرنسية)في فجر 21 مارس/آذار 2026، تلقى الصحافي في موقع "تايمز أوف إسرائيل" إيمانويل فابيان، تهديدا يطال حياته بعد نشره خبرا عن سقوط صاروخ إيراني في منطقة بيت شيمش بالقرب من القدس. لم يكن التهديد من مؤسسة الرقابة العسكرية الإسرائيلية ولا حتى من الجهات الأمنية، بل من مقامرين مجهولين في "سوق التنبؤات المستقبلية". ستأخذ الحادثة بعدا آخر بعد أحداث مشابهة حصلت قبل الحرب الأخيرة على إيران، وقد تفهم في سياق تحليل "أمولة" المجتمع التي صاحبت الرأسمالية منذ أواخر السبعينيات في إسرائيل، وهو مفهوم يشير إلى تحول في الاقتصاد داخل المجتمعات من الاقتصاد الحقيقي القائم على الإنتاج إلى الاقتصاد المالي القائم على العمليات البنكية وفقاعات التداول المالي.
"في إسرائيل كثير من التقنيات والتكتيكات، وقليل من التبصر والرؤية؛ وهو أمر تكشفه تكتيكات الجيش بقدر ما يجسده المجتمع الإسرائيلي ذاته"
مثل هذه الظاهرة غالبا ما أنتجت سياسيين مقامرين، ومجتمعات قائمة على المخاطرة في سلوكها الاقتصادي والسياسي. ومن جديد، يتكشف لنا هذا التحول نحو المقامرة بوصفه مرآة للسياسات والتكتيكات، لا بوصفه ظاهرة اجتماعية جديدة فحسب، وليس أدل على ذلك من بنيامين نتنياهو نفسه، الذي ينبئنا سلوكه في الحرب على إيران بأنه قرر المقامرة. مقامرة بدفع الولايات المتحدة للحرب على إيران من دون تصور لمخرجاتها على أرض الواقع.
المشكلة التي يتجاهلها هذا السلوك "المقامر" هي أن التقانة لا تكفي لحسم حروب مع أمم وحضارات راسخة يقول التاريخ والجغرافيا والواقع إنها ليست سهلة السقوط، ولذا فإن النتيجة النهائية لهذا الصراع الطويل لن تحدد بالبراعة التكنولوجية وحدها، ولا بالمغامرات المفتوحة، بل ستمليها الجغرافيا والديموغرافيا والإرادة السياسية، وهي عوامل لا يمكن لأي نظام تسليح تجاوزها.
يقول واقع العالم اليوم إن الحروب لا تخاض بعقلية المراهنة والمقامرة. ولذا فإن نتنياهو بسلوكه يدفع إسرائيل والولايات المتحدة نحو مقامرة، وهو ما تكشفه أساليب قتال الجيش الإسرائيلي طيلة العامين الماضيين، من غزة إلى الجولان، ومن لبنان إلى طهران. بينما ترتفع أبراج "روئيه-يوريه" (يرى-يطلق) فوق جدران يشيدها جيش الاحتلال على "الحدود"، ترتفع من حول إسرائيل جدران تمنع مجتمعها من الرؤية. في إسرائيل كثير من التقنيات والتكتيكات، وقليل من التبصر والرؤية؛ وهو أمر تكشفه تكتيكات الجيش بقدر ما يجسده المجتمع الإسرائيلي ذاته.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة