القدس- بعد عامين ونيف من الانتظار، كان شادي وليندا والدا الشهيد المقدسي وديع عليان يعيشان على أمل بسيط بأن يحتضنا طفلهما ليمنحاه وداعا يليق بطفولته التي انطفأت مبكرا، لكن ما كُشف مؤخرا لم يكن سوى صدمة جديدة لهما، بعدما تبيّن أن الجثمان نُقل قبل 6 أشهر من الثلاجات إلى " مقابر الأرقام"، دون أن تُبلغ العائلة أو محاميها.
وبذلك لم تُحرم الأسرة من طفلها فحسب، بل من حقها في الوداع وإغلاق دائرة الحزن التي فتحها الاحتلال بإعدام وديع (14 عاما) بدم بارد يوم 5 فبراير/شباط 2024، قرب مدخل بلدة العيزرية شرقي القدس بادعاء محاولته تنفيذ عملية طعن.
ووفق رد النيابة العامة الإسرائيلية على التماس قدّمه المركز القانوني لحماية حقوق الأقلية العربية "عدالة" إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للمطالبة بالإفراج عن الجثمان، فإن عملية الدفن تمّت في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعد قرار صدر بهذا الشأن في 22 من الشهر ذاته، أي قبل أسبوع من التنفيذ.
سألت الجزيرة نت شادي عليان والد وديع عن استقبالهم لخبر دفن جثمان نجله دون علمهم بعد أكثر من عامين من الانتظار، فأجاب "الخبر صادم، وردّ النيابة العامة غير متوقع.. كنا نأمل بالإفراج عن جثمانه خاصة بعدما ارتبط الإفراج عنه بشكل مباشر بصفقة تبادل الأسرى الأخيرة".
وعما يعنيه أن تُحرم عائلته من وداعه ودفنه بشكل لائق، قال شادي "من حقنا أن نقوم بدفن طفلنا حسب تعاليم الشريعة الإسلامية لا بالطريقة العشوائية التي تتبعها السلطات الإسرائيلية، ومن حقنا أن نقبله قبلة الوداع بعد إلقاء النظرة الأخيرة عليه، وأن يكون قبره متاحا للزيارة حينما نشتاق إليه".
وأكد أنهم مستمرون في المطالبة باسترداد جثمانه رغم نقله إلى مقابر الأرقام، وأنهم لن يتوقفوا عن ذلك حتى تحقيق العدالة بتسليمه ودفنه "في مقابرنا لا في مقابر الأرقام".
وعن الرسالة التي تود العائلة إيصالها للعالم، قال شادي إنها لن تصل "لأن العالم اليوم أعمى وأصم لا يرى ولا يسمع، كما أنه لا يمكن لأحد أن يتخيل أن يكون استلام أب لجثمان فلذة كبده لدفنه خبرا مفرحا وأمنية ينتظر تحققها".
لا يبدو وديع مجرد اسم في خبر أو رقما في واحدة من 6 مقابر أرقام يُدفن فيها الشهداء الفلسطينيون، بل طفل كانت له طباع وحضور في ذاكرة عائلته، فما زال كما هو بابتسامته العفوية التي تملأ كل زاوية في المنزل رغم الغياب الثقيل والمستمر.
وأوضح والده "وديع طفل بريء قوي الشخصية ويحبه الجميع.. كان مميزا جدا في مدرسته ويحلم أن يصبح لاعب كرة قدم وهي الهواية التي شغف بها. ورغم براءته فإنه كان يحمل عقل رجل راشد إذ سبق عمره بكثير".
من جانبها، تابعت سهاد بشارة محامية المركز القانوني لحماية حقوق الأقلية العربية "عدالة" ملف وديع من اللحظة الأولى لاحتجازه، وقالت للجزيرة نت إن رد النيابة العامة الإسرائيلية الذي تلقته مؤخرا أوضح أنه تم دفن الجثمان في مقابر معدة لجثامين المحتجزين، وأن المركز باشر بالمكاتبات من اللحظة الأولى لاحتجاز الجثمان "وأُبلغنا أن الأمر قيد البحث وسوف يتم إعلامنا بأي مستجدات".
وفي ردها على سؤال ما إذا كان ما جرى يُعد خرقا للإجراءات المتبعة أو لحقوق العائلات وفق القانون المحلي أو الدولي، أجابت "كان على الجيش الإسرائيلي إخبار العائلة أو إخبارنا بنية الدفن، من أجل أن يتسنى للأهل اتخاذ قرارات بشأن إجراءات قانونية إذا رغبوا بذلك خاصة أننا تراسلنا معهم في هذا الشأن".
وعما إذا كانت حالة وديع استثنائية أم أنها تندرج ضمن سياسة أوسع تتعلق باحتجاز الجثامين، أكدت سهاد بشارة أنها ليست حالة استثنائية لأن السياسة العامة للجيش هي القيام بعملية دفن الجثامين المحتجزة، مشيرة إلى أنها -ومن خلال مركز عدالة- قدّمت التماسا لتحرير جثمان وديع من مقابر الأرقام، وينتظرون الآن تعيين جلسة أمام المحكمة العليا بهذا الخصوص.
من جهته، قال منسق الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء حسين شجاعية للجزيرة نت إن نقل الشهداء من الثلاجات إلى مقابر الأرقام هو استمرار لسياسة احتجاز الجثامين التي تُمارس كأداة ردع وعقوبة على الفلسطينيين، وكممارسة "سادية" من قبل الاحتلال والتي تبدأ من لحظة قرار الاستشهاد مرورا بالنقل وانتهاء بالاحتجاز وظروفه القاسية.
واعتبر أن هذه السياسة وُجدت بالأساس لاستخدام الجثامين كورقة ضغط ومساومة في أي صفقة تبادل من جهة، وللتحكم في الفلسطينيّ حتى بعد موته وخلق متاعب لعائلته من جهة أخرى، مؤكدا أنها منافية لكافة الأعراف والمواثيق الدولية التي تؤمن بحقوق الإنسان والتي يضرب الاحتلال بها عرض الحائط.
وفيما إذا كانت الحملة الوطنية قد وثقت سابقا حالات مشابهة لحالة وديع، أوضح شجاعية أنه تم نقل 4 جثامين لشهداء من الثلاجات إلى مقابر الأرقام عام 2017، وجميعهم كانوا ينحدرون من مناطق الضفة الغربية.
ووفقا لأحدث بيانات الحملة، فإن عدد الحالات المسجلة والموثقة لديها كجثامين محتجزة يبلغ 785، بينهم 78 جثمانا لشهداء تقل أعمارهم عن 18 عاما، و98 شهيدا من الحركة الأسيرة بالإضافة إلى 10 شهيدات.
وما بين الثلاجات ومقابر الأرقام، أكد شجاعية أن 52 جثمانا تعود لشهداء مقدسيين، أقدمها للشهيد جاسر شتات الذي قُتل عام 1968 وتحتجز سلطات الاحتلال جثمانه في مقابر الأرقام، فيما يعود أصغر جثمانين محتجزين من القدس للطفلين خالد الزعانين من بلدة بيت حنينا شمالي المدينة، ووديع عليان من بلدة جبل المكبر جنوبيها، ويبلغ كلاهما من العمر 14 عاما.
وعلى الموقع الإلكتروني لمنظمة الأمم المتحدة، تضمّن الفصل الـ11 من اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 12 أغسطس/آب 1949 مادتين تتعلقان بمسألة احتجاز الجثامين خلال الحروب.
وتنص المادة (130) على أنه "على السلطات الحاجزة أن تتحقق من أن المعتقلين الذين يتوفون أثناء الاعتقال يدفنون باحترام، وإذا أمكن طبقا لشعائر دينهم، وأن تحترم مقابرهم وتصان بشكل مناسب، وتميز بطريقة تمكن من الاستدلال عليها دائما".
وفي المادة ذاتها، تؤكد الاتفاقية على أن يُدفن المتوفون في مقابر فردية، إلا إذا اقتضت ظروف قهرية استخدام مقابر جماعية. وبمجرد أن تسمح الظروف، وبحد أقصى لدى انتهاء الأعمال العدائية، تقدم الدولة الحاجزة قوائم تبين المقابر التي دفنوا فيها، وتوضح هذه القوائم جميع التفاصيل اللازمة للتحقق من هوية المعتقلين المتوفين ومواقع المقابر بدقة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة