وسط توترات متصاعدة تغير مسارات التجارة والطاقة بسبب حرب إيران المستمرة منذ أكثر من خمسة أسابيع، تتقدم الدول المغاربية كمستفيد محتمل من فراغ خليجي اضطراري.
ففي خضم هذه الحرب، تمتنع الرباط والجزائر عن إدانة الهجمات على إيران ، وتتماهى مواقفهما بشكل متزايد مع دول الخليج، وهو ما يفتح لهما نافذة فرص سياسية واقتصادية جديدة.
فكيف تتقاطع مصلحة المغرب في ملف الصحراء مع الغضب الأمريكي تجاه إسبانيا؟ وكيف تشكل حرب إيران فرصة للجزائر من أجل تقوية علاقاتها مع أوروبا وتعزيز دورها في مجال الطاقة؟
انطلقت دعوات ألمانية رسمية، على لسان وزيرة الاقتصاد الألمانية كاترينا رايشه لوكالة (د ب أ) بتاريخ 30 مارس/آذار 2026، أكدت الاتجاه لعقود غاز طويلة الآمد وضمان تنويع الإمدادات تحسبا لانقطاع الغاز بسبب الحرب. وذكرت الوزيرة أن شركات الطاقة الألمانية توسع تعاونها مع الجزائر، ما يعزز مكانة الجزائر كمورد موثوق في ظل التوترات الإقليمية.
وكذلك أكدت تقارير وكالة (أ ف ب) بتاريخ 21 مارس/آذار 2026 أن الجزائر وليبيا تُطرَحان كبديلين للغاز الخليجي، رغم محدودية قدرتهما في المدى القصير. وتُبرِِز التقارير أن أنابيب الغاز الجزائرية نحو أوروبا تقع خارج مدى الصواريخ والطائرات المسيَّرة الإيرانية، وهذا يمنح الجزائر ميزة استراتيجية مقارنة بدول الخليج المتضررة.
وفي المغرب، يفضل صانع القرار الرسمي الصمت تجاه حرب إيران، رغم أن الولايات المتحدة وإسرائيل تُعدَّان من أقرب الحلفاء إليه خصوصاً في ملف الصحراء الغربية ، وفق ما نقلت صحيفة فرانكفورتر ألغيماينه الألمانية أمس (الأحد الخامس من أبريل/نسيان 2026)، مضيفةً أن الأولوية لدى الرباط واضحة وهي الحفاظ على دعم واشنطن لها من أجل الحفاظ على ضم هذا الإقليم، وهو ما كان كرسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل قوي. وتتزامن هذه البراغماتية مع استياء أمريكي متزايد من إسبانيا، بعد أن سعى رئيس حكومتها بيدرو سانشيز لتقديم نفسه دوليا كزعيم معارض للحرب.
وتصاعدت المواقف الأمريكية الغاضبة تجاه مدريد لتنعكس بصورة غير مباشرة على المغرب ، حيث بدأت واشنطن توجه رسائل لافتة، ومنها الدعوة إلى "مسيرة خضراء" جديدة نحو سبتة ومليلية، كما اقترحها مايكل روبين،الباحث البارز في معهد إنتربرايز الأمريكي والمحلل في منبر ميدل إيست، إضافة إلى دعوات للاعتراف بهاتين المدينتين كمنطقتين محتلتين من قِبَل إسبانيا.
وتصاعد الاستياء الأمريكي بعدما منعت الحكومة الإسبانية طائرات أمريكية من التحليق في أجوائها خلال انتقالها إلى مناطق العمليات ، كما رفضت السماح لطائرات التزويد بالوقود باستخدام قواعد مورون وروتا المشتركة مع الناتو في الأندلس في الأيام الأولى للحرب. وهذا ما دفع السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام إلى طرح خيار إغلاق القواعد الأمريكية في الدول التي لا تدعم العمليات العسكرية، وهو ما فتح الباب أمام التفكير في المغرب كبديل استراتيجي على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق.
وتتدرج المصالح المشتركة بين الرباط وواشنطن من التعاون العسكري إلى التزود بالسلاح، إذ تمثل الولايات المتحدة أكبر مورد للمغرب بنسبة 60 بالمئة، تليها إسرائيل، بحسب صحيفة فرانكفورتر ألغيماينه. ورغم بعض الاحتجاجات المحدودة، ضد حرب إيران، في مدن مثل طنجة، فإن مصادر مغربية، مثل وزير الخارجية ناصر بوريطة، تؤكد رفض "العدوان الإيراني غير المبرر على دول الخليج "، مع امتناع هذه المصادر عن إدانة الضربات على إيران نفسها، وهو ما يوضح تموضع الرباط الدقيق بين مصالحها الإقليمية وحسابات واشنطن.
وعلى مستوى الطاقة، وجد المغرب نفسه في قلب أزمة ارتفاع الأسعار خصوصا وأنه يعتمد كليا على الوقود المستورد منذ إغلاق مصفاته الوحيدة عام 2015، لكن قد يجني المغرب نفسه فوائد تجارية مباشرة من حرب إيران، مع اضطرار شركات الملاحة الكبرى مثل ميرسك وَهاباغ‑لويد وَسي إم أيه وَسي جي إم إلى تغيير مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، ما يزيد زمن العبور بمقدار 10 أيام إلى 14 يوما، وفق ما أكده إدريس أعرابي، المدير العام لميناء طنجة المتوسط لوكالة رويترز للأنباء بتاريخ 30 مارس/آذار 2026. وقد بدأ الميناء فعليا الاستعداد لزيادة أعداد السفن القادمة، خصوصا مع تجنب قناة السويس وباب المندب بسبب هجمات الحوثيين من اليمن.
وعلى النقيض من موقفها في الحرب الأولى عام 2024، حين أدانت الجزائر الضربات الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، تتخذ الجزائر اليوم في الحرب الثانية موقفا أكثر هدوءا، مبتعدةً عن طهران التي تربطها بها علاقات تاريخية قوية. فقد سبق أن استقبلت الجزائر الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي، وحافظت على علاقات متينة مع روسيا والصين. غير أن اندلاع حرب إيران الحالية دفع الجزائر إلى التماهي مع مواقف الخليج ، بحسب صحيفة فرانكفورتر ألغيماينه، دون إدانة صريحة لإيران، في محاولة للخروج من العزلة الدولية التي عانت منها في السنوات الأخيرة.
ويرجح مراقبون أن هذا التحول مرتبط أيضا بالفرص الاقتصادية الناشئة. إذ أصبحت الجزائر لاعبا أساسيا في تزويد أوروبا بالغاز منذ تعطل الشحن عبر مضيق هرمز وتحول السفن إلى طرق بديلة. وقد تحرك وزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس سريعا إلى الجزائر لإجراء محادثات حول إمدادات الغاز، في ظل حاجة أوروبية ملحة لتعويض نقص الإمدادات الوافدة من الخليج.
تحرير: عارف جابو
المصدر:
DW