تناول تقرير لصحيفة " نيويورك تايمز" تفاصيل الـ21 ساعة التي أمضاها جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي إلى إسلام آباد في باكستان، معتبرا أن هذه الرحلة تختصر تعقيدات السياسة الخارجية الأمريكية.
وبيّن التقرير أن فانس كان يحاول جسر الهوة مع الجانب الإيراني، مسلطا الضوء على الصراع الداخلي بين توجهات نائب الرئيس دونالد ترمب المناهضة للحرب وبين واقع التصعيد العسكري الذي تقوده الإدارة من واشنطن، وكيف انتهت هذه المهمة الشاقة دون الوصول إلى اتفاق يذكر.
وبين معارضته المبدئية للحروب وبين تكليفه بقيادة دفة التفاوض في أوج الصراع، وجد فانس نفسه في اختبار دبلوماسي عسير فوق الأراضي الباكستانية.
واستضافت باكستان -في العاشر من الشهر الجاري- محادثات بين إيران والولايات المتحدة بعد 39 يوما من الحرب.
وترأس رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف وفد بلاده في هذه المحادثات، إلى جانب وزير الخارجية عباس عراقجي، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي أكبر أحمديان، ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي، وعدد من المسؤولين.
أما الوفد الأمريكي فترأسه جيه دي فانس، وضمّ جاريد كوشنر صهر الرئيس، والمبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف.
وعلى الجانب الباكستاني (الوسيط)، شارك في هذه المحادثات رئيس الوزراء شهباز شريف، ووزير الخارجية إسحاق دار، وقائد الجيش الجنرال عاصم منير.
بدأت مهمة فانس صباح الأحد، حيث سار متمهلا نحو قاعة احتفالات مزخرفة في باكستان وأطلق تنهيدة، وسرعان ما انتهت بوقوفه على المنصة ليتحدث متجهما عن "إخفاقات"، و"أخبار سيئة"، وعدم القدرة على "إحراز تقدم".
لم يُطِل فانس -الذي بدا على وجهه الإرهاق والإحباط- الحديث، إذ أجاب عن 3 أسئلة ثم غادر ولم يتطرق إلى ما إذا كان وقف إطلاق النار المستمر منذ أسبوعين مع إيران سيصمد، أو ما سيحدث لمضيق هرمز، أو ما إذا كان الرئيس ترمب سينفذ الآن تهديده بمحو الحضارة الإيرانية من الخريطة.
فانس الذي لطالما أعلن معارضته للحرب، ختم جولته الدبلوماسية المحفوفة بالمخاطر وعاد لبلاده "بخُفَّي حُنين" ملقيا اللوم على إيران في فشل المحادثات قائلا: إن الولايات المتحدة سعت للحصول على التزام بأن إيران لن تسعى للحصول على سلاح نووي، لكنها رفضت.
ورغم ذلك، أوضحت الصحيفة التناقض في تكليف دي فانس، الذي وُصف بـ"الأكثر معارضة للحرب داخل الدائرة المقربة من ترمب"، بالمفاوضات.
إذ جاء التكليف في وقت كان فيه الرجل (فانس) على بعد آلاف الأميال في "كاسيا سنتر" في ميامي، يشاهد مباراة في رياضة "يو إف سي" (UFC) إلى جانب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.
وربما يعود هذا التكليف بحسب الصحيفة إلى أن حلفاء أمريكا وخصومها على حد سواء يعلقون آمالهم عليه لإيجاد مخرج من صراع أدى إلى قلب الاقتصاد العالمي رأسا على عقب، وأضعف التحالفات، وتوسع ليشمل المنطقة بأسرها.
ويقول تقرير "نيويورك تايمز" إن فانس بدأ رحلته إلى باكستان بنبرة متفائلة بحذر، حيث قال للصحفيين إن الولايات المتحدة "ستمد يد العون" إذا كانت إيران "مستعدة للتفاوض بحسن نية".
ولكن مع مغادرته واشنطن، ظلت تفاصيل كيفية إجراء المفاوضات غير واضحة، وفي الساعات التي سبقت الاجتماع، وحتى بعد وصول نائب الرئيس إلى الأرض في إسلام آباد، كانت الخلافات داخل الغرف المغلقة تتسرب إلى الصحافة.
ولاحقا ذكرت وسائل إعلام إيرانية أن الفريق الأمريكي كان مرتبكا، وعزت الصحيفة ذلك إلى غياب الترتيبات المعتادة المتمثلة بسفر فرق مسبقة قبل الشخصية الرئيسية بفترة طويلة لترتيب التفاصيل وبناء جداول زمنية دقيقة بالدقيقة، أما فريق فانس، فكان أمامه بضعة أيام فقط.
ويبدو أن التركيز الأكبر كان على "حماية فانس" في إسلام آباد، إذ خضع لحراسة مشددة. وحظر الإعلان عن وصوله حتى مرور 15 دقيقة على مغادرة موكبه قاعدة نور خان الجوية، ولم يكن من الممكن نشر زيارته للسفارة الأمريكية حتى وصوله إلى مقر استضافة المحادثات.
ولم يُسمح للصحفيين بالدخول إلى الغرفة عندما التقى الوفد الأمريكي بالإيرانيين، أو حتى عندما عقدوا اجتماعا ثنائيا مع الباكستانيين. وفي واشنطن، كان كبار مسؤولي البيت الأبيض يبحثون عن تفاصيل أيضا، ويتواصلون هاتفيا مع استمرار المفاوضات لمعرفة ما يجري في إسلام آباد.
بالتزامن مع بدء رحلة فانس إلى باكستان، كان ترمب يعلق على منصة "تروث سوشيال"، إذ هاجم أي وسيلة إعلام تنشر أي شيء آخر غير أن إيران "تخسر، وتخسر بشكل كبير!" وتفاخر بما وصفه بالنجاح العسكري الأمريكي المطلق.
وكتب على تروث سوشيال: "الإيرانيون لا يدركون على ما يبدو أنه ليس لديهم أوراق، باستثناء ابتزاز قصير الأمد للعالم باستخدام الممرات المائية الدولية. السبب الوحيد لبقائهم على قيد الحياة اليوم هو التفاوض!".
وقبل ذلك، قال ترمب إنه لا يهمه ما إذا تم التوصل إلى اتفاق مع إيران أم لا. وأضاف: "بغض النظر عما يحدث، نحن نربح. لقد هزمنا ذلك البلد تماما".
في تناقض صارخ بالنسبة للدور الذي لعبه نائب الرئيس خلال مفاوضات إسلام آباد، قالت الصحيفة إن هذه الجولة جسدت مأزقه السياسي والشخصي في انتقاله من معارض شرس لترمب إلى "عراب" سياسته الخارجية المناهضة للتدخل العسكري، إذ وجد نفسه مضطرا لتمثيل إدارة تقود حربا كان هو أول المحذرين من تبعاتها.
وقد استند فانس في دعمه لترمب عام 2023 إلى إرث الأخير في "تجنب الحروب الجديدة"، لكنه اليوم يواجه واقعا مغايرا في إيران واليمن، مما يهدد شعبيته لدى الجناح الانعزالي في حركة "ماغا" (MAGA) ولدى أصدقاء مقربين مثل تاكر كارلسون.
وقد قاد فانس وفدا يفتقر للمراس الدبلوماسي، غلبت عليه عقلية "الصفقات" التي يمثلها المبعوثان كوشنر وويتكوف، في مواجهة خصم إيراني استطاع حيازة أوراق ضغط إستراتيجية بعد إغلاقه مضيق هرمز.
في ظل تهكم ترمب العلني حول إلقاء اللوم على نائبه إن فشل، يجد فانس نفسه في مواجهة مصير سياسي غامض، ففشله في إنهاء الحرب التي يعارضها قد يطارده في طموحاته الرئاسية لعام 2028، ويجعله شريكا رغما عنه في صراع سعى طويلا لتفاديه.
وفي 28 فبراير/شباط الماضي، بدأت إسرائيل والولايات المتحدة حربا على إيران خلّفت آلاف القتلى والجرحى، أعقبها وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين انطلق منذ الأربعاء الماضي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة